صلاة الغياب في مدينة الله الأولى

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: يونس العموري
في الازقة العتيقة حيث الحجارة تحفظ اسماء الانبياء اكثر مما تحفظ اسماء المارة، كنت امشي كاني اخر الناجين من اسطورة احترقت مخطوطاتها، وارفع قلبي صلاة لا تشبه الصلوات، بل تشبه بكاء المدن حين تصلب على ابواب التاريخ…
هنا… مر داود ذات ليل وهو يحمل مزاميره كجندي خائف من نبوءة، وهنا بكى المسيح على حجارة تعرف ان القيامة ليست سوى تاجيل للموت، وهنا عرج العدناني محمد الى السماء، فارتجفت الارض لانها، للمرة الاولى، شعرت ان الله قريب الى هذا الحد…
القدس ليست مدينة، انها الفاصل الرقيق بين الغيب والرماد، بين صلاة ام فلسطينية وخراب الامبراطوريات… كل زقاق فيها يشبه شريانا مفتوحا في جسد الزمن، وكل باب عتيق يخفي وراءه قرنا من الدموع وقرنا من المعجزات. .. حتى القطط التي تنام قرب الاسوار تبدو كحراس قدماء لهيكل العالم…
يا قدس، يا امرأة ترتدي الليل الكنعاني وتشعل في عينيها قناديل الفاطميين، يا مدينة تتقاتل فوقها الاساطير كما تتقاتل الغربان فوق حقول الموت، كيف ما زلت واقفة وكل هذا الخراب يمر من شرفاتك كل يوم ..؟؟ اسمع في حجارتك تكبير صلاح الدين، وصوت الامهات الان وهن يجمعن ابناءهن من تحت الغبار كما تجمع الالهة القديمة شظايا النجوم.
وفي الليل، حين ينام العالم متخما بالخذلان، تبقى القدس وحدها مستيقظة، كقديسة تنزف عند باب السماء، تعد شهداءها واحدا واحدا، وتكتب اسماءهم على جدار الغيب كي لا يسرقهم النسيان… لهذا حين اصلي في ازقتها، لا اطلب خلاصا شخصيا، بل اطلب ان يبقى الضوء حيا في قلب هذه المدينة، لان سقوط القدس ليس سقوط حجر او وطن، بل سقوط المعنى الاخير في روح هذا العالم .. وسقوط المعنى اشد فداحة من سقوط المدن، فالمدن يمكن ان تعاد بناؤها، والاسوار يمكن ان تنهض من تحت الركام، اما حين يموت المعنى في قلب البشر فان العالم كله يتحول الى صحراء اسعة تمشي فيها الارواح عطشى بلا يقين… لهذا تبدو القدس اليوم كشمعة وحيدة في ريح عاتية، تحيط بها عيون الطامعين وسيوف الغزاة وصمت العالم الثقيل، ومع ذلك لا تنطفئ… كأن في حجارتها سرا قديما ورثته من الانبياء، او لعنة مقدسة تجعلها محكومة بالالم والخلود معا… فالقدس لم تعرف يوما راحة المدن، ولم تنم مطمئنة مثل العواصم البعيدة، بل ظلت منذ البدء مدينة معلقة بين السماء والمذبحة… في طرقاتها القديمة تتعثر الخطى بارواح الذين مروا من هنا، الجنود الذين سقطوا عند الاسوار، العشاق الذين كتبوا اسماءهم على الابواب ثم اختفوا، الدراويش الذين داروا حتى تعب التراب من دورانهم، والامهات اللواتي انتظرن ابناء لن يعودوا ابدا… حتى الهواء هنا يبدو مثقلا بالمعجزات والدموع، كأن الزمن نفسه يركع عند ابواب القدس ويخلع تاج غروره قبل الدخول… وحين اصعد نحو الاقصى في الفجر، اشعر انني لا امشي فوق ارض عادية، بل فوق طبقات من الدعاء المتراكم منذ الاف السنين… كل خطوة هناك تشبه اقترابا بطيئا من قلب الغيب، وكل نفس يشبه صلاة نجت من خراب العالم… في الساحات القديمة ترى وجوه الناس كانها خارجة من سفر قديم، وجوه تحمل تعب القرون لكنها تخفي في اعماقها نورا غامضا لا تستطيع الحروب اخماده… الاطفال الذين يركضون قرب الجدران يشبهون عصافير صغيرة تتعلم الطيران وسط العاصفة، والشيوخ الجالسون قرب الابواب يبدون كحراس اخيرين لذاكرة الارض…
يا قدس، يا مدينة كتب الله اسمها على صفحة الماء والنار معا، كم مرة حاول التاريخ ان يكسرك وفشل .. ؟ كم امبراطورية مرت من هنا وهي تظن انها خالدة، ثم ذهبت مثل غبار عابر، وبقيت انت وحدك تجمعين رماد القرون وتشعلينه قنديلا جديدا للحياة…
في الليل، حين تخفت الاصوات وتنام المدن البعيدة في امانها البارد، تبقى القدس مستيقظة، كام تخاف على اطفالها من العتمة… تعد شهداءها بصمت، تغسل وجوههم بضوء القمر، وتعلق اسماءهم على ابواب السماء كي لا يبتلعهم النسيان…
ثمة حزن قديم يسكن هذه المدينة، حزن يشبه حكمة الانبياء حين يكتشفون ان البشر لا يتعلمون من الخراب… ومع ذلك
فان القدس لا تكره احدا، بل تفتح ابوابها دائما لكل الذين يأتون مثقلين بالتعب والخطيئة والبحث عن الله… لهذا كل من يدخل القدس لا يخرج منها كما كان… هناك شيء خفي يتسلل الى الروح، شيء يشبه النور او الندبة، يجعل القلب اكثر هشاشة واكثر قدرة على الاحتمال في الوقت نفسه… ربما لان القدس تعلمنا ان القداسة ليست غياب الالم، بل القدرة على حمله دون ان ينطفئ الضوء في الداخل… وتعلمنا ايضا ان الاوطان ليست مجرد خرائط، بل ذاكرة تسكن الدم، وصلاة طويلة يرددها الناس جيلا بعد جيل كي لا تضيع الحقيقة… ولهذا حين اصلي في ازقة القدس القديمة، لا اطلب نجاة شخصية، ولا حلما صغيرا يكفيني وحدي، بل اطلب شيئا اعظم من ذلك كله، اطلب ان تبقى هذه المدينة واقفة في وجه هذا الليل الهائل، والظلمة الحالكة ، وان يبقى صوت المؤذن مختلطا باجراس الكنائس كترتيلة ابدية ضد الخراب، وان تبقى الحجارة شاهدة على ان الحق قد يتعب لكنه لا يموت… لان القدس، في النهاية، ليست مدينة من حجر فقط، بل مرآة لروح العالم… فاذا انكسرت هذه المرآة فلن يرى البشر وجوههم مرة اخرى، وسيضيع اخر اثر للسماء في قلب الارض…





