“حاجز أبو هولي”.. ذكرى مؤلمة جثمت على قلوب الغزيين

تقرير خاص – محمد الذّهبي: 

“حاجز أبو هولي”، إن كُنت من غزة.. ولم تسمع به من قبل، فَسَل والدكَ أو شقيقكَ الأكبر عن مأساةٍ عاشها آلاف الغزيين لسنوات طوال، بسبب بضع كتلٍ اسمنتيه وغرف محصنة، وعشرات الجنود المدججين بالسلاح، وأبراج المراقبة الجاثمة على قلوب المرضى والأطفال والشيوخ.

حاجز “محفوظة”، أو أبو هولي كما شاعت تسميته بين أهالي غزة، كان يفصل محافظات قطاع غزة، الجنوبية عن الشمالية والوسطى منها، وكم من الممارسات اللا إنسانية وعمليات الاعتقال والإعدام والتفتيش المهين والمُذل التي نفذها الجنود الإسرائيليون بحق الفلسطينيين هُناك.

جنوب مدينة دير البلح، أقام الاحتلال حاجز محفوظة الفاصل لمحافظتي خان يونس ورفح عن بقية أراضي قطاع غزة، حيث كان يُعرف بأنه من أصعب نقاط التفتيش العسكرية الإسرائيلية بسبب ما يمارسه جنود الاحتلال عنده من إجراءات معقدة واستفزازية ضد المواطنين.

إن سألت أي مواطنٍ غزي من جنوب قطاع غزة، من أولئك الذين عاصروا أبو هولي في الفترة ما بين 2000-2005م، فسيقول لك أنه يجب عليك اجتياز الحاجز قبيل السادسة مساءً، إلا إن كنت تنوي المبيت في العراء، حيث يُقفل الاحتلال حاجز أبو هولي وبرج المراقبة العسكري، ليُعاد فتحه صبيحة اليوم التالي -إن كان لدى الجنود مزاجٌ ورغبة في تسهيل حركة المواطنين-، وكم بقي أبو هولي مقفلاً لأيامٍ متتالية!

شكَّل حاجز أبو هولي، مصيدة للمواطنين الفلسطينيين، حيث اعتقلت واحتجزت وقتلت قوات الاحتلال عشرات المواطنين عنده، مستغلةً توجههم لقضاء حاجاتهم ومصالحهم في بقية أرجاء قطاع غزة، وذلك لأن آلاف المواطنين كانوا يتنقلون يومياً عبره، إما من أجل العمل أو العلاج أو الدراسة أو غيرها.

يقول مصطفى السيد، وهو من سكان مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة “كنت طالباً بكلية الهندسة حينها، أتذكر أننا كنا نمكث لساعات طويلة على حاجز أبو هولي، كنا نتأخر عن مواعيد المحاضرات في الغالب، ونضطر للغياب أحياناً أخرى بسبب انتهاء ساعات الدوام الجامعي ونحن ما زلنا ننتظر عبور الحاجز”.

أما الحاج أحمد أبو زر، من مدينة غزة، فيقول في تجربته عند حاجز أبو هولي “عام 2004 سافرت إلى فرنسا، كانت الطريق ميُسّرة في ذهابنا، وصلنا إلى حاجز أبو هولي وما انتظرنا هناك سوى ساعة تقريباً، ثم إلى معبر رفح البري ثم مطار القاهرة الدولي إلى فرنسا، ولكن زوجتي وأبنائي الذين أوصلوني إلى معبر رفح البري اضطروا للمكوث ثلاثة أيام عند حاجز أبو هولي لدى عودتهم إلى غزة، لقد وصلت فرنسا في أقل من 12 ساعة وقطعت عشرات آلاف الكيلو مترات، في حين استغرقت المسافة التي قطعتها عائلتي، والتي لا تتجاوز عشرات الكيلو مترات ثلاثة أيام بلياليها”.

ولا تزال ذكريات أبو هولي الأليمة عالقة في ذهن من عاصرها بعد سبعة عشر عاماً من دحر الاحتلال الإسرائيلي عن قطاع غزة، حيث يقول المواطن علاء جمعة “كنت طالب في الجامعة الإسلامية، وقد اضطررت ككثيرين من الطلاب والمرضى والموظفين للمبيت على الحاجز في أحد الأيام لأربعة أيام متتالية جراء غلقه في وجه المواطنين من قبل الاحتلال”.

ويستذكر جمعة أكثر المواقف صعوبة على الحاجز، خلال احتجازه في إحدى المركبات بين الحاجز الأول لمدينة خان يونس، والثاني لمدينة دير البلح، حينما وقع إطلاق نار كثيف من قبل قوات الاحتلال المتمركزة فوق الأبراج العسكرية الإسرائيلية قائلاً “أمضينا أكثر من سبع ساعات من الخوف والرعب الشديدين بين الحاجزين جراء إطلاق النار الكثيف، لا نستطيع الوصول إلى خان يونس أو العودة إلى دير البلح، إذ منعنا جنود الاحتلال من مغادرة من السيارة”.

ولا يختلف الحال بالنسبة للمواطن تيسير أحمد، من خان يونس، والذي اعتقلته قوات الاحتلال أثناء مروره عن الحاجز متوجهًا إلى مدينة غزة، حيث فتشت قوة من جيش الاحتلال سيارته، ثم اقتادته إلى إحدى الغرف الموجودة في الحاجز، وحققت معه لساعات عديدة قبل أن تقوم بنقله إلى سجن المجدل الصحراوي، والذي أمضى فيه خمس سنوات قبل أن يتم الإفراج عنه.

منذ بداية انتفاضة الأقصى الثانية عام 2000م، وحتى رحيل آخر جندي إسرائيلي عن غزة في 2005م، بقي حاجز أبو هولي وصمة عار على جبين الاحتلال الإسرائيلي، حيث تجرع مرارة التنقل من خلاله جيلٌ كاملٌ من الشباب.

سيل من المضايقات والانتهاكات والاستفزازات اليومية كان يتعرض لها المواطنين على ذلك الحاجز الذي أهان وأذل الصغار قبل الكبار، ولم يرحم ضعف المرضى وحاجة الطلبة الذين كان كثيرون منهم يبيتون إما في بيوتٍ يستأجرونها بمدينة غزة رفقة زملائهم من أجل ضمان الوصول إلى جامعاتهم في اليوم التالي، أو في الحرم الجامعي لعوزهم وقلة حيلة ذويهم.

في العاشر من يونيو 2004م، هزّ انفجار ضخم موقعاً عسكرياً إسرائيلياً عند حاجز المطاحن قرب مجمع غوش قطيف الاستيطاني، مما أسفر عن وقوع عشرات الإصابات في صفوف جنود الاحتلال، والذين تم إجلاءهم لمستشفى سوروكا ببئر السبع المحتلة.

وذكرت وسائل إعلام عبرية حينها، أن سبعة قتلوا، وعشرين جندياً إسرائيلياً أصيبوا بجراجٍ تراوحت ما بين الخطيرة والمتوسطة، جراء العملية النوعية التي نفذتها المقاومة الفلسطينية بمنطقة حاجز أبو هولي، والتي تم بموجبها نسف الموقع العسكري والحاجز المقام ضمنه.

وكانت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، قد أعلنت فيما بعد، أن مقاتليها قاموا بحفر نفق بطول بلغ خمسمائة متر من المنطقة الآمنة، إلى أن وصلوا إلى نقطة أسفل الموقع تماماً، حيث بدأ الحفر في الخندق على عمق سبعة أمتار تحت الأرض وانتهى بعمق 80 سم تحت مستوى الموقع العسكري، وقد قاموا بتفريع النفق إلى ثلاثة أفرع (شرق ـ وسط ـ غرب)، وتوزيع العبوات الناسفة على هذه الأفرع الثلاثة، حيث تم وضع عبوة شديدة الانفجار تزن 650 كيلوغرام شرقاً، وأخرى تزن 700 كيلوغرام غرماً، وثالثة في الوسط تزن 650 كيلوغراماً، ليصل مجموع المادة المتفجرة المستخدمة في هذه العملية إلى 2000 كيلوغراماً.

ومما لا شك فيه، أن انسحاب الاحتلال الإسرائيلي عن أراضي قطاع غزة أنهى تلك الأيام السوداء، ووضع حداً لأيامٍ من الخوف والأسى والقلق التي عاشها أبناء الشعب الفلسطيني بغزة، وأسهم في حرية تنقل المواطنين دون خوفٍ من الاعتقال أو الاستشهاد، أو التأخر عن مصالحهم أياً كانت.

 

 

الرابط مختصر: