أحمد يوسف: المرأة في حماس.. المرأة في طالبان: في سياق القراءة والتقييم!!

جمعني في الدوحة لقاءٌ حواري مع وفدٍ من حركة طالبان للحديث عن تجربة حركة حماس في التعامل مع موضوع تعليم المرأة ورسالتها ودورها في المجتمع الفلسطيني.. كان الحوار طويلاً، واتيحت لي الفرصةُ لتقديم وجهة نظرنا والاستماع لوجهة نظرهم، وكان مما جاء في مطلع كلمتي التعقيب على قرارات حكومة طالبان، والخاصة بتعليق تعليم الفتيات وتقييد عمل المرأة، والتي أثارت ضجة كبرى، وحالة من الصدمة والذهول في كافة أرجاء العالم، لدرجة دعوة أمين عام منظمة التعاون الإسلامي إلى سرعة إطلاق حملة دولية لجمع أصوات العلماء والمرجعيات الدينية في العالم الإسلامي كافة ضد قرار حكومة طالبان… وذلك وفقاً لتعاليم الدين الإسلامي الحنيف التي تدعو إلى تعليم البنات.

في بداية كلمتي، أظهرت لإخواني في وفد حركة طالبان كيف أنَّ جهاد الشعب الأفغاني ضد السوفيت خلال فترة الثمانينيات كان مثارَ فخرٍ وإعجاب لكلِّ شعوب العالم، ونموذجاً لأمتنا الإسلامية ومصدرَ إلهامٍ في الجهاد ضد المحتلين من أجل حق تقرير المصير، وهو ما أنجزته أيضاً حركة طالبان في مقاومتها للاحتلال الأمريكي، وحصول الشعب الأفغاني على الحرية والاستفلال.

قلت لإخواني كذلك: حقيقة، نحن لا نفهم ما هي الرسالة التي توجهها حكومتكم للعالم بمثل هذه القرارات، وما علاقة كلُّ ذلك بالإسلام؟ إن حركتكم التي رسمت مشهداً للانتصار يعتز به الجميع من أبناء أمتنا الإسلامية، قد غدت اليوم بمثل هذه القرارات الخاصة بالمرأة، مثاراً للاستغراب والتندر، وأعطت لأعداء الأمة الإسلامية الذرائع لتوجيه الاتهامات للدين الإسلامي وأتباعه بالظلامية والتخلف والعداء للحضارة الإنسانية!!

وقد أوضحت لهم قائلاً: عندما فازت حركة حماس في الانتخابات التشريعية وقامت بتشكيل الحكومة، حاول البعض اللعب على وتر المرأة، وما الذي ستقوم به حكومة حماس من إجراءات بخصوص هذا الملف، حيث إن “موضوع المرأة” كان وما زال بمثابة “مسطرة القياس و”بيضة القبان” للحكم على الحركة وعقلية قياداتها من حيث المرونة أو الانغلاق.

لقد أشرت لهم بأن حركة حماس ومنذ البداية فطنت لهذه المصيدة، ونجحت في حماية هذه الثغرة من الاختراق، بتقديم نموذج متميز في تعاملها مع المرأة، وقمت باستعراض تجربتنا مع هذا الملف قبل وبعد مشهد الحكم والسياسة. وقد أوضحت كيف كانت نظرة الكثيرين من أنصار الحركة وأبنائها بعد فوزها في الانتخابات التشريعية بأنَّها غدت تمثل أول حكومة إسلامية، وخاصة بعد أن أصبح قطاع غزة خاضعاً لحكمها منذ العام 2007، وهو ما دفع العديد من الدعاة والنشطاء الإسلاميين للمطالبة بتطبيق “الحكم الإسلامي” كإقامة الحدود، وتشديد القيود على حجاب المرأة ولباس الفتيات، ولكنَّ خطاب الحركة والحكومة كان واضحاً: ليس هناك ما يستدعي ذلك، فالمجتمع الفلسطيني مسلم ومحافظ بطبيعته، وسلوكياته لا تتناقض مع معتقداته الدينية وأخلاقه.

ونظراً لأنَّ المرأة في حركة حماس لها مكانة متميزة في السياق الاجتماعي والدعوي والوطني، قمت بتسليط الضوء على نظرة حركة حماس للمرأة فكريًا وسياسيًا، والحكم إذا ما كانت الحركة قد أنصفتها في أخذ دورها كشريك للرجل في مواقع العمل الحركي والتنظيمي أم لا؟ وهل حجم المشاركة في مؤسسات الحركة اليوم يُعبر عن مدى القناعة بدورها ورسالتها في المجتمع، أم أنَّ ما تقلدته من مناصب هو فقط مظهر تجميلي للحركة تجاه المرأة ليس إلا؟ وهل هذا الحضور يعكس الحجم الحقيقي المتوجب للمرأة في أماكن صناعة القرار بالحركة؟ هذا بعض ما حاولت عرضه لإخواني في حركة طالبان كي يستفيدوا من تجربتنا في التعامل مع الشق الآخر من “شقائق الرجال” في سياق التكليف والمساواة.

لقد بينَّا لإخواننا في طالبان بأن المرأة الفلسطينية هي مكوِّنٌ أساس في النضال الوطني، وحضورها يكتسب أهمية خاصة كأحد أهم روافد التربية النضالية، وقد أصبحت خزَّانًا بشريًا إستراتيجياً أسهم بشكل كبير في رفع مكانة الحركة تنظيميًا واجتماعياً وسياسيًا وعسكريًا. وقد تمَّ التأكيد على أهمية مكانة المرأة داخل الحركة من خلال تشريع قانوني تضمنه الوثيقة السياسية المعدلة للحركة الصادرة في العام 2017، والتي نصَّت على “إنَّ دور المرأة الفلسطينية أساس في بناء الحاضر والمستقبل… وهو دور محوري في مشروع المقاومة والتحرير وبناء النظام السياسي”.

لقد أشرنا لإخواننا في حركة طالبان أنَّ بروز دور المرأة التنظيمي والدعوي والسياسي في حركة حماس بدأ مبكراً مع تأسيس “الحركة الإسلامية النسائية”، التي عملت بشكل منظم ونجحت في بناء جسمٍ نسوي دعوي كان مرجعًا لأنشطة النساء في الكتل الإسلامية داخل الجامعات الفلسطينية، والتي كان أبرزها مجلس الطالبات في الجامعة الاسلامية بغزة أوائل الثمانينات، ومن خلال هذا المجلس مارست المرأة العديد من الأنشطة والفعاليات، كما شاركت في نشر الوعي النضالي والسياسي من خلال الأعمال الفنية والتراثية والمسابقات الثقافية.

إنَّ هذه المراحل التي تدرَّجت بها المرأة في سُلِّم العمل التنظيمي في حركة حماس أوصلتها إلى مكانة مهمة في العمل السياسي، إذ أصبحت جزءاً مشاركًا في صنع القرار السياسي والتنظيمي، وبرزت في صفوف الحركة أسماءٌ لقياديات أمثال جميلة الشنطي وأميرة هارون ورجاء الحلبي ورحاب شبير واعتماد الطرشاوي من قطاع غزة، وغيرهنَّ من الأخوات اللاتي تقلدن مراكز مهمة في إداريات الحركة والمؤسسات الحكومية.

ورغم التطور الإيجابي والنقلة النوعية في ملف المرأة داخل حركة حماس بوصول امرأتين إلى عضوية المكتب السياسي في الانتخابات الداخلية الأخيرة، إلا أنَّ التطلعات ما تزال تظلعُ دون مستوى الطموح والاستحقاق المطلوب.

في الحقيقة ومن باب الإنصاف، أثبتت المرأة في حركة حماس أنها قادرة على مشاركة الرجل في شتى مجالات العمل السياسي والحركي والنضالي،

والمرأة اليوم في الحركة ليست فقط ناشطة في العمل الدعوي والتعليمي، بل هي حاضرة في كلِّ مؤسسات الحركة التنظيمية والسياسية، وهي ركيزة أساس داخل منظومة العمل الحكومي؛ من القطاع الصحي إلى قطاع الشرطة والأمن، وهناك وزارة خاصة باسم وزارة شؤون المرأة.

ختاماً.. لا شكَّ أن مكانة المرأة في المجتمع الفلسطيني فريدة ومتميزة، ويحكمها بشكل عام حالة من الالتزام الأخلاقي و”الانفتاح المحافظ” المتوازن مع القيم الإسلامية، ونحن هنا -بصراحة- لا نُجري مقارنة مع المرأة في أفغانستان، ولكننا نلفت نظر إخواننا في طالبان أنَّ المرأة بشكل عام هي عنصر بناء لا بدَّ من تعليمه وتوظيفه للنهوض بالبلاد، وهذا ما لمسناه على أرض فلسطين. نعم؛ نحن مدركون أنَّ بيننا وبينهم تباين كبير، فالظروف الاجتماعية والثقافية مختلفة، والطبيعة القبلية شديدة المحافظة والتعقيد، ولكن ما أوردناه هنا هو بغرض عرضِ مشهدٍ آخر يتصف بـ”الإسلامية”، وتحظى فيه المرأة -تعليمياً ووظيفياً- بالكثير مما تطمح في الوصول إليه. وهذا معناه أن ما اتخذته طالبان من قرارات ليس بالضرورة دافعه حسابات دينية، بل هي تقييدات العادات والتقاليد والأعراف القبلية الموروثة والعزلة الحضارية، وغياب حالة التنوير والوعي الديني وانعدام المرجعيات الإسلامية، وحالة الانغلاق وعدم الانفتاح على الثقافات والحضارات الإنسانية الأخرى.

الرابط مختصر: