ياسر عرفات.. ظاهرة استثنائية انطَفأَ الفلسطينيين بعدها

خاص الخامسة للأنباء – إيمان نشّبت:

ظاهرة استثنائية شكلها القائد الراحل ياسر عرفات في تاريخ الشعب الفلسطيني، بل في تاريخ حركات التحرر الوطني حول العالم، لقد ثار بشعبه وقضيته من نقطة الصفر تارة بغصن زيتون وأخرى بالسلاح، ونجح في تغيير الواقع رغم اختلال الموازين لصالح إسرائيل.

تجلت فكرة الثورة عند القائد عرفات في خمسينيات القرن الماضي، مع مجموعة من رفاقه، ليشكل بعدها تنظيم أسماه فتح، وانطلق به في الأول من يناير 1965.

لقد صنع هذا التاريخ انقلابا دراماتيكيا في حياة الشعب الفلسطيني وفي المنطقة بأسرها وانكمشت معه أحلام إسرائيل التوسعية شيئا فشيئا.

أربعين عاما بمرها وقليل من حلوها أعطى خلالها ياسر عرفات ما لم يعطه أحد لقضية، فأصبح اسمها يجوب العالم كله متعاطفا مع مظلوميتها وفي نفس الوقت تماهت القضية والشعب في شخصيته، وبات عرفات بمثابة رمز لا يمكن نكرانه.

كانت الرحلة إلى فلسطين صعبة بل إنها كانت أقرب إلى المستحيل من كثرة تعرجاتها، بسبب الضياع العربي حينها والتهميش الدولي والدعم الأجنبي لكنه نجح في لحظة على إجبار كل هؤلاء لأن يسمعوه في الأمم المتحدة ثم قبول ما أراد له أن يكون ونجح في إقامة دولة على جزء من أرض فلسطين.

نستذكر وإياكم رموزا فلسطينية يخلدها التاريخ وعندما نذكر التاريخ الفلسطيني لا بد أن نتحدث عن أهم بوابات التاريخ الفلسطيني بالنضال  وهو الرئيس الرمز ياسر عرفات (أبو عمار).

يعتبر ياسر عرفات محور النضال وشرارة الثورة الفلسطينية ومن أبرز المحطات في حياته..

ولادة الرمز:

ولد ياسر عرفات بمدينة القاهرة، المملكة المصرية في 29 صفر 1348 هـ / 4 أغسطس 1929م، واسمه الحقيقي محمد عبد الرؤوف عرفات القدوة الحسيني يُكنى بأبي عمار ويُلقب بالختيار.

أبو عمار ومشاركته في صد العدوان الثلاثي:

اشترك مع الجيش المصري في صد “العدوان الثلاثي” على مصر حيث شارك، بصفته ضابط احتياط في الجيش المصري في التصدي للعدوان الثلاثي على مصر في 1956.

تأسيس حركة فتح:

تعود جذور نشأة حركة “فتح” إلى أواخر العام 1957، حيث تم عقد لقاء ضم ستة أشخاص هم: ياسر عرفات، وخليل الوزير وعادل عبد الكريم، وعبد الله الدنان، ويوسف عميرة، وتوفيق شديد، واعتبر هذا اللقاء بمثابة اللقاء التأسيسي الأول لحركة “فتح'”، وصاغ المؤسسون ما سمي “هيكل البناء الثوري” و”بيان حركتنا”، وتبع ذلك انضمام أعضاء جدد منذ العام 1959 كان أبرزهم: صلاح خلف، وخالد الحسن، وعبد الفتاح حمود، وكمال عدوان، ومحمد يوسف النجار، وكمال عدوان، وعبد الفتاح إسماعيل، ومحمود عباس.

انطلاقة الثورة الفلسطينية:

قررت قيادة “فتح” الموسعة بدء الكفاح المسلح في 31/12/1964 باسم قوات “العاصفة” بالعملية الشهيرة، التي تم فيها تفجير شبكة مياه إسرائيلية تحت اسم عملية “نفق عيلبون”، ثم تواصلت عمليات حركة “فتح” وأخذت تتصاعد منذ العام 1965 مسببةً انزعاجاً شديداً للجيش الإسرائيلي. وصدر البيان السياسي الأول في 28/1/1965 مبيناً أن المخططات السياسية والعسكرية لحركة “فتح” لا تتعارض مع المخططات الرسمية الفلسطينية والعربية، وأكدت الحركة لاحقاً على ضرورة التعبئة العسكرية. وأعلنت الحركة عن انطلاقتها في الأول من كانون ثاني/ يناير من العام 1965، كيوم لتفجر الثورة الفلسطينية المعاصرة.

وقد شكل انطلاق حركة فتح بالكفاح المسلح، في يناير 1965، ولادة حقيقية لحركة المقاومة الفلسطينية المعاصرة بعد النكبة، لتعيد معه “فتح” الاعتبار لهوية الشعب الفلسطيني وشخصيته الوطنية، وتلفت كل الأنظار إلى القضية الفلسطينية وعدالتها ومكانتها بين حركات التحرر في أرجاء العالم.

معركة الكرامة:

الاحتلال الإسرائيلي قوامها أربعة ألوية ووحدات مدفعية وأربعة أسراب من الطائرات القاذفة، إضافة الى طائرات عمودية؛ برفقة خمسة عشر ألف جندي، هجومًا واسع النطاق على الضفة الشرقية لنهر الأردن، في منطقة امتدت من جسر الأمير محمد (دامية) شمالاً حتى جنوبي البحر الميت. بدأت القوات الإسرائيلية هجومها عند الساعة الخامسة والنصف من صباح 21 آذار 1968 على أربعة محاور، وهي: محور العارضة، ومحور وادي شعيب، ومحور سويمة، ومحور الصافي؛ ولكن المعارك الرئيسة دارت فعلاً على المحاور الثلاثة الأولى.

اصطدمت القوات الإسرائيلية الغازية بمقاومة عنيفة من الفدائيين الفلسطينيين من أبناء حركة فتح وقوات الجيش الأردني، بلغت ذروتها بعد الساعة العاشرة صباحًا؛ حيث دارت معارك بالسلاح الأبيض والأحزمة الناسفة؛ وفي الساعة الحادية عشرة والنصف طلبت إسرائيل إزاء خسائرها؛ ولأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي من الجنرال أودبول (كبير المراقبين الدوليين) وقف إطلاق النار، وتم انسحاب آخر جنود الاحتلال في الساعة الثامنة والنصف مساء؛ وتكبدت إسرائيل خسائر إضافية خلال انسحابها جراء القصف المدفعي الأردني وكمائن المقاومة الفلسطينية المنتشرة على كافة المحاور.

محاولة اغتيال أبو عمار في حمام الشط بتونس:

شنت مقاتلات حربية إسرائيلية، غارات جوية على منطقة حمام الشط التونسية، في مطلع تشرين الأول/ أكتوبر 1985، بمقر قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، التي اتخذت من تونس مقرُا لها من 1982 إلى 1993، أسفرت عن سقوط أكثر من 50 شهيدًا فلسطينيًا، و18 تونسيًا، وأكثر من 100 جريح.

وأطلقت إسرائيل على تلك العملية اسم ‘الساق الخشبية’، وقالت إنها استهدفت القضاء على الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ولكنها فشلت في ذلك.

إعلان قيام دولة فلسطين في الجزائر:

أعلن عرفات يوم 15 نوفمبر/تشرين الثاني 1988 في قصر الصنوبر بالعاصمة الجزائرية قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وذلك في خطاب أمام المجلس الوطني الفلسطيني جاء فيه أن المجلس “يعلن باسم الله وباسم الشعب العربي الفلسطيني قيام دولة فلسطين فوق أرضنا الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف”.

ونصت الوثيقة -التي حررها الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش– على “مواصلة النضال من أجل جلاء الاحتلال، وترسيخ السيادة والاستقلال”.

المجلس المركزي الفلسطيني:

في أبريل 1989 كلف المجلس المركزي الفلسطيني أبو عمار رئاسة دولة فلسطين.

عودة القائد أبو عمار إلى غزة:

في مثل هذا اليوم الأول من تموز/ يوليو عام 1994، عاد رئيس منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك، الشــهيد القائد ياسر عرفات “أبو عمار” إلى أرض الوطن وفي الثالثة من بعد ظهر ذلك اليوم، قبّل عرفات أرض الوطن على الجانب الآخر من الحدود وأدّى الصلاة شكرا وحمدا لله على عودته بعد 27 عاما من الغياب القسري، وكانت تلك المرة الأولى التي يعود فيها، ليس كفدائي مُتخفٍ، بل أمام عيون الملايين في العالم الذين تابعوا عبر الشاشات مشاهد عودته، وذلك في إطار اتفاق “أوسلو”، الذي وقعته منظمة التحرير عام 1993.

توجه عرفات فور وصوله إلى قطاع غزة، إلى ساحة الجندي المجهول في مدينة غزة، حيث احتشد عشرات الآلاف لاستقباله، قبل أن ينتقل إلى مخيم جباليا الذي انطلقت منها الانتفاضة، وقال هناك: “لنتحدث بصراحة، قد لا تكون هذه الاتفاقية ملبية لتطلعات البعض منكم، ولكنها كانت أفضل ما أمكننا الحصول عليه من تسوية في ظل الظروف الدولية والعربية الراهنة وفي اليوم التالي، عبر الرئيس الراحل “أبو عمار”، قطاع غزة بسيارته، متوقفاً من حين لآخر لـ مصافحة الناس، الذين احتشدوا بالآلاف لتحيته، وهم يهتفون “بالروح بالدم نفديك يا أبو عمار”، فرفع يده واسكتهم وقال: اهتفوا فقط لفلسطين

انتفاضة الأقصى عام 2000

في 28 سبتمبر/أيلول 2000 اقتحم زعيم حزب الليكود الإسرائيلي المعارض حينئذ أرييل شارون المسجد الأقصى، متجاهلا تحذيرات فلسطينية من أن اقتحامه قد يشعل المنطقة.

وردا على ذلك، انطلقت انتفاضة شعبية عمّت القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وبعض مناطق الداخل، وتحولت بعد شهور إلى انتفاضة مسلحة استمرت سنوات.

حصار المقاطعة برام الله:

تخلل انتفاضة الأقصى حصار مشدد للمقاطعة؛ مقر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في رام الله، حتى وصلت الدبابات إلى باب مكتبه، ودمرت القذائف والجرافات معظم البناء المحيط به.

بدأ حصار عرفات في 29 مارس/آذار 2002، واستمر حتى الأول من مايو/أيار 2002، حيث انسحبت الدبابات الإسرائيلية من مقر الرئاسة. ومع ذلك، حظرت إسرائيل سفر عرفات ومغادرة فلسطين إلا في حال قرر عدم العودة إليها من جديد.

استشهاد الرمز أبو عمار:

بنهاية سنة 2004، مرض ياسر عرفات بعد سنتين من حصار جيش الاحتلال الإسرائيلي له داخل مقر المقاطعة بمدينة رام الله، ودخل في غيبوبة. توفي على إثرها في الحادي عشر من نوفمبر 2004 في مستتشفى بيرسي العسكري بباريس عن عمر ناهز الـ75 عاما.

استشهد أبو عمار وساد الصمت وخيم الحزن والبكاء على شوارع فلسطين، استشهد وترك في استشهاده لغزاً كبيراً حير العالم وحطم قلب الفلسطينيين، فقد مات أبو الشعب ومات الملهم والشعلة المضيئة لفلسطين، وبعد استشهاده مضى الفلسطينيون في طريقٍ مجهول.

الرابط مختصر: