جمهورية ربما العظمى

الخامسة للأنباء - غزة
بقلم / د. سامر موسى
ما زالت غزة تقف عند عتبة الانتظار بين الركام والحصار، وما زالت جراحها المفتوحة شاهدة على واحدة من أقسى المراحل في تاريخها المعاصر، وبينما يكافح أهلها من أجل تأمين ضروريات الحياة واستعادة شيء من الاستقرار المفقود، يبدو غريبا أن ينشغل البعض بإعادة إنتاج معارك الماضي أكثر من انشغالهم بصياغة إجابات حقيقية لأسئلة المستقبل.
ففي كل يبدأ حديث عن المستقبل، تخرج من بين الأنقاض جمهورية جديدة، جمهورية لا توجد على الخريطة، ولا يعرفها القانون الدولي، ولا يراها المواطن المنهك الذي يقف في طابور الخبز أو ينتظر دوره للحصول على شربة ماء، لكنها تزدهر في المقالات والتحليلات، دولة كاملة تولد من كلمة “ربما”، وتكبر مع كل إشاعة، وتتحول مع الوقت إلى حقيقة راسخة في أذهان البعض رغم غياب الوقائع التي تستند إليها.
العجيب أن هذه الجمهوريات تولد من كلمة “ربما”، ربما كان هناك مخطط، وربما كان هناك تفاهم، وربما أراد هذا الشخص كذا، وربما كانت تلك الدولة ستقوم لولا أن فلانا منعها، وهكذا تتحول “ربما” من أداة لغوية إلى جمهورية كاملة الأركان
لكن الواقع لم يعد يحتمل العيش داخل هذه الجمهوريات المتخيلة، فالقطاع الذي تعرض لكل هذا الدمار لا يواجه اليوم معركة نفوذ بين أشخاص، بقدر ما يواجه سؤالا وجوديا يتعلق ببقاء المجتمع نفسه: كيف تستمر الحياة؟ كيف تعود المؤسسات إلى العمل؟ من يدير الخدمات؟ من يشرف على الإغاثة وإعادة الإعمار؟ ومن يمنع تحول الفراغ إلى فوضى يدفع ثمنها الجميع؟
إن الناس اليوم لا يحتاجون إلى مؤرخين للمخاوف بقدر حاجتهم إلى صناع للحلول، لا يحتاجون من يخبرهم ماذا حدث في 2005 أو 2006، بل من يساعدهم على تجاوز واقع 2026 وما بعدها، فالحقيقة أن هذا الجزء العزيز من الوطن لا يحتاج إلى اختراع دول وهمية جديدة، لأنه جرب ما يكفي من الانقسامات الحقيقية
للأسف، تستمر بعض الخطابات السياسية في التعامل مع الواقع الفلسطيني وكأنه ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات القديمة، فالواقع الذي يعيشه الناس اليوم فيختلف كثيرا عن الصورة التي يرسمها البعض في مقالاتهم وتحليلاتهم، فالناس لا تشغلهم أسماء المشاريع بقدر ما يشغلهم وجود مشروع قادر على إعادة الحياة.
لقد أثبتت التجربة أن الأوطان تبنى بالمؤسسات والكفاءات والإرادة الوطنية، وأن القيادات القادرة على الإنجاز كانت دائما جزءا من الحل، لكن المشكلة تبدأ عندما يجري الحكم على الأشخاص لا على أفعالهم، أو عندما تتحول النقاشات من تقييم البرامج والقدرات إلى مطاردة النوايا والافتراضات.
وفي الحقيقة، فإن مستقبل هذه المرحلة لا يمكن أن يصنعه طرف واحد، كما لا يمكن أن يترك لفراغ سياسي أو إداري، هناك شخصيات وطنية وقوى سياسية ومجتمعية تمتلك خبرة وعلاقات وقدرات تراكمت عبر سنوات طويلة، ومن الطبيعي أن تكون هذه الطاقات جزءا من أي جهد للإنقاذ وإعادة الإعمار، فالأمم الخارجة من الكوارث لا تستبعد أصحاب الخبرة، بل تبحث عنهم وتستثمر قدراتهم في خدمة المصلحة العامة.
ولهذا يبدو منطقيا أن يتجه التفكير نحو صيغ وطنية جامعة تقوم على الشراكة وتحمل المسؤولية، فالمرحلة الراهنة لا تحتاج إلى معركة جديدة حول الرايات والعناوين، بل إلى آلية قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية، والحفاظ على السلم الأهلي، وإعادة تشغيل المؤسسات، ومواكبة جهود الإغاثة والإعمار، فالمعيار الحقيقي ليس في التسميات ولا في السرديات المسبقة، بل في القدرة على ضمان استمرار الخدمات وحماية النسيج الاجتماعي ومنع الفراغ.
لقد علمتنا تجارب الشعوب أن المجتمعات لا تنهض بالجدل حول الماضي بقدر ما تنهض بالاتفاق على إدارة الحاضر، فالحديث المتكرر عن مشاريع سرية ودول وهمية ومخططات دفنتها الأحداث منذ سنوات طويلة قد يصلح مادة للسجال السياسي، لكنه لا يقدم جوابا واحدا على التحديات القائمة، فالناس لا يسألون عن شكل المؤامرة المقبلة، بل عن كيفية إعادة فتح المدارس والمستشفيات والجامعات والبلديات وقيامها بواجباتها.
فحين تكون البيوت مهدمة، والمؤسسات منهكة، والمجتمع مثقلا بالجراح، يصبح السؤال الأكثر وطنية ليس: من نحمله مسؤولية الماضي؟ بل: كيف نبني المستقبل؟ وهذا هو السؤال الذي تستحقه فلسطين كلها، لذلك ربما آن الأوان لإغلاق سفارات “جمهورية ربما العظمى” وممثلياتها المنتشرة في بعض المقالات والتحليلات السياسية، والعودة إلى أرض الواقع؛ حيث الوقائع أهم من الهواجس، والحقائق أقوى من الشائعات، ومستقبل الشعوب لا يبنى على التخمين بل على العمل والإرادة والوعي.





