مقالات الخامسة

متى نفهم سياسات إسرائيل؟!

الخامسة للأنباء - غزة

بقلم توفيق أبو شومر

«ضغط الإيرانيون على أحد أفراد الجيش الإسرائيلي لكي يغتال، تومار بار قائد القوات الجوية الإسرائيلية، وتصوير منازل كبار المسؤولين، بمن فيهم، نتنياهو، ونفتالي بينيت، وإيتمار بن غفير، وسموترتش، مع تصوير شارعي روتشلد، وكابلان، في تل أبيب، وطلبوا من العملاء تصوير بطاريات القبة الحديدية، تلقى أحد العملاء 1300$ لإنجاز هذه المهمة»! (صحيفة، إسرائيل ناشيونال نيوز يوم 24-4-2026)!

استغرب أحدهم نجاحَ إيران في تنظيم مجموعة من الجواسيس الإسرائيليين، يعود سبب استغراب هذا المتابع إلى أن معظم العرب ودولاً أخرى خضعوا لدعاية إسرائيلية تقليدية، وهي أن الإسرائيليين محصنون ضد الجوسسة.

فالإسرائيليون يُجندون العملاء، أما غير الإسرائيليين فهم فقط القابلون للتجنيد لمصلحة إسرائيل، ومن ضمن الشائعة أن هناك استحالة في اختراق الدرع الإسرائيلي الصلب، المتمثل في حصانة المواطن الإسرائيلي ضد الجوسسة!.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

ليس هناك دولة حصينة ضد التجسس، وعلى رأسها إسرائيل، فقد اعتقل، رونين سيغف، عضو الكنيست ووزير الطاقة الإسرائيلي في دورة الكنيست الثالثة عشرة، بتهمة التجسس على إسرائيل، نشرت صحيفة، تايمز أف إسرائيل خبر عمالته لإيران يوم 18-6-2018 فقالت: «رونين سيغف طبيب أطفال، حكم عليه بالسجن خمس سنوات لاتهامه بالخيانة العظمى لمصلحة إيران، جنَّدتْهُ سفارةُ إيران في نيجيريا، منحته جهاز اتصال مخابراتي إيراني، زار إيران مرتين متخفيا. وهو في منصب وزير الطاقة، أفشى هذا الوزير للإيرانيين كلَّ المعلومات عن موظفي وزارته الإسرائيليين، وعن كل أنشطة الوزارة ومعلومات أخرى»!

غير أن هذه الفضيحة جرى إخفاؤها بسرعة، بعد أن أُبرمت صفقة بين المحامين والقضاة وبين رجال المخابرات، فجأة قررت المحكمة إدانته بتهمتين أخريينِ غير التجسس، وهما تهريب المخدرات، والاحتيال، أخفت المحكمة قضية التجسس نهائياً حفاظاً على سمعة إسرائيل!

هناك أسبابٌ لانتشار دعاية إسرائيل السابقة، وهي سهولة تجنيد العملاء في دول العرب والدول الأخرى!

من هذه الأسباب؛ أن كثيرين في العالم العربي، والبلدان النامية لا يشعرون بالحرية في أوطانهم، وهذا يؤدي إلى بُغض الأوطان وحب الانتقام منها بسبب طغيان الحكام، كما أن انتشار ضائقة القهر والفقر هو سببٌ آخر، ومن أبرز الأسباب عدم وجود نظام ثقافي توعوي يحببهم في أوطانهم، فهم يلجؤون إلى وسيلة سهلة في اعتقادهم الثقافي المحدود، وهي أن الطريق السهل لنيل الحظوة والثراء بسرعة البرق بلا عناء، هو خيانة أوطان الديكتاتوريين!

تمكنت إسرائيل وهي تقترب من عقدها الثامن من ترسيخ مبادئ إعلامية دعائية رئيسة، وهي أنها الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، فمن يشتم الشخصيات البارزة لا يتعرض للسجن أو المطاردة أو الإقصاء، وهي أيضا الدولة الوحيدة التي لا تفرط في حقوق مواطنيها، فهي تستبدل رفات إسرائيلي واحد من مواطنيها بآلاف المساجين الفلسطينيين والعرب، تزعم إسرائيل دائماً أنها دولة القانون، فيها كل أشكال المحاكم، محاكم الصلح، والمحاكم المركزية، والمحكمة العليا، على الرغم من أن هذه المنظومات القضائية لا يمكن أن تُصدر أحكاماً خارج مخططات الجيش الإسرائيلي والأمن، فهي مسميات دعائية أكثر منها منظومات قانونية عادلة!

سأسرد فيما يأتي بعض قضايا نقص معلوماتنا عن إسرائيل، وأننا خضعنا لهذه الديماغوجيا ولم نتمكن من فهم الحقائق عن إسرائيل، وأن هناك جهلاً وعدم اكتراث لمعرفة حقيقة فسيفساء المجتمع الإسرائيلي، لأن ما في هذا المجتمع من الثغرات يجعله لا يختلف عن غيره إلا في سطوة إعلامه الموجه، فمن يعش داخل هذا المجتمع يدرك البون الشاسع بين ما يُنشر في الإعلام الإسرائيلي وما يُمارس في الواقع، إن تشبيه، د. عبد الوهاب المسيري في كتابه المشهور الموسوعة اليهودية هو تشبيه صادق، فقد شبَّه المجتمع الإسرائيلي بأنه (أشتات عرقية) لا تجمعهم روابط مشتركة، لا في اللغة، ولا العقيدة، ولا الإثنية، ولا التراث، ولا يجمعهم إلا الخوف من المحيط!

ليتنا استثمرنا قصة هذا المجتمع الإسرائيلي المُشتَّتْ ووظفنا دراساتنا لنستغل ظاهرة كثيرين من الإسرائيليين ممن اكتشفوا خدعة إسرائيل الإعلامية، وأن نكشف للعالم أنَّ الإسرائيليين عند المؤسسة الصهيونية يشبهون آلات صماء، ليتنا استثمرنا هؤلاء المنشقين عن الصهيونية ووضعنا برنامجا لنصرة هؤلاء ودعمهم وتحويلهم إلى مثقفين يؤمنون بوطن لجميع الجنسيات والأعراق والأديان!

فما نزال نستشهد بأقوال المثقفينِ، عوفر كسيف عضو الكنيست عن حزب الجبهة، وبمقالات الصحافي، غدعون ليفي في صحيفة، هآرتس، دون أن نبلور سياسة لاستثمار أقوالهما لتعزيز صمودهما، لأن ذاكرة كثير من دول العرب وإيران وغيرها قصيرة المدى للأسف!

اكتشف كثيرون من الإسرائيليين العقلاء من واقع أرشيفات إسرائيل في نهاية القرن السالف وبداية الألفية الثالثة، اكتشفوا أنهم كانوا مُضللينَ، لذلك برزت ظاهرة المؤرخين الجدد حين اكتشف هؤلاء أن تاريخ إسرائيل أسطوري مضلل، أدركوا أولاً أن فلسطين لم تكن أرضاً جرداء، بل كانت بلد حضارة مزدهرة قبل تأسيس إسرائيل، وأن الشعار المركزي لإسرائيل وهو (أرضٌ بلا شعب، لشعبٍ بلا أرض) كان شعاراً زائفاً، اكتشفوا أن الفلسطينيين لم يُهاجروا من أرضهم طوعاً أو بطلبٍ من الجيوش العربية، بل هُجِّروا تهجيراً بفعل مؤامرة إسرائيلية جاهزة لتصفية الشعب الفلسطيني وطرده من أرضه، وقد وصل الحالُ بعشرات الباحثين والكتاب الإسرائيليين المنصفين أن يكشفوا هذا الزيف، مثل إيلان بابيه، وشلومو صاند، وإبراهام بورغ، وتوم سيغف، وسمحا فلابان، وآفي شلايم، وسامي ميخائيل وغيرهم، لدرجة أن، متشل رينوف البروفسورة في جامعة حيفا، اقترحت وجوب هجرة كل المثقفين الإسرائيليين الواعين من إسرائيل إلى وطنهم الأصلي في إقليم، بيروبيدجان في روسيا.

نسي كثيرون أن بعض الذين اكتشفوا زيف دعاية إسرائيل ناصروا سورية، مثل حالة الجندي الإسرائيلي، إيهود أديب، عضو كتيبة الناحال، الذي منحته سورية جواز سفر سورياً باسم، جورج خوري، اكتشف زيف الدعاية الصهيونية، هذا الجندي الإسرائيلي المخلص للحقيقة، اعتقله جهاز الشين بيت عام 1972 وحكمت عليه المحكمةُ بالسجن 17 عاماً، غير أن الفلسطينيين أدرجوه ضمن المحررين في قائمة الأسرى الفلسطينيين عام 1986 فنال حريته.

كذلك فعل، أوري ديفيز اليهودي المتمرد على الدعاية الصهيونية، ما جعل قيادة منظمة التحرير التي فهمت المعادلة أن تكافئه، فأصبح هذا المخلص عضوا في المجلس الثوري لحركة فتح عام 2009 !

ولا أنسى أيضاً الإسرائيلي المثقف، إيلان هاليفي الباحث والسياسي المتمرد على الدعاية الصهيونية المضللة، عينته حركة فتح مستشاراً لها، ثم ممثلاً لمنظمة التحرير في أوروبا، ثم صار عضواً في الوفد الفلسطيني لمؤتمر مدريد ومحادثات واشنطن؟

لن أنسى أيضاً المتمرد الإسرائيلي، مردخاي فعنونو المغربي الولادة، وهو أول من أفشى أسرار مفاعل ديمونا النووي في صحراء النقب، لم يكتفِ بالأقوال بل صور بكاميرا خاصة أجهزة الطرد المركزية في مفاعل ديمونا، ونشر الصور في صحيفة، صاندي تايمز البريطانية، في شهر تشرين الأول 1986م، ما دفع الموساد إلى اعتقاله في روما وتخديره وترحيله والحكم عليه بالسجن 18 سنة بتهمة الخيانة العظمى، في شهر آذار 1997، أفرج عنه عام 2004م بشروط مقيدة!

اقرأ أيضًا

زر الذهاب إلى الأعلى