سما حسن: أفراح غزة

نعم غزة تفرح بعد الحرب، بعد الموت والدماء، بعد الدمار والأشلاء، بعد كل ما شاهده العالم عبر وسائل الاعلام التي اعتنت بكل تفصيلة من تفاصيل المجازر التي مرت خلال أحد عشر يوماً، بالقصص التي سمعناها ورأيناها بأعيننا أو من خلال الآخرين، فغزة مترابطة بطريقة لا توصف، لا تدري هل هي مترابطة كشبكة صياد بخيوط متينة أم كنسج سيدة عجوز قضت ليلها على ضوء مصباح من الكيروسين تغزل وتنسج، ولكن النتيجة أن هذا النسيج يبدو صالحا كقطعة ثياب، لا يمكن أن تنشب اظافرك فيه وتخرج بخيط واحد، ولذلك فغزة متماسكة من الشمال إلى الجنوب، هناك صلات قربى ونسب ومصاهرة، ولذلك فالأخبار يتم تناقلها، والمآسي يتم مشاركتها، فلماذا لا يتقاسمون الفرح أيضا رغم كل الألم؟
اليوم تجوب الشوارع السيارات المزينة التي تطلق مزاميرها معلنة الاحتفال بعرس في الحي وقد تنتقل السيارات من جهة إلى جهة بعيدة في القطاع الشريطي المحاذي للبحر، لكن هناك ألواناً للفرح، حفلات الزفاف تقام بكل توسع وبكل تفصيلة من تفاصيل العادات والتقاليد وما يجب أن يكون، فلا تفصيلة تغيب وكأن هؤلاء القوم يريدون أن يقولوا اننا نحب الحياة، أو اننا عدنا للحياة، هنا أفراحنا، أحلامنا البسيطة، هنا السيارات المزينة والضوضاء المحببة لها، هنا الطفلات الصغيرات اللواتي يرتدين فساتين بيضاء قصيرة مثل الفراشات ليصحبن موكب العروس ويكن على جانبيها، ولست تدري من اين جاءت هذه العادة التي توجب ان تصحب الصغيرات بثياب بيضاء ووجوه ملطخة بالزينة وكأنهن عرائس من الحلوى موكب العروس وهي تدلف إلى قاعة العرس، أو وهي تستعد لتغادر إلى بيت الزوجية، ولكن هؤلاء الطفلات مبهجات لدرجة كبيرة، ولا يضاهيهن بهجة سوى هؤلاء الرفاق اللطفاء الذين يقررون أن يقوموا بزفة العريس، فهناك من اقسم الف يمين بأن تخرج زفة العريس من بيته بعد ان يحصل العريس على حمام العزوبية الأخير في حمام بيت الصديق ويرشه بالعطر، بل بأنواع كثيرة ومختلفة حتى يخرج محمر العينين والأنف بسبب العطاس، والويل له لو اعترض، فهذه إكرامية من صديقه الذي أطلق نذراً بمناسبة دخول صديقه لعش الزوجية.
قبل ايام خرج عريس من بيت صديقه الشهيد، صديقه الذي سقط في الحرب الأخيرة وقد نذر نذراً بأن يخرج العريس في زفته من بيته، ولم يتردد والد الشهيد في تنفيذ نذر ابنه أو وصيته، فقد أصبح النذر مثل الوصية، ورغم الألم الذي شعر به العريس لفراق صديقه -الذي تمنى لو كان بصحبته، يسير إلى جواره ويغني له أغنيات وداع العزوبية التي تتهكم على فقدان العريس حريته ودخوله القفص الذهبي- ولكن ذلك لم يحدث، فبكى وهو يتذكره لكنه ينفذ وعده او وصيته، ويسمع والد الشهيد وهو يؤكد له بعينين دامعتين انه يرى ابنه في أصحابه ورفاقه، وأن ابنه لم يرحل لأن أصحابه ورفاقه حوله يودونه ويزورنه ولا يتخلون ولا ينقطعون.
في غزة للفرح مكانه وكأنه وجبة أخيرة، وفي أحيان كثيرة تراه غائباً وكأن الناس كلهم قد أعلنوا الصيام، وحين يحل كوجبة أخيرة فالجميع يفرح بكل بؤسه وبكل وجعه، الكل يبتهج، والكل يراجع قائمة المدعوين ويتأكد أنه لم ينس أحداً، وأن أحداً لم يغب، ما عدا من غابوا لأنهم اصبحوا ضمن قافلة الشهداء، هؤلاء الراحلين الذين تركوا أماكنهم في القلوب، وزينت أماكنهم الفارغة بأكاليل الورد وبصور ضحكاتهم وملابسهم التي ارتدوها وأدواتهم وآخر ما كتبوا أو دونوا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
صدقوا أن غزة الموجوعة والمتألمة تسرف في الفرح، بحرها يفرح والناس يملؤون شاطئه ويفترشونه طيلة الوقت، يأكلون ويشربون ويتبادلون النكات والأحاديث ويردون الولائم لبعضهم البعض كدين في الرقاب، ويسهرون حتى يأتي القمر بعذر مبين بأن عليه أن يغادر ولكنه سيبقي على فرحهم في قلوبهم المثقلة، انهم بسطاء وموجوعون وهذا الصيف لهم، لكي يفرحوا أفراحاً مجانية مثلما كان الموت مجانياً قبل شهر.