غسان زقطان: ما لا يمكن تجاهله

تبدو استعادة الوحدة والشروع الجدي في إنهاء الانقسام الوسيلة الوحيدة لاستثمار التحولات في المشهد الفلسطيني، واستيعاب التداعيات التي تتدفق على فلسطين وحولها. انطوت مرحلة غريبة من الركود والمراوحة، وثمة متغيرات كانت تتراكم في الزوايا والظلال وتحت الأرضيات تنهض وتتقدم.

الثغرات المؤلمة التي ظهرت في أداء منظمة التحرير، ثغرات لم تعد مجازاً سياسياً، أو أداة لتعزيز الاحتجاج، خرجت الأخطاء من “المجاز” إلى الواقع، وما بدا لفترة وكأنه منطقة نقد متداولة ومأمونة، تحوّل الآن إلى وقائع يمكن معاينتها والحكم عليها خارج الخلاف السياسي التقليدي.
لقد ظهرت منظمة التحرير الفلسطينية في مشهد المواجهة القائمة كمّن يتعثر وراء المسيرات، ويحاول ببصر مشوش تبيّن الأجيال التي نشأت في العقود الثلاثة الأخيرة.. أجيال بنت ثقافتها ووعيها في غيابه، ولدت وكبرت ونضجت في غيابه، خرجت إلى الشوارع ودخلت السجون وتلقت رصاص الاحتلال في غيابه.
المؤسسات التي هي أعمدته وقاعدته وأذرعه، مجلس وطني ومجلس مركزي ولجنة تنفيذية ودوائر الخارجية/شبكة السفارات، الفنون والثقافة والإعلام والمنظمات الشعبية، تبدو خارج السياق، كانت خارج السياق منذ زمن طويل، ولكنها الآن خارج “المجاز” الذي منحها إمكانية التنفس البسيط، ببساطة لم يعد هذا الإطار قادراً عل القيام بدوره كالممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
قد يبدو الحديث قاسياً، خاصة ونحن نتناول أحد أهم منجزات الشعب الفلسطيني المعاصر بعد انطلاقة “فتح”، وهو قاس بالفعل بقدر ما هو حقيقي، ثمة حقوق كثيرة نبعت من بين الناس خلال زمن الغيبوبة الذي وضعت فيه المنظمة، حقوق حصلت على شرعيتها خارج الأسيجة، ولأسباب كثيرة منها إغلاق أبواب المنظمة أمامها.
الرافعة العظيمة التي قادت الشعب الفلسطيني عبر السبعينيات والثمانينيات، المحاربة الشجاعة في المواجهات الكبرى، من صبيحة معركة الكرامة إلى حصار بيروت ثم الانتفاضة الكبرى، الأم التي وفرت عشرات آلاف فرص التعليم والمنح للشباب الفلسطيني، ورعت أسر الشهداء وأوصلت العلم الفلسطيني إلى شوارع العالم، المؤسسة التي أنجزت وثيقة الاستقلال وعكست فيها وعي أجيال من المقاومين….، لا تبدو قادرة على مواصلة ذلك.
لن تنجح سياسة التجاهل والجلوس كأن شيئاً لم يحدث، بينما كل شيء يحدث وكل شيء يتغير، الخطاب والوعي والأدوات والوجوه.
الأمر يبدأ من منظمة التحرير وليس من مكان آخر.