سما حسن: بأي ذنب قتلت؟

لو كنت مكان محقق النيابة لاحترت من أين أبدأ في تحري ملابسات الجريمة، هل أبدأ من جريمة ضرب الزوجة الشابة حتى فاضت روحها على يد زوجها، أم أبدأ من زواجها في سن صغيرة بحيث تصبح الجريمة مركبة أو مضاعفة، ولو فكرت قليلا فسوف ابدأ منذ البداية، البداية التي تبدأ بها حياة أي أنثى في مجتمع شرقي، حين تصرخ صرختها الأولى في الحياة، فهناك صرخات أخرى تتعالى لتغطي على صرخة حياتها، هذه الصرخات المستنكرة والرافضة لمجيء أنثى إلى العائلة التي كانت ولا تزال تمجد الذكور وإنجابهم، وتتفاخر بعددهم وبأنهم العزوة والسند.
الجريمة حين جئت يا صغيرة إلى الحياة، أنت كائن غير مرغوب فيه، هكذا جئت ويجب أن تزولي من الأسرة، فبمجرد أن تبلغي مبلغ النساء يتم التخطيط لسترك، تذكري هذه الكلمة جيدا، فالزواج هو الستر، وأنت حين تتزوجين فسوف تنالين شرف «السترة» وحين تصبحين تحت سقف واحد مع رجل اختارته العائلة فأنت عليك أن تحافظي على لقب «المستورة».
لو ضربك وأهانك وأذلك وقلل من آدميتك، وقبح وجهك، وحولك إلى خادمة في النهار وخليلة فراش في الليل فعليك الرضا، بل عليك الحمد والشكر لأنك مستورة، لأنك في نظر المجتمع من حولك على ذمة رجل، ومسماة باسمه، وسوف تكنين باسم أول أولاده الذكور، وبهذه المزية المنتظرة سوف ترتفع مكانتك قليلا ومع كل مولود ذكر ستنجبينه سوف ترتفع مكانتك قليلا، ربما سيتوقف عن ضربك وشتمك، وربما اشترى لك قطعة ملابس كل موسم، وربما قرر أن يصحبك في زيارة لأهلك، ولن يتركك تذهبين لهم بعد أن تتوسلي إليه ويتركك عند قارعة الشارع المؤدي لبيتهم حتى تقضين بضع ساعات ثم يأتي ليصطحبك لكي تعودي إلى بيت السترة.
الجريمة يا صغيرة حين قرر أهلك أن تصبحي المستورة، وغير ذلك فأنت لا تعيشين في الستر، مهما حصلت على شهادات ومراكز، مهما نلت من مناصب، ومهما تقدمت في العمر والتجربة، فأنت ما زلت بلا ظل رجل، وظل الرجل هو الذي يمنحك لقب مستورة، لذلك فعليك أن تتزوجي حتى لو لم يكن هناك أي روابط مشتركة بينك وبين زوجك، وربما كان ابن عمك الذي من حقه أن ينزلك عن الفرس، وحتى لو كان يسبق اسمك عدة القاب أقلها دكتورة، وكان ابن عمك لا يفك الخط، ففي النهاية أنت لحمه ودمه وله واجب السترة الأولى.
أنت يا صغيرة قتلت منذ زمن ليس في اليوم الذي انهال فيه زوجك عليك بالضرب المبرح الذي تسبب في تهتكات داخلية في أعضائك، بل منذ أن تزوجت وأنت في سن صغيرة وأصبحت مع هذا الكائن الذي لا يتفاهم إلا بلغة القوة ورفع الذراع والضرب لكائن ضعيف رقيق، وهو يعرف أن الجميع سوف
يعطيه الحق ويمنحه الأهلية لكي يضربك فأنت زوجته، وكلما كسر لك ضلعا هناك من سيطلب منه أن يكسر لك ضلعا ثانيا.
أنت يا صغيرة رحلت إلى خالقك والجنين في بطنك، أنت ضحية ومجني عليها، أنت يا صغيرة وربما لو كنت في مكان آخر ربما كنت ما زلت تدلين قدميك في البحيرة وتصطادين السمك وتتأملين غروب الشمس وتحلمين، ولكني واثقة أن حياتك في هذه البقعة من العالم ليست إلا كوابيس، تستيقظين كل صباح لتقومي بنفس الدور وهو دور المستورة.
لروحك السلام يا صغيرة، لروحك التحية يا صغيرة لأنك حاولت أن تقولي لا ولكنك دفعت الثمن غاليا وهو روحك، ربما يأتي يوم ويكتب اسمك في قائمة النساء اللواتي كن السبب بسن قوانين وتشريع قوانين تنصف الأنثى، تمنع تزويجها وهي صغيرة قبل أن تحلم، وتمنع أي مخلوق أن يرفع يده عاليا فوق هامتها إلا ليزيح خصلة شعر رقيقة عن جبينها، ربما يا صغيرة كنت ناقوسا يدق في عالم يرانا غير مستورات، ولن نصبح كذلك إلا لو دفعنا حياتنا ثمنا للقب بغيض هو لقب «مستورة».

الرابط مختصر: