أسيا العتروس: كيف أعادت امريكا الحياة الى طالبان؟

واشنطن تستعجل الرحيل من افغانستان مقبرة الامبراطوريات بعد عشرين عاما من الانتشار العسكري الامريكي و الاطلسي في حرب مفتوحة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر2001 لاقتلاع الارهاب و القضاء على طالبان بن لادن ..عملية الانسحاب التي وعد بها الرئيس السابق دونالد ترامب و هو من رفع شعار امريكا اولا و مضي في تنفيذها قدما الرئيس الحالي جو بايدن لم تكن هينة على ما يبدو و ها ان القوات الامريكية تنسحب من قواعدها العسكرية دون سابق اعلام تحسبا لاي هجمات او تفجيرات بعد ان عاد مقاتلو طالبان للسيطرة على المشهد و الخروج من المغاور و الجبال و المعاقل التي تحصنوا بها على مدى عقدين من الزمن تمكنت قوات التحالف الدولي من استهداف قيادات طالبان و القضاء و ابرز رموزها و لكن دون ان تقضي على التنظيم الذي يبدو انه بدأ يفرض سيطرته على المعابر الحدودية الاستراتيجية مع ايران و باكستان ..
و اذا كانت السلطات الافغانية الرسمية نفت ما يروج بشأن سيطرة عناصر طالبان على اكثر من خمس و ثمانين من التراب الافغاني فانها في المقابل لم تنفي اخبار المعارك اليومية و المواجهات الصعبة بينها و بين مقاتلي التنظيم العائد محملا بكل انواع السلاح و المدرعات و يبدأ الاعلان عن شروطه و مطالبه لوقف اطلاق النار …
أكثر من 20 ألف أفغاني عملوا مع البنتاغون كمترجمين طلبوا إجلاءهم
و هم ينتظرون فرصة مغادرة افغانستان في اقرب وقت ممكن هربا من ردود افعال انتقامية من التنظيم , و الاكيد ان هؤلاء ليسوا الشريحة الوحيدة التي تتحسب لعودة التنظيم الى الحكم ليعيد ممارسات السابق فالنساء الافغانيات ممن تحملن كل انواع الترهيب من جانب التنظيم لا يملكن رفاهية الخيار فاما القبول بالعيش تحت حكم طالبان أو البحث عن طريق للهروب الى أي مكان في العالم … و في انتظار ان يكتمل الانسحاب العسكري الامريكي من افغانستان بعد انسحاب قوات التحالف بحلول نهاية شهر اوت القادم ومعه ذكرى هجمات سبتمبر يبقى المشهد الافغاني مفتوح على أسوا و أخطر السيناريوهات أمام مواصلة طالبان السيطرة على المشهد و تعزيزها مواقعها بعد أن فتحت أمامها قنوات للتفاوض على اكثر من جبهة من الدوحة الى طهران …

بالامس اعلن وزير الخارجية الروسي سرجي لافروف أن مهمة الولايات المتحدة في أفغانستان فشلت، بينما تتمدد حركة «طالبان» ميدانيا منذ بدء سحب آخر القوات الأميركية والأجنبية من البلاد.

وقال لافروف في تصريحات نقلتها وكالات أنباء روسية إن «الجميع يعلمون أن المهمة فشلت. يقر الجميع بالأمر، بما في ذلك في الولايات المتحدة»…و ربما كان يتعين على لافروف أن يضيف الى تصريحاته معلومة مهمة و هي أن فشل المهمة الامريكية يتكرر بعد فشل مهمة السوفيات في سبعينات القرن الماضي و فشل القوات البريطانية ايضا و تحول افغانستان الى مقبرة للامبراطوريات تماما كما حدث في فيتنام و هو ما يفترض اعادة قراءة المشهد الافغاني و التدخل العسكري الاجنبي بكل محطاته لفهم اسباب هذا الفشل و القصور برغم التفوق العسكري الامريكي و قبله البريطاني و الروسي , و ها انه و بدل الحديث عن اعادة بناء و اعمار و تطوير افغانستان و نشر الديموقراطية فيه يتحول الامر الى انتفاخ تنظيم القاعدة و استعادته للروح لمواصلة ما توقف عن القيام به قبل عشرين عاما قتل خلالها اكثر من نصف مليون افغاني …و الاكيد ان المشهد ينسحب ايضا على بلد مثل العراق بعد نحو عقدين ايضا من الاجتياح الامريكي لهذا البلد يتحول بلاد الرافدين الى مرتع للحركات المسلحة و تتنافس على ترابه الجماعات الارهابية و عناصر القاعدة و داعش …



في المقابل يبدو الرئيس الامريكي وحده المقتنع حتى الان بنجاح المهمة التاريخية الامريكية في افغانستان بعد اطول حرب قادتها بلاده ..بايدن حتى الان يصر على قدرة الجيش الافغاني على مواجهة طالبان و يعتبر ان دور بلاده انتهى و انها صرفت على عملية تحرير افغانستان تريليون دولار و سيتعين على الافغان الان تحمل المسؤولية و اختيار المصير الذي يريدونه …من الواضح ان حركة طالبان تستعد لملئ الفراغ الحاصل بعد انسحاب القوات الامريكية و الاطلسية و الارجح انها بدأت ذلك منذ فترة و لم تنتظر بدء الانسحاب و الا كيف يمكن تفسير التقدم الخطير والمنظم لعناصر طالبان على الارض وعودتهم لفرض احكامهم و خياراتهم خاصة على النساء و الفتيات …
.
برغم اختلاف الخصوصيات الجغرافية و المعطيات التاريخية و التحولات السياسية فان المقاربة بين الانسحاب المهين من افغانستان و بين الانسحاب المذل من فيتنام تبقى قائمة رغم رفض واشنطن لهذا الواقع ..و الارجح ان التعويل على التجهيزات العسكرية المتطورة للقوات الافغانية و هو ما تعول عليه الادارة الامريكية لن يكون السلاح الاهم في المشهد الافغاني اذ يكفي الاشارة انه و خلال ايام قليلة من بداية الانسحاب الامريكي من افغانستان فان مات القوات الافغانسة المسلحة بافضل الاسلحة الامريكية اختارت الهروب الى دول الجوار و تجنب المواجهة مع طالبان و هو ما حدث ايضا في اكثر من معركة في العراق في الموصل و نينوي و النجف و غيرها …
لا خلاف ان امريكا لم تهزم طالبان كما لم تهزم القاعدة و ان خياراتها قد تكون اسهمت هنا و هناك في تسمين هذه التنظيمات و امهالها حتى تعود بهذه القوة و هذه القدرة لتكون طرفا في كل المفاوضات القادمة و في ذلك اسوا و اعقد الرسائل و الاشارات لمختلف الجماعات التي انتهجت العنف و الترهيب و التي بدأت تجد لها في المحافل السياسية الدولية موقعا …بقي سؤال مهم لن يجد جوابا مقنعا هل يمكن لاي طرف من الاطراف المعنية بالمشهد الافغاني ان تكشف او تحدد مصدر او مصادر حصول طالبان و غيرها على كل هذا السلاح و العتاد و المدرعات المتطورة ؟

كاتبة تونسية