هاني المصري: إعادة بناء المنظمة أم منظمة بديلة؟

إن تأسيس منظمة التحرير والاعتراف بها فلسطينيًا وعربيًا ودوليًا، وقيامها بتمثيل الفلسطينيين وتوحيدهم، وتحويل قضيتهم إلى قضية تحرر وطني؛ أهم إنجاز تاريخي حققه الشعب الفلسطيني، إلا أن هذا الإنجاز يتآكل منذ توقيع اتفاق أوسلو، ما يستدعي إعادة بناء مؤسسات المنظمة وإصلاحها وتغييرها بحيث تضم مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي التي تؤمن بالشراكة السياسية، لتصبح قولًا وفعلًا الممثل للفلسطينيين أينما تواجدوا.

منذ إعلان القاهرة في آذار 2005، اتفقت الفصائل على ضم حركتي حماس والجهاد إلى منظمة التحرير، وعلى تشكيل لجنة لتفعيل المنظمة، ومنذ ذلك الاتفاق يتضمن أي حوار واتفاق بندًا يتعلق بالمنظمة، لدرجة أن اتفاق القاهرة 2011 نصّ على تشكيل إطار قيادي مؤقت له صلاحيات واسعة، بحيث يلعب دور القيادة في المرحلة الانتقالية، وتشارك فيه اللجنة التنفيذية والأمناء العامون ورئاسة المجلس الوطني وشخصيات مستقلة.

وبالفعل، عَقَدَ الإطار القيادي اجتماعَيْن يتيمَيْن، ثم ذهب إلى أدراج النسيان، إلى أن طُرِحَ مجددًا في المبادرة التي أطلقها د. ناصر القدوة باسم الملتقى الوطني الديمقراطي، مع إضافة ممثلين إليه عن مكونات الخارطة السياسية الجديدة، مثل القوائم الانتخابية والظواهر الجديدة داخل فلسطين وخارجها.

رفعت رؤية “حماس” الأخيرة للحوار سقفَ مطالب الحركة عاليًا، إذ تضمنت نقطة تتحدث عن تشكيل قيادة جديدة، بمشاركة الأمناء العامين وممثلين عن فصائل أخرى من دون الإشارة إلى اللجنة التنفيذية ولا إلى القوائم واللاعبين الجدد، وذلك في سياق تشكيل مجلس وطني انتقالي لمدة سنتين بالتوافق، من دون أي إشارة إلى إنهاء الانقسام أو تشكيل حكومة وحدة وطنية، ولا إلى إعادة الإعمار، ضمن فهم شرحه عدد من قيادات “حماس” وكُتّابها بأن ما بعد معركة سيف القدس يختلف عما قبله، وأن الشعب فوّض المقاومة بالقيادة وسحب البساط من تحت أقدام القيادة الحالية، أي أن “حماس”، أو جزءًا منها، تعتقد أن لحظة قيادتها للمنظمة قد حانت، وهذا سبّب إرباكًا كبيرًا، وكان أحد أسباب عدم التئام الحوار الأخير في القاهرة، أضيف إلى السقف العالي الذي قدمته “فتح”/الرئيس، الذي يريد تشكيل حكومة وحدة تلتزم بالشرعية الدولية، وتتولى إعادة الإعمار، بما يضمن استمرار سيطرة الرئيس وتأجيل القضايا الأخرى.

لا شك أن المنظمة بحاجة إلى تغيير شامل وعميق بعد أن قُزّمت بعد توقيع اتفاق أوسلو، وأُبقي عليها لكي تقوم بالتوقيع على الاتفاق النهائي باسم الشعب الفلسطيني وينتهي دورها بعد ذلك، ضمن وهم أن الدولة الفلسطينية ستقام في نهاية المرحلة الانتقالية، وضمن فهم أن وضع المنظمة في الثلاجة يساعد على تليين الموقف الإسرائيلي وتحقيق الدولة، وينسجم مع تقسيم القضية والشعب والأرض الذي حدث في أوسلو وما بعده، لأن تفعيل المنظمة يستدعي الحقوق الفلسطينية، ويُعقّد إمكانية نجاح المفاوضات التي ستنجح بقدر إبداء الفلسطينيين المرونة والتنازلات وإثبات الجدارة، وأن يكونوا عنصرًا فاعلًا في أمن واستقرار المنطقة والعالم، وهذا كله لم يتحقق، بل أدى إلى كارثة.

وعندما وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، وماتت ما تسمى “عملية السلام” من جهة، وبعد فوز “حماس” في الانتخابات التشريعية من جهة أخرى، فُعّلت المنظمة جزئيًا للضغط على إسرائيل والولايات المتحدة، ولإبراز المنظمة كبديل عن السلطة التي باتت تشارك فيها “حماس”، خصوصًا أنها مصنفة على قائمة الإرهاب. وقوطعت الحكومة التي شكلتها “حماس” وحدها، أو شاركت فيها (حكومة الوحدة الوطنية)، على خلفية رفضها لشروط اللجنة الرباعية الدولية.

في هذا السياق، إن إعطاء الأولوية لإعادة بناء منظمة التحرير لتجاوز المأزق الذي تعيشه القضية الفلسطينية أمرٌ مفهومٌ وطبيعيٌ، كون المنظمة من المفترض أنها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني كله، وخصوصًا أن مشروع أوسلو وإنجاز الاستقلال عبره فشلا فشلًا ذريعًا، ولكن حتى يتحقق ذلك ويكون خطوة إلى الأمام وليس استبدال قيادة بقيادة أو فصيل بفصيل، يجب أن يتم ضمن رزمة شاملة تتضمن إنهاء الانقسام أولًا، أو بشكل متوازٍ ومتزامن مع إعادة بناء المنظمة، وإجراء انتخابات على كل المستويات والقطاعات، وعلى أساس الاتفاق على إستراتيجية نضالية وبرنامج القواسم المشتركة، وتشكيل قيادة انتقالية مؤقته تقود الوضع الفلسطيني إلى حين إعادة بناء مؤسسات المنظمة خلال سقف زمني لا يزيد على عام واحد.

إن طرح إعادة بناء منظمة التحرير أولًا لتضم حركتي حماس والجهاد، من دون اشتراط تبني الإستراتيجية النضالية وإنهاء الانقسام أولا ولا إجراء انتخابات ولا تشكيل حكومة وحدة تقوم بإعادة الإعمار، طرحٌ فئويٌ، كونه يحقق لـ”حماس” الاحتفاظ بالسيطرة الانفرادية على قطاع غزة، والتقدم على طريق المشاركة، أو في هذه الحالة للاستيلاء على المنظمة. وهذا يُضعف إمكانية التقدم على طريق الوحدة، ويفتح الطريق لتحويل الانقسام إلى انفصال، ونقله إلى مستوى جديد من خلال التنافس على التمثيل والقيادة والقرار.

بناء على ما سبق، ليس من الصواب وغير ممكن إقامة منظمة تحرير بديلة أو موازية في وقت لا تزال معركة الشعب الفلسطيني بمختلف قواه في ذروتها، ولا يزال الاحتلال يتعمق، والاستعمار الاستيطاني يتوسع، وهدف إقامة “إسرائيل الكبرى” من خلال الضم الزاحف يتواصل. فمعركة سيف القدس غيّرت المشهد الفلسطيني، ولكن لم تغيّر الواقع المليء بالتحديات التي تواجه الفلسطينيين، فلا تزال الحرب طويلة، ولحظة الانتصار الحاسم لم تحن بعد.
قال لي خالد مشعل، أثناء رئاسته للحركة، إن “حماس” أخطأت عندما حاولت إقامة منظمة تحرير بديلة عن المنظمة القائمة، وإنها اكتشفت أن هناك قرارًا عربيًا ودوليًا يمنع ذلك، لذا اختارت لهذا السبب وغيره المشاركة في المنظمة وإصلاحها.

وإذا فكرنا بالدوافع وراء العودة لطرح تشكيل منظمة موازية أو التهديد بذلك إذا لم تتمكن “حماس” من السيطرة عليها، نجد أن كل المحاولات للشراكة الوطنية في المنظمة والسلطة قد فشلت لأسباب عدة، منها التفرد والاستئثار وعدم الإيمان بالشراكة والتمسك بخيار أوسلو رغم فشله، والمقاومة المسلحة كخيار أحادي، وأن السلطة أصبحت عبئًا، وترفض إنجاح محاولة إنجاز الوحدة وتغيير المسار السابق واعتماد مسار جديد، ونجد كذلك في الدوافع أوهامًا بأن الواقعين الإقليمي والدولي قد تغيرا أو يمكن أن يتغيرا بسرعة، وبعد ذلك الواقع الإسرائيلي، بحيث يمكن الاعتراف بـ”حماس” كبديل من “فتح”، لأنها اللاعب الموجود على الأرض، وخصوصًا في قطاع غزة.

ولعل الأحاديث الأوروبية العلنية والإشارات الأميركية الأكثر غموضًا عن التفاوض غير المباشر مع “حماس”، تمهيدًا للتفاوض المباشر والتأمل الواقعي، تغذي هذا الوهم.
ومن يتوهم ذلك، يتجاهل أن الواقعين الإقليمي والدولي غير ناضجين للاعتراف بالحقوق الفلسطينية، وأن إسرائيل أكثر تطرفًا من السابق، لذا أن تفرض “حماس” والمقاومة وجودهما رغمًا عنهم وتجبر الجميع على التعامل معها بحاجة إلى وقت قد يطول، وأن الثمن المطلوب من “حماس” لكي يعترف بها الآن، يصل في حده الأدنى إلى هدنة طويلة الأمد، والقبول بدويلة في غزة ترتبط أو لا ترتبط بمعازل الضفة مقطعة الأوصال، بينما يصل في حده الأعلى إلى ضرورة قبولها بشروط اللجنة الرباعية.

ومن يتصوّر أن اللقمة باتت بالفم عليه أن يتذكر أن الموضوع المطلوب الآن إنجازُ الحقوق الفلسطينية (حق تقرير المصير والاستقلال والسيادة، وتفكيك الاستعمار الاستيطاني، ورفع الحصار عن قطاع غزة، وحق العودة، وإنجاز المساواة الفردية والقومية في الداخل)، وليس الاعتراف بممثل جديد لها. فالاعتراف بـ”حماس” والتفاوض معها لا يقود إلى تحرير الأرض والإنسان، وإنما إلى استبدال ممثل بآخر. فالاعتراف بالمنظمة فقط كممثل للفلسطينيين في الرسائل المتبادلة بين ياسر عرفات وإسحاق رابين لم يؤد إلى تحقيق الحقوق، وإنما إلى ضياعها، ولعل ما تمثّله زيارة إسماعيل هنية إلى المغرب رغم تطبيعها مع الكيان الإسرائيلي نموذج على ما نقوله، فهي حققت ربحًا لـ”حماس” وخسارة لفلسطين.

ولإجمال موضوع المنظمة، نضيف أن إيجاد منظمة فاعلة موحدة لا يكون أساسًا بالدعوة عبر العرائض وغيرها لانتخاب أعضاء المجلس الوطني في مختلف أماكن تجمعات الشعب الفلسطيني داخل الوطن المحتل وخارجه، ولا بإطلاق حملات لإعادة بناء المنظمة، وكأنها مسألة فنية أو ناضجة لا تحتاج إلا إلى عريضة وحملة حتى تتحقق، وإنما بحاجة إلى نضال متعدد الأشكال وتغيير موازين القوى الداخلية بحيث تسمح بتحقيق هذا الهدف.

لقد أُسِّست منظمة التحرير في ظروف عربية ودولية مختلفة كليًا عن الوضع الحالي ساهمت بولادتها، كما مكنت هزيمة حزيران فصائل الثورة الفلسطينية، وخصوصًا حركة فتح، من تبوء قيادتها بدعم من الشعب الفلسطيني أولًا والأنظمة العربية ثانيًا، وعلى رأسها نظام عبد الناصر، التي كانت بحاجة إلى التقاط الأنفاس والتوازن وإعداد القوة وستر عورتها، وعندما وقفت الأنظمة على قدميها عادت إلى السيطرة على المنظمة خطوة خطوة ومرحلة بعد مرحلة ودمجها في النظام العربي.

خلاصة ما سبق، أن ما يمنع إعادة بناء المنظمة ليس العامل الفلسطيني فقط، على أهميته ومحوريته، وإنما الأوضاع العربية والإقليمية والدولية، لأن منظمة تحرير قوية وفاعلة وموحدة تقلب الطاولة على اللاعبين في المنطقة والعالم، لذا لن يسمحوا بحدوث ذلك إلا إذا شهد الواقعان العربي والدولي تغييرات جوهرية تسمح بذلك، وهذه التغييرات ممكنة، وهناك إرهاصات لها، ولكنها لم تتحقق بعد، وحرق المراحل لا يؤدي إلى تحقيق المراد، بل إلى إضاعة ما يمكن تحقيقه.

إنّ الممكن المتاح في هذه الظروف في الحد الأقصى، وخصوصًا أن السلطة متغوّلة على المنظمة، وهي تملك الإمكانيات والوزارات والأجهزة والدعم الخارجي، هو ترميم المنظمة وإصلاحها وإشراك حركتي حماس والجهاد فيها على أساس برنامج القواسم المشتركة، وتوسيع مشاركة التمثيل لتضم قوى وعناصر فاعلة، خصوصًا من الشباب والمرأة في الوطن وأماكن اللجوء والشتات، ويكون ذلك من خلال الضغط السياسي والجماهيري والسلمي المتراكم وتجميع القوى والشخصيات والمؤسسات المؤمنة بضرورة التغيير، وعلى الجميع أن يدرك ذلك، على أساس أن تحقيق شيء من دون تنازل عن المبادئ والحقوق أفضل من لا شيء، وأفضل بالتأكيد من شعار كل شيء أو لا شيء.

تأسيسًا على ما سبق، إن حل الرزمة الشاملة هو الحل المتوازن الممكن رغم صعوبته، كونه يستجيب للمعطيات الجديدة، وللمصالح والمبادئ والحقوق وموازين القوى، ولا يلغي القديم، بل يحقق مشاركة لمختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي مبنية على الانتخابات حيثما أمكن، والتوافق الوطني المبني على أسس ومعايير موضوعية حيثما يتعذر إجراء الانتخابات.