مقالات الخامسة

مؤتمر فتح والأسئلة المؤجلة

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: رائد محمد الدبعي

شكّلت مؤتمرات حركة فتح، على امتداد مسيرتها التاريخية، محطة مركزية في الوعي السياسي الفلسطيني، بوصفها مؤتمرات الحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود، وانعكست خياراتها السياسية والتنظيمية بصورة مباشرة على مسار القضية الفلسطينية وعلى الواقع المعيشي والاجتماعي لشعبنا، فحين اتخذت فتح قرار الكفاح المسلح، تحوّل الفلسطينيون إلى حالة اشتباك وطني شاملة، وحين تبنّت خيار التسوية السياسية، منحها الشعب الفلسطيني تفويضًا سياسيًا لاختبار جدوى هذا المسار، وحين اندلعت انتفاضة الأقصى، التحمت الجماهير مجددا بخيارات الحركة النضالية. لذلك لم تكن فتح، بالنسبة للفلسطينيين، مجرد تنظيم سياسي، بل إطارا وطنيا جامعا عكست الجماهير عبره آمالها وإحباطاتها، وانتصاراتها وانتكاساتها. ومن هنا، فإن انعقاد مؤتمرها العام لا يمكن اختزاله في كونه شأنا تنظيميا داخليا، ولا يمكن تحصينه من النقد أو التقييم أو القراءة السياسية العلنية من قبل الكتّاب والمحللين والرأي العام.

لقد أسدل المؤتمر الثامن لحركة فتح الستار على أعماله بانتخاب لجنة مركزية جديدة نصف أعضائها من الوجوه الجديدة، كما أفرز مجلسا ثوريا ضمّ 58 عضوا جديدا من أصل 81 عضوًا، عقب تساوي أصوات الحاصلين على المرتبة الثمانين.

غير أنه، وباستثناء إعادة إنتاج الهيئات القيادية للحركة، يصعب استحضار مخرجات سياسية أو تنظيمية نوعية للمؤتمر الثامن، إذ غابت عن ساحاته الأربع أي نقاشات معمّقة تتعلق بالبنية التنظيمية أو الخيارات السياسية أو مراجعة التجربة الحركية بين المؤتمرين، كما لم تُطرح البرامج السياسية والوطنية والاقتصادية للحركة للنقاش أو التصويت، بذريعة ضيق الوقت الذي هيمن على أعمال المؤتمر منذ يومه الأول، ما حال دون فتح المجال أمام مداخلات الأعضاء أو مناقشة المقترحات والتعديلات أو إخضاع البرامج لإرادة المؤتمر العامة، وقد جرى ذلك في ساعات متأخرة من الليل، وفي وقت زمني محدود لم يتجاوز ساعة ونصف، وبغياب لمؤتمري ساحة القاهرة الذين غادروا القاعة قبيل عرض مسودات البرامج.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

كذلك خلا المؤتمر من عرض تفصيلي لتقارير المفوضيات، واكتُفي بعرض عام ومقتضب قدّمه نائب رئيس الحركة، دون نقاش فعلي أو مساءلة أو حتى طرح التقرير لنيل ثقة المؤتمر، خلافًا لما تقتضيه الأصول التنظيمية للمؤتمرات الحركية.

كان متوقعا من حركة فتح، بعد عقد كامل على مؤتمرها السابع، أن تفتح نقاشا جادا حول الأسئلة السياسية والتنظيمية الكبرى التي تواجه الحركة والمشروع الوطني الفلسطيني، إلا أن المشهد الانتخابي وهيمنة الحسابات الداخلية طغيا على كل ما عداهما، بما في ذلك الأبعاد الفكرية والسياسية والتنظيمية والوطنية للمؤتمر.

ثمة عشرة أسئلة مركزية قفز عنها المؤتمر الثامن، لكنها ما تزال قائمة بإلحاح، لأن تغييب الأسئلة لا يلغي وجودها، بل يؤجل انفجارها في لحظة سياسية أكثر تعقيدًا وضغطًا.

أول هذه الأسئلة هو سؤال المشروع الوطني الفلسطيني في ظل التحولات العميقة التي تعصف بالقضية الفلسطينية. وليس المقصود هنا مجرد البرنامج السياسي التقليدي للحركة، بل موقع فتح ضمن مشروع التحرر الوطني الفلسطيني، وخياراتها بعد الانهيار العملي لمسار التسوية السياسية على يد اليمين الإسرائيلي المتطرف، وكيفية حماية القدس من مشاريع التهويد والاقتلاع، وطبيعة العلاقة مع فلسطينيي الداخل والشتات الذين يشكلون أكثر من نصف الشعب الفلسطيني، إلا أن المؤتمر اكتفى بخطاب الرئيس الافتتاحي، دون أي نقاش سياسي لاحق حول هذه القضايا المفصلية.

أما السؤال الثاني، فهو سؤال المساءلة التنظيمية والسياسية للقيادة السابقة، إذ غاب كليا عن المؤتمر أي استعراض نقدي لأداء اللجنة المركزية أو المجلس الثوري أو المفوضيات المختلفة، باستثناء تقرير مكتوب قدّمته مفوضية العلاقات الدولية وأُضيف إلى حقيبة المؤتمر. وهو ما يعكس غياب إرادة التقييم والمحاسبة والمراجعة السياسية والتنظيمية، رغم أن المؤتمر السابع، على ما شابه من ملاحظات، شهد عرضا لتقارير المفوضيات ونقاشا نسبيا حول أدائها.

أما السؤال الثالث، فهو سؤال العلاقة بين الحركة والسلطة، وهو أحد أكثر الأسئلة إلحاحا داخل البنية الفتحاوية منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية. فقد عكس التمثيل داخل المؤتمر هيمنة البنية البيروقراطية المرتبطة بالسلطة، عبر الحضور الكثيف للموظفين المدنيين والعسكريين، على حساب قطاعات تاريخية شكّلت العمق المجتمعي والثقافي للحركة، بما في ذلك الأكاديميون والمثقفون والمفكرون والأدباء.

لقد كان مطلوبا من المؤتمر أن يفتح نقاشا صريحا حول حدود العلاقة بين الحركة والسلطة، وحول ما إذا كانت السلطة قد تحولت تدريجيا من أداة من أدوات المشروع الوطني إلى بديل عن الحركة نفسها، وما الذي فعلته البيروقراطية السلطوية بالبنية التحررية لفتح، وأين تقف حدود الفصل بين القرار الوطني ومتطلبات النظام السياسي والتزاماته وتعقيداته. إلا أن هذه الأسئلة الجوهرية أزيحت لصالح أسئلة انتخابية تتعلق بالتحالفات والأصوات وفرص المرشحين وموازين القوى الداخلية.

أما السؤال الرابع، فهو سؤال المقاومة واستراتيجية النضال الوطني. فعلى الرغم من أن المؤتمر السابع تحدث عن “المقاومة الشعبية بكافة أشكالها”، جاء البيان الختامي للمؤتمر الثامن ليؤكد تبني “المقاومة الشعبية السلمية” كخيار استراتيجي، دون نقاش فعلي داخل المؤتمر أو تصويت أو حتى تأطير نظري وسياسي لهذا التحول.

ولا يتعلق الأمر هنا بتأييد هذا الخيار أو رفضه، بل بطريقة اتخاذ القرار داخل الحركة، وبغياب النقاش الجاد حول مفهوم المقاومة السلمية وأشكالها وعلاقتها بالعمل السياسي، فضلا عن غياب الأدوات والبرامج والبنية التعبوية القادرة على تحويل المقاومة الشعبية إلى استراتيجية فعلية وليست مجرد خطاب سياسي للاستهلاك الخارجي. وهو ما يجعل التساؤل حول انتقال فتح من موقع قيادة الاشتباك الوطني إلى موقع “إدارة التهدئة” سؤالا مشروعا سياسيا وتنظيميا.

أما السؤال الخامس، فهو سؤال الديمقراطية الداخلية وآليات إنتاج القرار داخل الحركة. فرغم كل الخطابات التي سبقت المؤتمر حول أهمية النقد والمراجعة وتوسيع مساحات المشاركة الداخلية، تحوّل المؤتمر، عمليا، إلى ساحة لإعادة إنتاج النخب القيادية وتعظيم الحسابات الفردية والانتخابية.

وأصبح للكلمة وزنها الانتخابي أكثر من وزنها السياسي أو الفكري، وغابت الجرأة على طرح الأسئلة الكبرى خشية انعكاساتها على التحالفات وفرص الفوز، كما فشل المؤتمر في إحداث أي اختراق حقيقي في الثقافة التنظيمية التقليدية، ولم تُفتح مساحة جدية للاجتهادات الفكرية المختلفة أو للأصوات النقدية التي طالبت، مثلًا، بتحييد اللجنة التحضيرية للمؤتمرات المقبلة ومنع أعضائها من الترشح تفاديا لتضارب المصالح.

حتى المصادقة على رئاسة المؤتمر ولجنة الإشراف على الانتخابات جرت بصورة أقرب إلى التوافق الصامت منها إلى النقاش الديمقراطي، في مشهد بدا بعيدا عن الإرث التاريخي لحركة عُرفت تاريخيا بتعدد الآراء والمدارس والاجتهادات داخلها.

أما السؤال السادس، فهو سؤال الجيل الجديد ومستقبل القيادة داخل الحركة. فعلى الرغم من تأكيد السيد الرئيس في افتتاح المؤتمر عن ضرورة تمكين الشباب، واقتراحه لاحقا تخفيض سنوات العضوية المطلوبة للترشح لمنح فرص للشباب، فإن التطبيق العملي كشف اصرارا على عدم تنفيذ مقترح الرئيس، بعدما رُفض ترشح أحد الشباب للجنة المركزية بحجة عدم شمول القرار لها، رغم وضوح النص والتصويت العلني عليه.

وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول موقع الشباب داخل البنية القيادية للحركة، وحدود مشاركتهم الفعلية في صناعة القرار، بعيدا عن الخطاب الرمزي أو الاستخدام التعبوي لمفردات التجديد وضخ الدماء الجديدة.

أما السؤال السابع، فهو سؤال غزة والانقسام، الذي كان يفترض أن يحتل صدارة أعمال المؤتمر في ظل الحرب الكارثية على قطاع غزة والتحولات العميقة التي أنتجتها. إلا أن المؤتمر تجاهل عمليا أي نقاش جدي حول رؤية الحركة لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني بعد الحرب.

كما غابت الأسئلة المتعلقة بمستقبل غزة، وبكيفية مواجهة مشاريع الإدارة الدولية أو الإقليمية للقطاع، وبإعادة بناء الوعي الوطني الفلسطيني في ضوء حرب الإبادة الجماعية والتحولات التي أفرزتها، وذابت هذه القضايا جميعها في زحمة الحسابات الانتخابية والصراعات الداخلية.

أما السؤال الثامن، فهو سؤال منظمة التحرير الفلسطينية ومستقبلها السياسي والتنظيمي، فعلى الرغم من وجود مرسوم رئاسي لإجراء انتخابات المجلس الوطني، فإن المؤتمر لم يفتح أي نقاش جدي حول إصلاح المنظمة أو إعادة بنائها أو تطوير مؤسساتها أو استعادة دورها التمثيلي الجامع.

واكتفى البيان الختامي بشعارات عامة حول وحدانية التمثيل والسلاح والقرار، دون أي مراجعة سياسية حقيقية لأزمة النظام التمثيلي الفلسطيني أو لواقع المنظمة وتحدياتها.

أما السؤال التاسع، فهو السؤال الفكري، الغائب عن الحركة منذ سنوات طويلة. فباستثناء الجهود الفردية التي يبذلها المفكر بكر أبو بكر وبعض أعضاء لجنة التعبئة الفكرية، بدا المؤتمر خاليا تماما من أي نقاش فكري أو إنتاج نظري جديد، وأصبحت الأسئلة الفكرية والفلسفية داخل أروقة المؤتمر تبدو وكأنها تنتمي إلى زمن آخر، في ظل هيمنة اللغة الانتخابية والحسابات التنظيمية الضيقة على المشهد العام.

أما السؤال العاشر، فهو سؤال التحولات الإقليمية والدولية، إذ غابت بالكامل أي مناقشة جدية لموقع القضية الفلسطينية في ظل التحولات الكبرى في النظام الدولي، وصعود اليمين العالمي، واتساع مسارات التطبيع العربي، والتحولات في بنية النظام الإقليمي، ومدى قدرة الأدوات السياسية والدبلوماسية التقليدية لفتح على الاستمرار في التأثير.

لقد كان متوقعا من مؤتمر فتح أن يناقش قضايا المجتمع الفلسطيني اليومية، من حقوق الأسرى والشهداء والجرحى، إلى العدالة الاجتماعية، وحقوق العمال، والفقر، والبطالة، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والبيئة، والهجرة، والتعليم، والصحة النفسية، والشفافية، ومكافحة الفساد، وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والأمن الغذائي، وحماية الفضاء المدني، وغيرها من القضايا التي كان من شأنها أن تمنح المؤتمر مضمونا سياسيا ومجتمعيا يتجاوز مجرد إعادة إنتاج البنية القيادية.

ختامًا، لا أزال أدعو، كما فعلت في مقالات سابقة، إلى الاستفادة من تجربة مؤتمر الشبيبة الفتحاوية الأول، الذي عُقد في المكان ذاته قبل أقل من عام، وأنتج أربع عشرة ورقة سياسات ما تزال قادرة على تقديم مساهمات مهمة للنقاش السياسي والتنظيمي داخل الحركة، ولإعادة الاعتبار لفكرة المؤتمر بوصفه مساحة لإنتاج الرؤية، لا مجرد آلية لإعادة توزيع المواقع التنظيمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى