أحمد عوض: ألمكر الأمريكي الجديد القديم

واضح جداً أن هناك مؤشرات ايجابية في موقف الإدارة الأمريكية الجديدة، من جهة اعلانها بأنها تلتزم بحل الدولتين -وهو شعار يفقد مضمونه كلما تقدم الزمن- ولأن الإدارة الأمريكية “تلتزم” بهذا الموقف الذي يطرب له كثير من الفلسطينيين، فإنها في الوقت ذاته لا تعمل من أجله أو تسعى إليه، إذ أنها تستعيض عن ذلك بالحوافز الاقتصادية والرشى الهامشية، من منطلق أن الفلسطينيين غير جاهزين وأن الإسرائيليين يمرون بظروف بالغة الهشاشة.

وتعبير “الفلسطينيون غير جاهزين” ما هو إلا نتاج سياسات بالغة المكر والخبث من أجل نزع صفة النضج أو الشرعية أو الأهلية عن الشعب الفلسطيني لحرمانه من كل حقوقه.

ومن جهة، فإن اغراق المجتمع الفلسطيني بالأزمات المتلاحقة ووصم السلطة الوطنية الفلسطينية بالفساد أو البطش أو عدم الشرعية، ومن ثم استخدام عصا التمويل الغليظة أو التخويف من الخصوم السياسيين أو رفع الغطاء السياسي من جهة ثانية، يجعل من السهل على الإدارة الأمريكية أن تتلاعب بالفلسطينيين وقواه المختلفة، وهو أسلوب أمريكي معروف ومألوف في أفغانستان وأمريكا اللاتينية وحتى دول أوروبية مختلفة، وهو أسلوب يقوم على اضعاف الأطراف أو ابتزازها أو تأليب بعضها على بعض، الغريب في هذا الأسلوب أنه يطور قانون “فرق تسد” إلى ما يشبه “اللعب مع الجميع على الجميع”، فالأمريكيون وإن كانوا يعلنون رغبتهم في دعم السلطة الوطنية الفلسطينية وانقاذها من بعض ازماتها، ولكنها تجري مع القوى الفلسطينية الأخرى حوارات مباشرة وغير مباشرة لتلوّح بها للضغط أو المساومة، وهذا ما رأيناه مثلا في مصر منذ العام 2010 ورأيناه في سوريا وهونج كونج. الأمريكيون لديهم أدوات كثيرة للضغط وللعب مع الجميع على الجميع، فإضفاء الشرعية والاعتراف والتمويل وحقوق الانسان والاعلام والجوائز والتهديد العسكري، كل ذلك جزء من اللعبة الرأسمالية الاستعمارية للتأثير على مصائر الشعوب وثرواتها وحرياتها.

وعود على بدء، فإن الخطوات الامريكية الجديدة فيها بعض الايجابية من جهة، ولكنها من جهة اخرى تستبدل الاعداد لتسوية حقيقية بالحديث عن رشى اقتصادية وبوادر حسن نية كما يقال، وما هذه البوادر سوى استحقاقات كفلها اتفاق اوسلو، هذه الخطوات التي تعلن عنها الادارة الامريكية فيها استرضاء للطرف الاسرائيلي الذي يعلن صباح مساء انه غير معني بتسوية حقيقية، فيما الفلسطينيون غارقون في ازماتهم ذات الطبقات المتراكمة، الامر الذي قلل من هامش المناورة. ومن هنا، فإن الكلام عن تسوية حقيقية يتلاش أمام الكلام عن بناء خطوات الثقة، وهو أسلوب أمريكي قديم جديد، يذكر بإدارات أمريكية سابقة.

الادارة الامريكية، ولا نضيف جديدا إذا قلنا انها تسعى الى تخفيض حدة التوتر في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، وهي غير معنية بأحداث تقدم دراماتيكي على هذا الصعيد، وهي لهذا تقدم للفلسطينيين والإسرائيليين بعض مطالبهما، وهي تستعين بأصدقائها وحلفائها لتمرير سياساتها الاسترضائية، وربما كان درس افغانستان كفيلا بان يردع الامريكيين عن سياساتهم الرامية الى تمزيق وحدة الشعب او الجغرافية.

أخيراً، الموقف الامريكي الجديد لا جديد جوهرياً فيه، سوى اللغة، ولكن الخطير فيه انه يعيد تعريف الصراع الى مجرد تحسين لشروط الحياة، اي التعايش مع الاحتلال وتحمّله وتجميله، فيما تستمر السياسات الاستيطانية الاسرائيلية وتأكيد يهودية الدولة. ما الحل اذن!!؟ إذا لم يكن هناك ما يغير هذا السيناريو – كانتفاضة او حرب او تغير عالمي او اقليمي- فإن على الفلسطينيين ان يواجهوا هذه السياسة الامريكية الماكرة بحكومة وفاق تتمتع بالمرونة والواقعية ليجتاز الشعب الفلسطيني مرحلة اخرى من مراحل تاريخهم الصعب والمعاند.

الرابط مختصر: