مقالات الخامسة

تسرّب إدارة ترامب مضامين اتصالاته مع نتنياهو؟

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: أمير مخول

دأبت إدارة ترامب في الفترة الأخيرة على تسريب مقاطع من اتصالات ترامب ونتنياهو، بما فيه التشديد على المضمون والأسلوب. اذ حذر الرئيس ترامب نتنياهو من مغبة شن الجيش لغارة مكثفة على ايران قد تدفع للتدهور نحو حرب مكثفة بما فيه الضغط على الولايات المتحدة لخوضها، بدلا من احتمالية توقيع اتفاقية اطار لإنهاء الحرب بين طهران وواشنطن والتي يصفها ترامب بالوشيكة.

وفقا لترامب فقد ألزم نتنياهو بوقف الغارة الوشيكة على إيران يوم 7 حزيران، وأعلن بأنه هو صاحب القرار وليس نتنياهو بل أن الأخير ينفذ ما يقرره، ثم أضاف كلمته التي أربكت الحالة الإسرائيلية بقوله: “كن حذرا فيما تفعل، لأنه إذا استمريت هكذا، ستبقى قريبا جدا وحيدا مع إيران “. اذ تدرك إدارة ترامب ان إسرائيل غير قادرة بمفردها على تحقيق إنجازات عسكرية لم تفلح بها الحرب المشتركة الامريكية الإسرائيلية وعلى مدار أربعين يوما.

سبق هذه المحادثة الهاتفية بين الاثنين الاتصال يوم 3 حزيران او ما تم تداوله باعتباره “محادثة الصراخ”، حين حذر ترامب نتنياهو من استهداف العاصمة اللبنانية بيروت. وحين أعاب عليه باعتباره ناكرا للمعروف وبأن الأخير من دون مساعدة ترامب لكان في السجن في إشارة الى الضغط الذي يمارسه ترامب على الرئيس الإسرائيلي لمنح نتنياهو عفوا رئاسيا وإلغاء محاكمته في ملفات الفساد. ليتابع ترامب كلامه: “… الجميع يكرهك الان، الجميع يكره إسرائيل بسببك”

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

في القراءة:

من البديهيات ان الولايات المتحدة تقف الى جانب دولة إسرائيل ومصالحها العليا وفقا لما تراه الإدارة الامريكية صحيحا، لم ولن تتخلى عن الدعم شبه المطلق لإسرائيل. الا ان هذا ليس مطابقا لموقف ترامب من نتنياهو بل هناك تباعد جليّ في أولويات إدارة الأول وحكومة الثاني. بدأ هذا التباعد بعد إخفاق الضربة الأولى للحرب المشتركة على إيران (28 شباط) في تحقيق اهم أهدافها بتقويض النظام الإيراني من خلال حرب ساحقة وسريعة ومباغتة. وكلما امتد امد الحرب وابتعدت عن احتمالات الحسم وانتقلت الى حرب الطاقة ومضيق هرمز اتسعت الهوّة بين الاثنين.

عانى ترامب سياسياً على مستوى الراي العام الأمريكي الواسع وداخل حزبه وحصريا من تيار “أمريكا أولا” من الفرضية السائدة بأنه اذعن لنتنياهو وانجرّ الى الحرب على ايران وعلى أساس معلومات استخبارية إسرائيلية وليس الامريكية المختلفة عنها. فعليا تراجعت شعبيته الى أدني مستوى منذ بداية ولايته بما يهدد سيطرة حزبه الجمهوري في الكونغرس.

اتسم تراجع شعبية ترامب بتعمق الفجوة والتباعد في الاولويات مع نتنياهو وحكومته وحصريا في الملفين الإيراني واللبناني. في المقابل وفي اعقاب اعلان ترامب لوقف إطلاق النار في الخليج وفي لبنان وتمديده عدة مرات، ارتفع منسوب التذمر الإسرائيلي من اذعان نتنياهو أمام استحواذ ترامب على مفاتيح القرار الإسرائيلي بشكل حاسم وفقا لقوله انه هو صاحب القرار وعلى نتنياهو التنفيذ. كما انه أولى اهتماما كبيرا لمساعي التغلب على الرواية السائدة بأنه قام بحرب الاخرين ضد إيران. في المقابل بدأ يعيد الاعتبار لمكانته في اعقاب استقرار الأسواق العالمية وحصريا أسعار الطاقة الناتج عن ادارته لملف هرمز والايحاء بإنهاء الحرب مع إيران.

الاعلام الإسرائيلي: حرب “اليوم الواحد” كارثية بالنسبة لنتنياهو

في مراجعة لمعظم وسائل الاعلام الإسرائيلية يوماً بعد إيقاف ترامب للحرب التي كادت تكون متدحرجة بين ايران وإسرائيل، والنأي بالنفس عن التورط امريكياً فيها، هناك اجماع بأن ترامب هو الذي استعاد مكانته بصفته “مانع الحروب”، فيما حققت ايران خلال يوم واحد إنجازات استراتيجية تكسر معادلات الردع والامساك بزمام المبادرة في التحركات العسكرية ذات البعد الاستراتيجي، وكذلك تغيير مفهوم معادلات الردع في المنطقة. كما عززت إيرانوفقا للإعلام الإسرائيلي وضعيتها امام إدارة ترامب مما يجعل احتمالية انجاز مفاوضات انهاء الحرب اقرب وأسرع فيما يتعلق بالملفات الإيراني واللبناني والإقليمي. كما اتهم الاعلام الإسرائيلي المركزي بما فيها صحفا مثل يسرائيل-هيوم وواينت بأن سياسة نتنياهو حققت ما لا تريده إسرائيل أي إعادة الاعتبار لوحدة الساحات وربط الملف اللبناني بالمفاوضات الامريكية الإيرانية والتي أبقت إسرائيل خارجها.

فيما اعتبر الصحفي يوسي فيرتر في هارتس 9 حزيران بأن تدهور العلاقات مع ترامب، هو كارثيّ بالنسبة لحزب الليكود ولنتنياهو في إدارة معركته الانتخابية الحاسمة بصدد مصيره السياسي. كل ذلك مقابل الخطة الأصلية التي سعى لها نتنياهو بحضور ترامب الى إسرائيل في يوم اعلانها، وأن يحصل على جائزة إسرائيل وبدوره يتوِّج نتنياهو رئيسا للوزراء لدورة قادمة وأن يعمل معه في الأشهر التي تسبق الانتخابات. كما اعتبر الإعلامي فيرتر بأنه من دون مساندة ترامب ومن دون حرب مستدامة والتي قد تشكل ذريعة لنتنياهو لإلغاء الانتخابات وإرجائها الى أجل غير مسمّى، فإن حظوظ نتنياهو بالبقاء في منصبه تتهاوى.

فيما وصف الإعلامي رونين بيرغمان في موقع واينت بأن الجولة الأخيرة من المواجهة بمثابة هزيمة كارثية، وبأن عملية كان بإمكان إسرائيل ان تحتويها، فكان موقف نتنياهو ليس مجرد خطأ تكتيكي بل إحراج استراتيجي، وأن رهاناته قد أخفقت اذ فشلت إسرائيل تحت حكمه في تجديد الحرب، وفشلت في جر الولايات المتحدة إلى صراع أوسع، وأعادت ربط لبنان بإيران، وسمحت للإيرانيين بأن تكون لهم الكلمة الأخيرة، وقد تجد نفسها في نهاية المطاف أمام اتفاق أمريكي إيراني تعارضه. كما أشار بيرغمان الى ما بات حديث الساعة في الراي العام الإسرائيلي والمقصود انه خلال يوم واحد اتضحت “حدود القوة الإسرائيلية”، وعمق اعتمادها على الولايات المتحدة، وقدرة إيران على صياغة معادلة إقليمية جديدة، والفجوة بين رغبة إسرائيل في التصعيد وعدم رغبة الولايات المتحدة في السماح بحرب شاملة.

العلاقة بالانتخابات الإسرائيلية

مقابل سنوات طويلة من استناد نتنياهو الى الملف الإيراني باعتباره رافعة للكسب السياسي ولضمان بقائه في الحكم، وقد تحسنت حظوظه حصريا من جولة الحرب في لبنان في صيف 2024 والضربات الكبرى لحزب الله وتصفية قياداته ولاحقا في جولة الحرب الأولى ضد ايران في صيف 2025 بلغت شعبية نتنياهو ذروتها ما أحدث انقلابا عبرت عنه استطلاعات الراي العام الإسرائيلية. كما ان اعتماده منذ العام 2015 لمساعيه لتقويض الاتفاق النووي مع ايران في عهد الرئيس أوباما، وتحقيق هذه الغاية في دورة ترامب الأولى شكلت أيضا رافعة لنتنياهو مقابل كل القيادات الإسرائيلية الأخرى.

في المقابل فإنه ومنذ وقف اطلاق النار مع ايران بقرار امريكي بعد حرب الاربعين يوما، وبموازاته وقف اطلاق النار الجزئي في لبنان والذي اعتبره الجيش قيداً على تحركاته، توجد قناعة متسعة في الراي العام الإسرائيلي وحصريا سكان الشمال بأن الأمن والأمان قد تراجعا جوهرياً، وهو ما رسخته المواجهة لأقل من يوم مع ايران. في المقابل وفي حال نجاح ترامب في منع نتنياهو من الإفلات من قراراته بشأن عدم تجديد الحرب، فسوف يتصدر الانتخابات اذعان نتنياهو للرئيس الأمريكي، وكذلك يعود الى الواجهة اخفاق 7 أكتوبر 2023 الأكبر في تاريخ إسرائيل وهو ما سعى نتنياهو لاستبعاده. في حين ان وقف الحرب يسحب ذريعة الغاء الانتخابات من نتنياهو والمؤسسة على الوضع الأمني، ليغدو في مأزق سياسي تتقلص فيه مساحات المناورات التي يجيدها.

يحظى الرئيس الأمريكي ترامب بشعبية واسعة في الراي العام الإسرائيلي تفوق ما يتمتع به نتنياهو وهو المعني بخلاف الأخير بوقف الحرب في كل من ايران ولبنان وحتى في غزة وفقا لخطته، ويطرح امام الإسرائيليين أفقا سياسيا. في المقابل تتراجع شعبية نتنياهو وكذلك منسوب الرضى والقناعة بصدد أهليته لرئاسة الحكومة وتحويل إنجازات الجيش العسكرية الى مكاسب من خلال أفق سياسي لا يرتئيه نتنياهو. فيما التوتر بينه وبين الجيش بات مرئياً وبات الجيش يسرّب تقديراته وتوصياته المخالفة للقرار السياسي الذي يتخذه نتنياهو.

هل الإدارة الامريكية معنية ببقاء نتنياهو في الحكم:

يبدو ان تكرار تسريب مضمون وأسلوب إدارة الاتصالات بين الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي، هو مؤشر لنهج امريكي نحو استبعاد نتنياهو من السلطة وتملك الولايات المتحدة عدة آليات تأثير على الراي العام الإسرائيلي وهذه احداها وهي تقوم على خلق صورة لنتنياهو بأنه الرجل الضعيف المذعن لواشنطن والمغامر بمصير الأمن القومي الإسرائيلي وأمن الولايات المتحدة. وبأنه ربط مصيره بالحرب الدائمة على النقيض من رؤية ترامب لنفسه.

تبدو الإدارة الامريكية معنية برئيس وزراء إسرائيلي يتماشى مع المصالح الامريكية في المنطقة وحصريا في القبول بأفق سياسي في كل الملفات التي تعني واشنطن ولا يورطها ويخدم أولوياتها وهو ما لا يجدونه في نتنياهو وائتلافه الحاكم.

في الخلاصة:

• التسريبات الامريكية المتكررة لمحادثات ترامب نتنياهو، موجهة الى الرأي العام الأمريكي الداخلي بأن إدارة ترامب لن تخوض حروب الاخرين؛ كما أنها موجهة حصرياً الى الراي العام الإسرائيلي ومن فوق رأس نتنياهو والتي تحرج الأخير وتزعزع وضعيته، تبدو انها تعبير عن مسعى امريكي منهجي لوضع حد لحكومة نتنياهو، ولقيام ائتلاف حاكم يسير وفقا للأولويات الامريكية إقليميا والتي تتطلب بالضرورة أفقا سياسيا في كلٍّ من الملفات الإيراني واللبناني والفلسطيني، واستقرار المنطقة.

• الولايات المتحدة ملزمة لإسرائيل في كل الظروف لم ولن تتنازل عن هذا المبدأ، الا ان الجديد انها لا ترى بنتنياهو كمن يمثل المصالح العليا الاسرائيلية ولا الامريكية، فيما التباعد مع نتنياهو بقناعاته وبائتلافه المعوّق يتسع.

• شكلت الجولة ليوم واحد من الحرب مع إيران نقطة تحوّل أقرب الى الاحراج الاستراتيجي لإسرائيل وهناك اجماع اعلامي وسياسي بتحميل نتنياهو المسؤولية عن تردي وضعية إسرائيل في كل الجبهات وأهمها العلاقة مع واشنطن.

• كما شكّلت هذه المواجهة نقطة تحوّل في صلبها مساءلة شعبية وإعلامية واسعة لنتنياهو بصدد حدود القوة الإسرائيلية القائمة على الحرب المستدامة وإغلاق أي افق سياسي. قد تتعزز هذه المساءلة وقد تتراجع فالتحولات العميقة لا تبدو ناضجة أيضا نظرا لموقف التيار السائد في المعارضة الإسرائيلية الذي لا يطرح علناً أي بديل سياسي.

• أي توافق امريكي إيراني نحو اتفاق شامل، سيدفع الى اضعاف نتنياهو وتعزيز حظوظ نهاية حكمه.

• تقلصت حدود المناورة السياسية والأمنية المتاحة لنتنياهو الى كل من جنوب لبنان وغزة والضفة، وهي ملفات جوهرية تؤكد انه من السابق لأوانه الجزم بأن نهاية حكم نتنياهو مفروغ منها، بل قد تكون مفاجئات يوفرها الانزياح اليميني الشامل في المجتمع الإسرائيلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى