الملـيار الثامن (2 من 2)

كتب: عبد الغني سلامة:

وطالما أن الانفجار السكاني يسير بمتوالية هندسية، تترافق مع استمرار استنزاف الإنسان لموارد الأرض، وتواصل تعدّياته على البيئة، ونقصان المساحات الصالحة للزراعة، وشُحّ موارد المياه، فإن المستقبل سيبدو مرعباً، وسيكون العالم بلا رحمة، ولا مكان فيه للضعفاء، ولكن الضعفاء هم دائماً الأغلبية الساحقة، لذا قد تصبح حروب البشر حينها ضرورة بيئية، ولكنها ستكون شديدة التدمير، وسيكون ضحاياها بالملايين.
ولكن حتى لو افترضنا تعقّل الإنسان، فإن تهديدات الطبيعة ستبقى له بالمرصاد، فهناك الاحتباس الحراري، والتلوث، والأوبئة. فإذا تسببت الإنفلونزا الإسبانية بمقتل نحو 20 مليون إنسان في أعقاب الحرب العالمية الأولى، فإن فيروس ما – هو في علم الغيب الآن – سيكون سبباً لانتشار وباء عظيم، سيخرج عن نطاق السيطرة، وسيؤدي إلى موت مليارات البشر، وما جائحات الطاعون و»كورونا» إلا مجرد بروفات تمهيدية للخطر القادم، الذي لن يبقي ولن يذر.
إذا ما تحقق أيٌّ من السيناريوهات التي تهدد بفناء الحياة على الأرض، فإن وقوعها وإن كان بالنسبة للإنسان كارثة الكوارث، إلا أنها بالنسبة للأرض حدث عادي تعودت عليه، فقد اعتاد كوكبنا على تلقي ضربات من كويكبات فالتة بمعدل مرة كل بضعة ملايين سنة، واكتشف علماء الجيولوجيا أن تدميراً بيئياً واسعاً يحدث دورياً كل ثلاثين مليون سنة، وهو رقم ضئيل بالنسبة لعمر الأرض، كما أن الحركة البندولية لمحور الأرض تجري بانتظام، وتسبب حلول عصور الجليد، وكانت آخر مرة نفلت فيها من عصر الجليد قبل 12500 عام. وهو رقم بسيط في عمر البشرية.
حاول الإنسان ومنذ أن امتلك وعيه تصوُّر حياته بلا تعاسة ولا معاناة، إلا أنه أخفق في هذا المسعى أيما إخفاق، فقد لازمه الألم والشقاء كظلِّه، ولكن من جهة أخرى وبعد آلاف السنين من مسيرة تطوره الحضاري، لا بد أن نقر بأنه حقق نجاحات مهمة في هذا المضمار، فإذا قمنا بإجراء مقارنة بسيطة بين أي عصرين متلاحقين، سنشهد العديد من الإنجازات التي ساعدت الإنسان على التخلص من بعض آلامه وخوفه وأمراضه، وأمّنت له قدراً من الراحة والرفاهية، وحققت له مزيداً من الرخاء والتقدم.
وتكفي الإشارة إلى أنه بفضل التقدم العلمي والصحي، قد تطور معدل عمر الإنسان من 18 سنة في العصر الحجري، إلى 23 سنة في زمن المسيح، إلى 45 سنة في بداية القرن العشرين، حتى وصل اليوم نحو 70 سنة. علماً أن متوسط عمر الإنسان في الدول الفقيرة والنامية ما زال بحدود 41 سنة فقط حتى هذا اليوم، بينما يبلغ في بعض الدول المتقدمة نحو 89 سنة.
كما أن الثقافة الإنسانية آخذة بالتجانس أكثر فأكثر، والعالم اليوم يزداد شمولية وترابطاً، ولكنه يصغر أمام ساكنيه، والإنسان الذي ما زال يراكم معرفته يتقدم بخطى حثيثة نحو معرفة أكبر ولكنها أكثر تعقيداً، فهو يتبع طريق المادة والطبيعة في رحلة تطورها وصيرورتها، وهي التي استغرقت ملايين السنين، ولكن الإنسان يمضي بها الآن بوتيرة أسرع، فعندما دُشنت الثورة الصناعية كان تعداد البشر لا يتجاوز المليار، وكان اختراعها الأبرز هو الآلة البخارية، أما اليوم فإن هذا الاختراع قد احتل مقعده في متحف المقتنيات الأثرية، وحلت مكانه أدوات كانت لعهد قريب رجماً بالغيب.
وعندما بلغت البشرية مليارها الأول (1805) كانت المحركات تسير بقوة البخار، والمستوطنون البيض يشنون حملات الإبادة ضد الهنود الحمر، وتجار الرقيق يعبرون المحيط محملين بملايين العبيد، والإمبراطورية العثمانية في بدايات أفولها، وصناعة السيارات وعلوم الوراثة والفيزياء النووية مخبأة في رحم المستقبل. أما حينما أكملت البشرية مليارها الثاني (1927) كانت بريطانيا العظمى الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وكانت القطارات تسير على الفحم، وأفلام تشارلي شابلن بالأبيض والأسود. وعند المليار الثالث (1960) كانت أم كلثوم وعبد الناصر يوحدان الجماهير العربية، وإلفيس بريسلي يلهم شبان أميركا، وقد بدأ عصر التلفزيون، والتنافس على غزو الفضاء، وكانت الحرب الباردة في أوجها، وكان انهيار الاتحاد السوفياتي من المستحيلات.
وعند المليار الرابع (1974) كان العشاق يتبادلون الرسائل الورقية المعطرة، يبدؤون صباحهم بصوت فيروز، وكان لبنان على موعد مع حرب أهلية، وكان الكمبيوتر بحجم الغرفة، والإنترنت من أسرار أميركا العسكرية، وفي تلك السنة قال ياسر عرفات أمام الأمم المتحدة عبارته الخالدة: «لا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي». وعند اكتمال المليار الخامس (1987) صارت الوجبات الجاهزة والسريعة بديلاً عن الوجبات البيتية، والسهرات العائلية صارت في المناسبات، وكان مايكل جاكسون فتى أميركا الأول، وكان غورباتشوف يفكّك الاتحاد السوفياتي، والحرب العراقية الإيرانية قد حصدت أكثر من مليون ونصف المليون قتيل، والفلسطينيون على موعد مع الانتفاضة، وكانت الهواتف النقالة والقنوات الفضائية مجرد خيال علمي.
وعند اكتمال المليار السادس (1999) صارت السماء ملبدة بترددات مئات القنوات الفضائية، وانتشرت الأغاني السريعة، وكان من المفترض أن تنسحب إسرائيل من الأراضي المحتلة وتبدأ مفاوضات الحل النهائي. وعند المليار السابع (2011) بدأت ثورات الربيع العربي، وصار لدى كل طفل: هاتف ذكي، وصفحة على «فيسبوك»، ومقتنيات إلكترونية لا حصر لها. وعند المليار الثامن (2022) كان العالم قد تعافى للتوّ من جائحة «كورونا»، ويراقب بقلق وذعر الحرب الروسية الأوكرانية واحتمالات نشوب حرب نووية، وقد فتح العلماء نافذة على أعماق الكون من خلال مسبار «جيمس ويب»، فيما استضافت دولة عربية (قطر) لأول مرة مونديال كأس العالم.
صحيح أن عمر حداثتنا لا يساوي شيئاً، إذا ما قارناه بملايين السنين من عمر النوع الإنساني، وأن الإنسان وعى شروط عالميته قبل أقل من قرن فقط، وهو زمان لا يُقاس بالنسبة لتاريخ الحضارة، إلا أنه بلغ مرحلة حساسة تجعله يقف على عتبة المستقبل، بكل احتمالاته المجنونة. فمثلاً الروبوتات التي يصنعها ولا يتجاوز ذكاؤها الآن ذكاء نملة، قد تصبح غداً بديلاً عنه، وقد تأتي التكنولوجيا على ما تبقى في دواخلنا من إنسانية. فالمستقبل يخبئ في رحمه ما نعلم، وما لا نعلم.

الرابط مختصر: