وليد القططي: المؤتمر القومي الإسلامي.. المُعضلة والحل

انعقدت في حزيران/يونيو الحالي الدورة الحادية عشرة للمؤتمر القومي الإسلامي في العاصمة اللبنانية بيروت، بحضور ممثلي التيارين القومي والإسلامي وقادة المقاومتين الفلسطينية واللبنانية، في زمن تحوّل فيه التطبيع إلى تحالف مع الكيان الصهيوني، وفي مكان مُستهدف بمؤامرة مستمرة على العروبة والإسلام والمقاومة، في محاولة لإضفاء لمسة من الجمال على الزمان والمكان. وكانت الدورة الأولى للمؤتمر القومي الإسلامي قد انعقدت في بيروت عام 1994 في بيئة سياسية مُشابهة بعد “اتفاقيتي أوسلو ووادي عربة” ومن قبلهما “كامب ديفيد”، وبعد تداعي القوميين والإسلاميين إلى عقد مؤتمر لمناقشة كيفية تجاوز تحدي مشروع (إسرائيل الكبرى).. وعلى الرغم من ضخامة هذا التحدي الخارجي الكبير للأمة العربية، كان على المؤتمرين تجاوز تحدٍ داخليّ نابع من العلاقة بين تياري المؤتمر: القومي والإسلامي، وهو تُراث مُتراكم من الرفض المُتبادل بينهما، والتناقض بين العروبة والإسلام، أو كما شُبّه إلى البعض أنّه تناقض، فكانت المُعضلة في التناقض والرفض بين التيارين بحاجة إلى حل.

والمسؤول عن مُعضلة التناقض والرفض بين التيارين ليس طرفاً واحداً منهما؛ بل كلاهما، فالتيار القومي يرى أنَّ رابطة العروبة أقوى من الرابطة الإسلامية، كما يقول أحد أهم مُفكري القومية العربية ساطع الحصري: “الرابطة القومية هي الرابطة الوحيدة القائمة في الدولة التي تكفل الانسجام بين المواطنين وانصهارهم في بوتقة أمة واحدة”، وأساس المُعضلة يكمن في ربط القومية العربية بمضامين أيديولوجية مناقضة للفكرة الأساسية التي قام عليها التيار الإسلامي باعتبار الإسلام ديناً ودولة، مثل العلمانية بمفهومها اللاديني. وقال قسطنطين زريق، أحد فلاسفة القومية العربية: “القومية والعلمنة مرتبط بعضهما ببعض، إذ إنَّ وجود وقوة أي منهما يعتمد مباشرة على وجود وقوة الآخر”. ومثل الماركسية بأيديولوجيتها الرافضة للدين، فقد استدعاها بعض القوميين العرب ليملأ بها وعاء القومية الفارغ، كما فعل مؤسّس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين جورج حبش، عندما تبنت الجبهة “الماركسية–اللينية” كمحتوى أيديولوجي، ونظرية ثورية لفكرها القومي العربي، وتحوّلها إلى حزب ماركسي في المؤتمر الوطني الثاني للجبهة الشعبية عام 1969.

والطرف الآخر المسؤول عن المُعضلة هو التيار الإسلامي، الذي نظر إلى القومية باعتبارها مُناقضةً للإسلام، فقد قرنها بعضهم بالكفر والشرك، كما قال أبو علي المودودي، مؤسس الجماعة الإسلامية في باكستان، والمؤثّر في مفكري الحركة الإسلامية في الوطن العربي: “لو ثمة عدو لدعوة الإسلام بعد الكفر والشرك فهو شيطان القومية والوطنية”. وعدها بعضهم مؤامرة على الإسلام والمسلمين لإضعافهم وتحطيم وحدتهم، ونتاجاً للغزو الفكري الغربي لهدم الإسلام وتقويض الوحدة الإسلامية، كما جاء في مجلة “الوعي” التي يصدرها حزب التحرير الإسلامي: “إنَّ الهدف الأساسي في خلق الحركات القومية كان تفتيت الوحدة الإسلامية وإسقاط الوجود السياسي للإسلام. ورآها البعض دعوة جاهلية مُنكرة، كما قال عبد العزيز بن باز أحد أهم علماء السلفية الوهابية: “من المعلوم في الإسلام أنَّ الدعوة إلى القومية العربية، أو غيرها من القوميات دعوة باطلة، وخطأ عظيم، ومُنكر ظاهر، وجاهلية وكيد للإسلام وأهله”. ورفض سيد قطب، مُفكر الإخوان المسلمين في كتابه “معالم في الطريق” الرابطة القومية كأساس لبناء الدولة والأمة والحضارة، وعدها “دعوة جاهلية نتنة”.

المُعضلة المشتركة بين القوميين والإسلاميين كانت واضحة في رؤية المفكر الشهيد، فتحي الشقاقي، مؤسس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين من زاويته الإسلامية، وقد لخصها في إجابته عن سؤال لصحيفة “الخليج” الإماراتية عام 1989، هذا نصه: “كيف ينظر الجهاد الإسلامي إلى قضية العروبة والإسلام؟”، فكانت إجابته: “نحن لا نرى أي تعارض بين العروبة والإسلام، من يخلق التعارض هم الذين يُحمّلون العروبة مضامين مُناقضة للإسلام، فإذا لم تحمل العروبة مفاهيم ومضامين مناقضة لنفسها وللإسلام فلن يكون هناك صراع، ولا أي إشكالية بينهما، بل سيكون الانسجام والتوافق والتوحّد، نحن على يقين أنَّ مشكلة الإسلام ليست في العروبة، ولا في أي طرح عروبي، ولكنّ مشكلة الإسلام في المضامين التي تحاربه وتعاديه وتخالف منطلقاته الأساسية”. ونتيجة لهذا الإدراك المتقدم لأساس المُعضلة إسلامياً، كان الشقاقي أحد المؤمنين بفكرة المؤتمر القومي الإسلامي ورسالته، ولذلك استبشر خيراً قبل انعقاد الدورة الأولى للمؤتمر في أثناء الإعداد له، فقال: “إنَّ مؤتمراً كهذا يُمكن أنْ يؤسّس لمرجعية للأمة، وأنَّ علينا أنْ نحوّله إلى مؤتمر حقيقي يتوصل إلى مشروع مشترك ولا يكون مجرد مهرجان احتفالي”.

وبعد انعقاد الدورة الأولى للمؤتمر القومي الإسلامي ومشاركة الشقاقي فيه قال لصحيفة “المجد” الأردنية في تشرين الأول/أكتوبر عام 1994: “إنَّ المؤتمر خطوة إيجابية في عملية تاريخية مستمرة للبحث عن القواسم المشتركة بين التيارين: القومي والإسلامي بعيداً من محاولة كل تيار نفي التيار الآخر”، ودعا في هذه المقابلة الصحافية إلى إيجاد جبهة عربية إسلامية عريضة لمواجهة أنظمة التجزئة والتبعية، وبناء برنامج عمل يقرّر فيه التياران مصير الأمة ويرسمان معالم مستقبلها، وبناء على هذا الفهم والنهج الباحث عن القواسم المشتركة في الأمة العربية والإسلامية وقواها الحية الفاعلة لمواجهة التحدي الغربي الاستعماري، ورأس حربته (إسرائيل)، شاركت الحركة طوال عهد الأمين العام الثاني لها، المجاهد الكبير الراحل، رمضان شلح في دورات المؤتمر، وصولاً إلى الدورة الحادية عشرة للمؤتمر الأخيرة، التي شارك فيها الأمين العام الثالث للحركة، الأستاذ المجاهد، زياد النخالة، ودعا في كلمته أمام المؤتمر إلى وحدة الأمة حول قضيتها المركزية فلسطين، ووحدة طليعتها القومية والإسلامية حول نهج المقاومة.

الانسجام والتوافق بين القوميين والإسلاميين أو بين العروبة والإسلام يتطلبان أيضاً تخلّي الإسلاميين عن النظرة السلبية إلى القومية، خصوصاً العروبة المُتصالحة مع نفسها وإسلامها، وتبني رؤية تيار الجامعة الإسلامية التنويرية للقومية، كما حدّدها أحد مؤسسي التيار جمال الدين الأفغاني، الذي قدّم رؤية نفت التناقض بين القومية والإسلام، ورأى الإسلام الإطار الأوسع المستوعب للقوميات، وربط بين الفكر القومي ومقاومة الاستعمار الأجنبي، ورأى عبد الحميد بن باديس، أحد رموز التيار، في العروبة وعاءً للإسلام، ولا تناقض بينهما، فالإسلام رسالة ومنهج حياة، والعروبة ثقافة ولغة وتاريخ، ولا تناقض بين الرابطتين الإسلامية والعربية، فرابطة الإخوّة الإنسانية تتسع لرابطة الإخوّة العربية، ورابطة الإخوّة الإنسانية تتسع لكلتيهما، وبهذه الرؤية التنويرية للقومية والعروبة لا يمكن الفصل بين العروبة كثقافة وهوية، والإسلام كدين وحضارة، فالإسلام هو المضمون الفكري للقومية، والتراث الثقافي للعروبة، والرسالة الحضارية للأمة… ومن دون الإسلام تفقد العروبة مضمونها وتراثها ورسالتها، كما قال ميشال عفلق، مؤسس حزب البعث العربي الاشتراكي: “العروبة من غير الإسلام مفهوم سلبي، ومن دونه تبقى القومية العربية قالباً أجوف فارغاً، فالإسلام هو المضمون الحي الثوري للقومية العربية”.

بعد فهم طبيعة المُعضلة بين القوميين والإسلاميين، أو بين العروبة والإسلام، يأتي الحل في إنهاء التناقض الوهمي بين التيارين، عن طريق فك الارتباط بين القومية العربية والمضامين الأيديولوجية المُناقضة للإسلام، وعن طريق تخلّي التيار الإسلامي عن المضامين المناقضة للعروبة، المنبثقة من الفكر الإقصائي والرؤية الأحادية. وبعد ذلك، والأهم منه هو البحث عن القواسم المشتركة بين التيارين: القومي والإسلامي، وفي مقدمها اللقاء حول القضايا الموّحِدة للأمة العربية والإسلامية، وفي مركزها القضية الفلسطينية، والاتفاق على تبني نهج المقاومة، ثقافةً وممارسةً، لمواجهة المشروع الاستعماري الصهيوأمريكي ضد الأمة وهزيمته… وبقدر الاقتراب من فلسطين والمقاومة تقترب الأمة من إنجاز مشروع الوحدة والنهضة والتحرير.

الرابط مختصر: