أكرم عطا الله: عن ممكنات القوة العربية

خلال الأسبوع الأخير تسارعت الأنباء عن توقيع الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران بتصريحات من قبل الجانبين تشي بتقارب يفضي إلى التوقيع وفقاً لبعضها سيتم خلال أيام. وبات واضحاً أن الإدارة الأميركية كانت عاقدة العزم على العودة للاتفاق باعتبارها امتداداً لإدارة أوباما بطواقمها، والأكثر وضوحاً أنه يجري تسريع المفاوضات وإنهاؤها ارتباطاً بالحرب الدائرة في أوكرانيا ورغبة الإدارة الأميركية بتعويض النقص في سوق النفط بعد رفض السعودية ودول الخليج زيادة إنتاجها وهو ما عززته تصريحات إيرانية تتعهد بتعويض الإنتاج في سوق الطاقة لحظة الاتفاق.
مسودة الاتفاق أصبحت جاهزة وتلقت إسرائيل نسخة منها، ولا نعرف إذا كان كل هذا الضجيج الإسرائيلي هو حقيقة أم لا بعد التقديرات التي أشارت لحظة رحيل نتنياهو وترامب إلى أن أسوأ ما صنعه الثنائي هو الانسحاب من الاتفاق النووي والذي حرر طهران من القيود وأدى لتسريع العمل في تفاعلاتها النووية، بمعنى أن هناك تقديرات وازنة تعتبر أن الاتفاق يصب في المصلحة الإسرائيلية وإن كانت تل أبيب تعلن تلك المعارضة ربما لأسباب أخرى منها الحصول على ما يشبه التعويض من واشنطن، وعلى رأسها عدم الضغط في الملف الفلسطيني كأن تبدو أنه يكفيها أنها تقدم تنازلاً في الملف الإيراني.
العرب وتحديداً دول الخليج تعتبر نفسها من أبرز المتضررين في الاتفاق.
وتنامى هذا الاعتراض بعد حرب اليمن وقدرة الحوثيين المدعومين من طهران على توجيه ضربات داخل السعودية والإمارات، لكن الأساس في ذلك هو صراع جاء على هامش ما عرف بالربيع العربي والذي تصادمت فيه دول الخليج مع إيران في أكثر من عاصمة عربية وهو لم يكن بذلك الشكل قبل أن تدخل إسرائيل على خط التحريض وليس سراً أنها لعبت دوراً في تسعير الصراع السني الشيعي في المنطقة.
جاء ذلك في توصيات مؤتمر هرتسليا الثالث عشر وكان أخطر المؤتمرات الذي قاد إلى تلك النتيجة.
كان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب يتعاطى بخفة مع العرب معتبراً أنه يقوم بدور الحماية وأن على العرب أن يبقوا في الفلك الأميركي، بل وأن يدفعوا ثمن تلك الحماية أو كأن العرب ليسوا قادرين على الدفاع عن أنفسهم هذا إذا افترضنا أن العرب غير قادرين على حل مشاكلهم مع الدول الأخرى، أو أن الصراع كتب عليهم إلى يوم الدين أو أنهم ليسوا مؤهلين لإدارة سياسة تجنبهم الحروب مع دول أو قوميات شاء قدر الجغرافيا بمجاورتهم.
بعد توقيع الاتفاق يفترض أن تكون هناك لحظة تأمل سياسية بالنسبة للعرب للبحث عن آفاق الفرص وممكنات القوة الموجودة فعلاً في المنطقة العربية، فلا يفترض أن يسبب اتفاق بين دولتين أي قدر من الخشية تدفعهم لخيارات غير مدروسة وخصوصاً في هذا الوقت بالذات الذي تقف فيه الدول العربية على مسافة من أطراف الصراع الدولي الدائر في أوكرانيا ولا تقف إلى جانب الولايات المتحدة التي طالبتهم بذلك، وطلبت تعويض النقص في الطاقة وأبدوا لأول مرة منذ حرب 73 موقفاً يعبر عن مصالحهم المستقلة ويعكس استثمار إمكانياتهم في صالح السياسة.
في زمن الاقتصاد وحروبه يمكن أن تظهر الدول العربية كطرف فاعل ومهم، وخصوصاً بعد أن أثبتت الحرب الدائرة زيادة الاعتماد العالمي على الطاقة بعكس ما أشيع في السنوات الأخيرة من تقليل الاعتماد على النفط وتراجع دور المنطقة العربية، فالدول في الخليج تمتلك أكبر احتياطات للنفط والغاز وتلك تشكل في حروب المستقبل ما يشبه الفيتو الاقتصادي الذي يوازي فيتو الدول العظمى في مجلس الأمن.
ومن يلاحظ التصريحات الفرنسية والألمانية وحاجتها للنفط الروسي يدرك ممكنات القوة لدى الدول العربية وفقط ما كان ينقص كيف تكون تلك في خدمة السياسة.
لدى العرب إمكانيات عسكرية لا تقل عن إمكانيات الاقتصاد وتتصدرها جيوش قوية مثل الجيشين المصري والجزائري، بل وبدأت بعض الدول إنتاج طائرات دون طيار وتلك باتت مهمة في المعارك على الأقل حروب المنطقة، وبرز تعاون في الآونة الأخيرة بين مصر والخليج في هذا المجال ذهب أبعد من تلك الطائرات.
وحين نتحدث عن تكامل اقتصادي عسكري هنا نتحدث عن ميزان قوة حقيقي يمكنه الدفاع عن المصالح العربية وهو ليس بحاجة إلى التعاون مع إسرائيل بل إن إسرائيل تشكل عنصر ضعف بالنسبة للدول العربية كدولة باتت تصنف لدى المنظمات الدولية الرصينة أنها تمارس الأبرتهايد.

ثلاث قوميات تتنازع في الإقليم وتعرف مصالحها جيداً. وما حدث خلال العقد الأسود الماضي أن الجميع يتنازع للاستحواذ على العرب فيما كان العرب الطرف الذي يتلقى الضربات فاقداً توازنه وثقته بنفسه ويصارع نفسه في إطار الصراعات الكبرى، ولم يدرك أن هناك ما يكفي من المؤهلات والتجارب ما يمكن أن يشكل قوة حقيقية، ومن يقرأ التاريخ الحديث وحده يدرك أن هناك تجربتين كان يمكن البناء عليهما؛ تجربة جمال عبد الناصر وتجربة صدام حسين قبل أن يجتاح الكويت ولكن تلك التجربتين شارك العرب في إضعافهما.
الأساس في الضعف العربي ليس القوة الخارجية بل علاقة العرب غير السوية ببعضهم القائمة على التنافس وليس التكامل ورغبة كل دولة بإضعاف منافستها حتى لا تتقدم عليها. فالمعادلة معكوسة تبدو كصراع القبائل الذي تعتبر فيه كل قبيلة أنه لا يجب أن شرط تفوقها هزيمة الأخ اللدود ما أورث المنطقة العربية هذا القدر من الوهن؟
آن الأوان لمقاربة جديدة وهي ممكنة مع وصول أجيال جديدة في الحكم متحررة من وطأة الإرث السابق أكثر تعليماً وانفتاحاً وأكثر قدرة على فهم مصادر قوتها وتحويلها إلى سياسة وقد وفرت اللحظة التاريخية فرصة وبروفة بالإمكان الانطلاق منها.
لدى العرب الكثير مما يؤهلهم إذا ما تصرفوا بكفاءة وهي ممكنة في إطار بعدها القومي بعيداً عن إسرائيل التي تضعف من قوة من يقترب لها لأن صورتها تنكشف أكثر .. هي دولة احتلال، هي هكذا …!!!

الرابط مختصر: