قبل الخريف

كتبت: سما حسن:

في المرة الأولى والأخيرة التي شاهدت فيها فيلم “رابعة العدوية”، علق بذهني حوار بين الممثلة التي تقوم بدور رابعة (نبيلة عبيد)، وخادمتها المقربة أكبر الجواري سناً، تضمن الحوار نصيحة محب ونصيحة ممن تعتبر تلك الغانية اللعوب بمكانة ابنتها، عن حقيقة نغفل عنها وخاصة النساء حين قالت لها: الربيع قصير، والخريف طويل طويل. وتقصد بالربيع والخريف بالطبع مراحل عمر الإنسان، فالربيع هو الشباب الذي يمر سريعاً ما بين لهو وغرور وزهو، أما الخريف فهو طويل لأن الانسان – وخاصة المرأة – يصل خريف العمر مع تغيرات بيولوجية، كما ان هذه الفترة تكون طويلة وقد تمتد لأكثر مما امتدت مرحلة الشباب والقوة عند المرأة، فغالباً تتمتع المرأة بكامل قوتها مدة عقدين كاملين وتمارس حياتها كأنثى قوية ومنتجة، ثم تبدأ قوتها بالانحسار بفعل الهرمونات لتدخل في الخريف قبل الرجل، وهذه المرحلة تطول وتكون مؤلمة ما لم تستعد لها المرأة جيداً.

لا أنسى هذا الحوار وأتذكره دوماً وأكتشف في كل مرة ان ما دار فيه كان صحيحاً ونابعاً من تجارب وقصص الحياة كثيرة، وبالنسبة لنا كأمهات يجب علينا ان نهتم بصحتنا لكي لا يمتد خريفنا ويكون قاسياً في امتداده، ويؤسفني ويؤلمني حين ارى النساء المتهالكات واللواتي يمشين بصعوبة مع وزن زائد، وأتخيل أنني سوف أصبح ذات يوم مثلهن وقد ولى الشباب وانحسر الجمال ولم أعد أساوِ شيئاً سوى أنني كتلة مثقلة بالأمراض وينتظر الجميع نهايتها.
لم أكن أعرف أن كل شيء له نهاية وأننا لا نفكر بكوننا سوف ننتهي نهاية لا نحبها لأننا نهمل أنفسنا منذ البداية، وأرى أن جسم الإنسان ما هو إلا وحدة متكاملة ومترابطة بمجموعة من الخيوط الرفيعة، وإن انقطع أحدها سوف تتوقف كل الآلة، فقد أثبت الأطباء وعلى سبيل المثال أن نقص فيتامين د مثلاً يؤثر على القلب ويؤثر على العظام  والإسنان بالطبع، وتأثيره الأكبر على المفاصل ويزيد من مضاعفات خشونة الركبة، وأكبر تأثيرات نقصه هو صعوبة فقدان الوزن، ويستهلك جسم الإنسان فيتامين د تباعاً ويجب عليه ان يعوض المستهلك عن طريق تناول الطعام المتوافر فيه وتناوله كمكمل غذائي بجرعات محسوبة حسب نسبته في الدم، وكذلك التعرض لأشعة الشمس.
لكننا نجد أن معظم النساء لا يهتمّين مجرد اهتمام بإجراء فحوصات دورية لهذا الفيتامين الهام مثلاً، ولا يهتمّين في الحصول على مكملات غذائية لأنهن يرين أن هناك أولويات، مثل مصروف البيت وتربية الأولاد وتعليمهم وتأثيث البيت ايضا أولى وأهم من العناية بصحتهن، وهن لا يدركن أن الصحة لن تعود ولن تعوض.
عادت مفردات الحوار السابق حرفياً لي حين قرأت خبراً عن العثور على سيدة مسنة تعيش وحيدة وقد توفيت قبل اسبوعين دون أن يشعر بها أحد، تخيلتُ لو انها فكرت بحياتها وعنيت بنفسها وخرجت من دائرة الوحدة ومن دائرة انها لا يوجد لديها عائلة، لو انها كانت تمارس الرياضة مثلاً تحت اشعة الشمس الصباحية وتهتم بصحتها وبتحاليلها.
كثرٌ قالوا وعلقوا بأنها لو كانت ثرية ما كانت ستموت وحيدة، وأعتقد انها لو كانت قوية وبكامل صحتها ما كانت ستبقى بين جدران اربعة، وبأنها كانت قد استطاعت ان تغير من واقعها ويصبح لديها اشخاص يسألون عنها كل يوم او اكثر من مرة في  اليوم الواحد.
مؤسف أن ننسى أنفسنا ولا نفكر في خريفنا القادم ونهتم بأولادنا ثم أحفادنا ولا ندرك ان الخريف هو لنا فقط وسوف نعيشه وحدنا، وأننا سوف نعاني وينصرف الجميع كل إلى شأنه، ولكي لا يطول الخريف ويقسو وحيث لن يرحمنا احد يجب ان نخطط له باكراً.

الرابط مختصر: