شبكة الخامسة للأنباء - غزة

لم تكن ساعات الانتظار الطويلة أمام بوابة معبر رفح الحدودي مجرد وقت ضائع في حياة آلاف الفلسطينيين بل تحولت إلى مشهد يومي يلخص حياة مأساة إنسانية وسياسية، حيث أصبح المنفذ الوحيد لقطاع غزة نحو العالم الخارجي ” ممرًا ضيقًا” محكوماً بإجراءات أمنية مشددة وأعداد لا تقترب من حجم الكارثة..
أرقام خجولة في وجه الكارثة
ميدانياً، ترصد “الخامسة للأنباء” حركة عبور المسافرين عبر معبر رفح خلال الفترة ما بين 2 و5 فبراير 2026، حيث غادر 138 من الجرحى والمرضى ومرافقيهم، مقابل عودة 77 عالقاً إلى القطاع. وفي المقابل، ينتظر أكثر من 22 ألف جريح ومريض، إلى جانب آلاف الطلبة وأصحاب الجوازات الأجنبية، دوراً قد لا يأتي قريباً. تقارير طبية محلية بغزة تشير إلى وفاة عشرات الحالات بسبب تأخر التنسيق، فيما يواجه آخرون خطر فقدان أطرافهم أو حياتهم نتيجة غياب العلاج في الوقت المناسب.
المكتب الحكومي: فتح المعبر “ذر للرماد في العيون”
المكتب الإعلامي الحكومي وصف ما يجري بأنه سياسة تقطير ممنهجة، مؤكداً أن الفتح الجزئي بهذه الوتيرة الضعيفة لا يعدو كونه محاولة لامتصاص الغضب الدولي، بينما يبقى الواقع بعيداً عن تطلعات المواطنين المحاصرين، وأضاف أن استمرار تحكم الاحتلال في هوية المسافرين وقوائم المنع يفرغ المعبر من صفته كمنفذ فلسطيني – مصري سيادي.
شهادات العائدين عبر معبر رفح
روتانا الرقب، التي رافقت والدتها المريضة في رحلة العودة، تختصر التجربة بقولها: «كنا مقيّدي الأيدي ومعصوبي الأعين». تروي أنها خضعت لتحقيق استمر ثلاث ساعات، تخلله تهديدات بالاعتقال وسخرية من رغبتها في العودة إلى غزة، فيما صادرت قوات الاحتلال ألعاب أطفالها وكل أغراضها الشخصية، مكتفية بالسماح بحقيبة ملابس واحدة فقط. ظهرت لاحقاً في مقطع فيديو وهي تصرخ: ما حدش يطلع من غزة، بعد أن سمح الاحتلال بعودة 12 شخصاً فقط وأعاد 30 مريضاً إلى مصر دون مبرر.
أما صباح الرقب (41 عاماً)، التي تعاني ضعفاً في النظر، فوصفت رحلتها بأنها قطعة من العذاب. بعد ساعات طويلة من الانتظار، نُقلت مع قريبتها روتانا إلى منطقة “ميراج”، حيث استلمتهم ميليشيا مسلحة قبل أن يسلموهم لجيش الاحتلال. تقول: رشّ المحقق الماء عليّ لزيادة برودتي، وهددني قائلاً: حنعتقلك وما حدش راح يعرف عنك حاجة. ورغم الإهانات والحرمان من إدخال الأغراض، تؤكد صباح أن فرحة العودة إلى غزة ولقاء العائلة لا توصف، حتى وإن كان بانتظارها خيمة نزوح وسط الدمار.
المعبر.. شريان حياة أم ساحة فحص أمني
الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية حذرتا من أن “الفتح الرمزي” لمعبر رفح لن يمنع وقوع كارثة صحية، خاصة مع تزايد عدد الوفيات بين الجرحى الذين ينتظرون موافقات أمنية للعبور. وأكدت تقارير أممية أن القيود المفروضة على حركة الأفراد تتماشى مع قيود مماثلة على شاحنات المساعدات، مما يجعل المعبر أقرب إلى “ساحة فحص أمني” وليس شرياناً حياة.
الموقف المصري والضغوط الإسرائيلية
مصر تجدد موقفها الثابت بضرورة فتح المعبر للحالات الإنسانية، مع رفضها القاطع لأي محاولات لفرض واقع أمني يهدف لتهجير السكان. لكن هذا الموقف يصطدم بتعنت الاحتلال الإسرائيلي الذي يفرض رقابة إلكترونية وأمنية غير مباشرة، مدعياً “الدواعي الأمنية” لعرقلة خروج المئات.
أثر اقتصادي واجتماعي
الغرف التجارية تؤكد أن المعبر شبه مغلق أمام الحركة التجارية الحقيقية، ما يحرم الأسواق من السلع الأساسية ومواد البناء اللازمة لإعادة الإعمار. النتيجة: ارتفاع أسعار الأدوية والمواد الغذائية، وتوقف مشاريع ترميم المنازل المدمرة، ليصبح الإغلاق عقبة أمام حياة الناس اليومية.
يبقى معبر رفح اليوم، ورغم مظاهر الفتح الجزئي، معلقاً بين وعود الانفراج وعراقيل “الفحص الأمني”، ليظل الفلسطيني في غزة رهينة لقوائم انتظار طويلة لا تنتهي.
والسؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى سيبقى الجرحى رهائن أوراق أمنية، بينما العالم يكتفي بالتصريحات؟




