مقالات الخامسة

أوضاع الغزيين تتعدّى حدود التخيل

شبكة الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: طلال عوكل

قطع الماء والغذاء والكهرباء، عمن سماهم رئيس حكومة الإبادة بنيامين نتنياهو «البشر المتوحّشة»، واغتيالهم، بكلّ أنواع الأسلحة، أو بالتجويع وحرمانهم من الدواء، وتسميم البيئة، وتدمير البيوت والخيام، وتجريف التربة، لم يكن وليد اللحظة التي تحدثت عنها، مؤخّراً، تقارير الأمم المتحدة.
منذ الأسابيع الأولى للحرب، كان القرار الإسرائيلي معلناً وواضحاً، ودخل حيّز التنفيذ السريع، حتى قبل أن يتمّ احتلال وإغلاق معبر رفح البرّي، وتوقّف دخول المساعدات.
قبل احتلال المعبر وإغلاقه، كان النّازحون، يبحثون عن المياه الصالحة وغير الصالحة للشرب، حتى خلت الأسواق، من غالونات البلاستيك، التي ينقلون المياه من مناطق بعيدة من خلالها.
وقبل احتلال المعبر وإغلاقه، بدأت تنفد من الأسواق المواد التموينية، والمعلّبات، والخضراوات، والغاز وحتى الحطب، وبطبيعة الحال الدواجن واللحوم، والأسماك الحيّة والمجمّدة.
وقبل احتلال معبر رفح، نفدت معظم أصناف الأدوية من الصيدليات، التي باتت أرففها فارغة، بما في ذلك أنواع المسكّنات البسيطة، فضلاً عن أدوية الأمراض المزمنة.
حرب التجويع، واستخدامه سلاحاً فتّاكاً كان قبل أشهر كثيرة من إحكام الحصار على القطاع، وتدرّجت إلى أن أصبحت ظاهرة واسعة، تزداد ضحاياها يوماً بعد الآخر إلى أن تأكّدت الأمم المتحدة، متأخّرة كثيراً، من أن الدولة العبرية ترتكب جريمة تجويع ممنهجة، لقتل كل أسباب الحياة في القطاع، بمن في ذلك الأجنّة في بطون أمهاتهم، والرُضّع، وكأن الهدف قتل النسل الفلسطيني، وإبادة الأجيال القادمة.
لا يحقّ للفلسطيني أيّاً كان عمره، أو دوره، أو وظيفته أن يحظى بأيّ سببٍ من أسباب الحياة، في عالمٍ، يعطي للحيوانات كل أشكال وأسباب الرعاية، والحماية من الانقراض.
في الدول الغربية التي ترفع نظرياً، لافتات حقوق الإنسان وضمان حرّياته، قلّما تجد بيتاً، لا يوجد فيه كلب أو قطّة، أو حيوان، يحظى بالاحترام، والطعام والرعاية، أكثر بكثير ممّا يحظى به مئات ملايين البشر على وجه البسيطة.
وفي الدول الغربية، أيضاً، قد يبدي رُعاة الحيوانات، اهتماماً بحيواناتهم، كأولوية، أكثر ممّا يجري في بلدانٍ أخرى من قتل وتدمير، وانتهاكات، لأبسط حقوق البشر.
وبالرغم من هذه الحقائق المعروفة، إلا أنّ الرأي العام في الدول الغربية، ما كان له أن يواصل الإنسان فيه حياته العادية أمام بشاعة المشاهد التي تصدر من القطاع. فيما يغيب الرأي العام العربي، عن إبداء الحدّ الأدنى من التعاطف وردود الفعل.
في غزّة، اليوم، ينتاب الناس قلق شديد إزاء العملية العسكرية البربرية التي تستهدف نحو 800 ألف، لم يترك لهم جيش البطش خياراً للنجاة.
غادروا خيامهم وأماكن إيوائهم المؤقّتة، حين دفعهم جيش الإجرام إلى الجنوب، في رفح وخان يونس، والمنطقة الوسطى، وعادوا إلى الاستقرار فيما تبقّى من بيوتهم المدمّرة، أو نصبوا خيامهم حولها وفوق ركامها.
هؤلاء، اليوم، مهدّدون، بنزوح آخر، وبعد نزوحٍ متكرّر، لا يعرفون وُجهتهم القادمة، ولا كيفية تدبُّر أمورهم. رفح محتلّة بالكامل ومُخلاة تماماً من ساكنيها، وخان يونس، أيضاً، إلا من شريطٍ محدود غربها بمحاذاة البحر.
دير البلح، طافحة بالخيام، لا يوجد فيها أيّ مجالٍ لاستيعاب المزيد من النّازحين الجُدد، هذا بالإضافة إلى أن النصيرات والمغازي والبريج، مستهدفة، أيضاً، من قبل خطة جيش الاحتلال كما مدينة غزّة.
الرحلة من مدينة غزّة باتجاه الوسط أو الجنوب، في حال الضغط من أجل إخلاء السكان، تعني قطع مسافة بين 25، و30 كم، على الأقدام، أما من يملك المال فستكلّفه الرحلة، نحو 10 آلاف شيكل.
ماذا سيحمل النّازحون معهم، إذا أجبرتهم قوات الغزو على النزوح مجدّداً، فالخيام اهترأت، وكثير منهم لا يملكونها، فهل سيحملون الفرشات، والأغطية، والأواني، أم يحملون ما تبقّى من ملابسهم البالية أو إن كانت لديهم بعض المواد التموينية؟
في أحيانٍ كثيرة، كان المرء يستغرب، وجود عائلات في مناطق تمّت السيطرة عليها كلياً، وإجبار ساكنيها على النزوح مثل بيت حانون، وبيت لاهيا، وجباليا، والشجاعية، والزيتون، وحي الدرج.
من بقي في تلك المناطق، تعرّض للقصف الهمجي، والتدمير سواء أكان في بقايا منزله المدمّر، أم في مدرسة، أم مكان إيواء.. وحتى اليوم، حيث اجتاح جيش الاحتلال الشجاعية والدرج والزيتون، توجد عائلات، تستسلم للقدر، بعد أن فقدت القدرة على تكرار مآسي النزوح.
حال الناس في مدينة غزّة المهدّدة، يشبه تماماً حال من تبقُّوا في أماكنهم في المناطق التي احتلها جيش الاحتلال شرق المدينة. تماماً كما أن من يذهب إلى شاحنات المساعدات، فهو إمّا أن يعود بكيس من الدقيق (25 كغم)، وإما أن يعود في كيس طالما أن الموت يُلاحق الإنسان أينما كان ومهما فعل.
إذا كان الأمر كذلك، فإن أغلب سكّان مدينة غزّة، لم يعد لديهم خيار سوى البقاء حيث هم، فالموت يُلاحقهم في كل مكان، فلماذا، إذاً، يتكبّدون عذابات النزوح إلى المجهول؟
في ردّه على مجزرة الصحافيين والدفاع المدني في مستشفى ناصر، يوم الاثنين، يقول الناطق باسم جيش الاحتلال، إن جيشه لم يستهدف صحافيي «رويترز»، و»أسوشيتدبرس»، ما يعني أنّ الكلّ مستهدف طبيباً كان أو مسعفاً أو صحافياً، أو مدنياً عادياً، إلا إذا كان يتبع جهةً دولية تحسب لها دولة الاحتلال حساباً، مع أنها قتلت موظّفي إغاثة دوليين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى