مقالات الخامسة

الحرب والأوراق الإسرائيلية الأخيرة

شبكة الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: عبد المجيد سويلم

لدى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو من أوراق الاحتياط في هذه الحرب ما يكفيه من مؤونة حتى موسم «الحصاد» السياسي.
لكن هذه الأوراق ليست مضمونة، وليست رابحة، وهي مجرّد محاولات لتفادي الكارثة ليس إلّا.
والأهم أن أوراق نتنياهو، ودولة الاحتلال ليست خاصة ولا مستقلة عن الحرب واستمرارها، ومآلات الخروج منها، وهي أوراق لا يستطيع نتنياهو أن يلعبها وفق جداوله الخاصة، ولا يمكن له التحكّم بأي نظام أولويات فيها، كما أن بعضها ممنوع عليه الاقتراب منها إلّا بالحدود، وبالتوقيت الأميركي دون غيره، بصرف النظر عن أيّ اعتبارات تحالفية قائمة بين القيادتين والدولتين، أو حتى الحكومتين.
لنبدأ بلحظة الاختناق الحالية، أو بالمختنق ما قبل المرحلة الفاصلة، يجب الاعتراف قبل كل شيء بأن المقاربات والتخمينات حول الكيفية التي سيتصرّف بها رئيس أميركا دونالد ترامب مسألة صعبة للغاية لأسباب عديدة تتعلّق بحجم المأزق الميداني والسياسي والاقتصادي على حدّ سواء. كما يتعلّق الأمر بكل تأكيد بحجم الضغوط التي تمارس عليه من كل الاتجاهات الداخلية والخارجية، وهي ضغوط هائلة، ومن جهات متعارضة، بل ومن أوساط بأهداف وأجندات متناقضة، وهي جهات لا يمكنه تجاهلها أو التغافل عنها، ويضاف إلى كل ذلك الدور الذي يرجّح هذا الخيار أو ذاك في ضوء المواصفات الذهنية لهذا الرئيس.
فعلى مستوى الصحّة العقلية هناك تقارير رسمية شارك فيها عشرات من الأطباء النفسيين من ذوي الكفاءة والشهرة والمصداقية التي خلصت إلى أن ترامب يعاني من اعتلال نفسي مؤكد، وشخصيته تعاني من اضطرابات مشخّصة علمياً وطبياً، ولديه مجموعة مركّبة من السلوكيات اللامتّزنة والتي قد تؤدي به لاتخاذ قرارات انفعالية قاعدتها النفسية هي الانتقام، وإشباع رغبة وكبت داخلي بالإذلال للخصوم والأعداء، وأحياناً للحلفاء والأصدقاء، ويعاني الأخير من حالة بات يطلق عليها النرجسية الخبيثة.
وإذا أخذنا كل ذلك في الاعتبار، وفي ظل انفلاته من القيود والقوانين وقواعد الحكم والاحتكام، وفي ظل كل أنواع الضغوط التي تمارس عليه، ومن كل الاتجاهات، من مختلف الدوافع والخلفيات نصبح أمام أُحجية مكتملة المواصفات.
فإذا ذهب ونفذ تهديداته بضرب بنية الطاقة في إيران ضربات ساحقة، وبأعلى درجات القوة الغاشمة فإن الأخيرة ستردّ بكل قوة، وعلى الأغلب ستدمّر بنية الطاقة في الخليج العربي.
فما هي الفائدة التي سيحقّقها لنفسه في هذه الحالة؟ وكيف سيضمن ألا ترتد درجة كهذه من الدمار على خسار أميركا للإقليم، وهي تراه الإقليم الأهم بالنسبة لها من زاوية المصالح الإستراتيجية الكبرى؟
وكيف سيضمن ترامب ألا تبلغ أسعار الطاقة معدّلات فلكية قد تطيح بالاقتصاد العالمي؟
وكيف له أن يضمن عدم انهيار الأسواق العالمية، وكبريات الشركات التي تدعمه أساساً، وتشكّل قاعدته الاقتصادية؟ بما فيها الشركات الخاصة باقتصادات المعرفة، وتكنولوجيا الذكاء الصناعي، وكل وادي السيليكون في بلده؟ الجواب لا ضمانة.
وهكذا فإن هذا الخيار لا يحسم.. لا يقدّم ولكنه يؤخّر ويدمّر فقط.
هل يستطيع ترامب أن يقوم بضربة خفيفة أو شكلية، بضربة محسوبة إذا جاز التعبير؟
نعم ولكن لا ضمانة هنا، أيضاً، ويحتاج الأمر لطرف ثالث يضمن بقاء ردّة الفعل الإيرانية عند حدود من السيطرة، وهو طرف لا يبدو أنه موجود حتى الآن.
هل سيتراجع ترامب، ويؤجّل من جديد؟
الجواب: لا، لأن هذا التراجع سيتحوّل إلى مهزلة سياسية، والتراجع هذه المرّة مستحيل إلّا إذا وفّرته له إيران.
إمّا بإرضاء غروره، وإعطائه ما يستطيع أن يحوّله إلى صورة انتصار يحتاجها فعلياً، لكن إيران ليست بوارد ذلك دون مقابل، وهو مقابل سيكون بمثابة نسف للصورة التي يبحث عنها.
أو بأن تهدد إيران على هيئة إنذار للعالم كله بأنها في حال تعرّضت بناها للطاقة إلى تدمير فإنها تحمّل أميركا وقيادتها، وتحمّل الدولة العبرية المسؤولية الكاملة عن هذا الهجوم، وأنها ستردّ بكل قوّة، وستقوم بتدمير البنى النفطية في الأخيرة وفي الخليج، وأنها جاهزة لتدمير «ديمونا» في حال مشاركة دولة الاحتلال في هذه العملية، وأنها ــ أي إيران ــ لن ترحم أحداً، وهي لديها كل الإمكانيات والوسائل المؤكّدة لفعل ذلك.
وحتى هذا التهديد ربما لن يردعه بالكامل إذا لم يترافق مع موقف روسي صيني سعودي حاسم ونهائي ليس بالدخول في حرب ضد أميركا وترامب، وإنّما «بإقناعه» أن خياره سيلحق ضرراً فادحاً بالجميع، وأن الذهاب فيه بعيداً يضر بالمصالح الأميركية والعالمية دون جدوى. وهذا الخيار هو الأرجح غالباً.
وفي كل الأحوال فإن الحكمة تقتضي من إيران أن تلقي «بعظمة» في مضيق هرمز تحديداً لأنها ستساعده كثيراً على كل المستويات، وبرأيي أن ما يرمي إليه ترامب هو هذه المسألة بالذات لأنها ستظهره وكأنه «انتصر» وبأنه «حريص» على الاقتصاد العالمي، وبأنه مستعد لبعض أشكال الحلول الوسط «نزولاً» عند رغبة العالم!
في حين أن مخاوفه الحقيقية هي عدم الذهاب إلى الحروب البرّية لأنها الورطة التي لا يستطيع الخروج منها إلّا منتصراً نصراً بائناً وخاطفاً، وهي أمر من سابع المستحيلات حسب المعطيات القائمة.
برأيي أن الذهاب بالخيار العسكري نحو تدمير بنى الطاقة في إيران سيؤدّي إلى دمار كبير في بنى الطاقة في دولة الاحتلال، بالرغم من الحماسة التي تبديها ظاهرياً حكومة التطرّف العنصري فيها، لكن حماستها لهذا الخيار تتأتّى على خلفية أن التدمير لديها لن يكون كلياً، وأن تدمير البنى في الخليج لا يهمّها من قريب أو بعيد، بل يمكن أن تكون معنية به لأنها ستكون في موقع متقدم بالمقارنة مع كل الدول التي لديها مخزونات واحتياطات كبيرة من مصادر الطاقة في كل الإقليم.
لكن الأساس، أيضاً، في هذه الحماسة يعود لأن البدائل الأخرى ستكون أصعب عليها من الناحية المباشرة والمتوسطة والبعيدة.
فأي انتهاء للحرب وهي عالقة دون أيّ حسم سيؤدّي حتماً إلى سقوط التحالف الحاكم، وإلى تراجعات كبيرة في وزن قوى التطرّف العنصري، وربّما تلاشي بعض المكوّنات واختفائها من الخريطة السياسية، أو تقليص نفوذها، وهو ما سيؤدّي إلى اختفاء القاعدة السياسية والحزبية الضامنة والكافية لبقاء نتنياهو في سدّة الحكم حتى ولو بقي «الليكود» قوياً نسبياً، وهو ما سيعتبر في هذه الحالة هزيمة مدوّية.
ويعرف نتنياهو أن أميركا في حالة أدّت الانتخابات النصفية إلى انقلاب في ميزان القوى لصالح الحزب الديمقراطي فإن ضحيتها الأولى سيكون هو مثل غيره، وائتلافه قبل أيّ حزب أو قوّة سياسية، وهو يعرف أن الحزب الجمهوري نفسه لن يظلّ على نفس درجة تأييده لهذه الحكومة ما يعني أن دولة الاحتلال ستفقد للمرّة الأولى منذ تأسيسها المكانة التي تسيّدت بها وعليها منذ قيامها.
الفشل في 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، ثم الفشل في لبنان في حرب الإسناد، ثم الفشل في حسم الصراع لمرّتين في إيران، ثم الفشل في قراءة المشهد اللبناني، وظهور «حزب الله» بهذه القوة الصادمة سيعني النهاية لحكم «اليمين» الفاشي، وبداية النهاية لوزن الأخير كلّه في الحياة السياسية، بعد أن دمّر البلاد والعباد، وبعد أن ألحق بدولة الاحتلال كل هذا الدمار والخراب والعار والعزلة، وبعد أن ورّث المجتمع الإسرائيلي كل هذا العجز والفشل والمهانة، وبعد أن حكم على المشروع الصهيوني كلّه بالتقويض والانكفاء وربّما التفكّك، أيضاً.
الخيار النووي ما زال بعيداً ومستبعداً، والقرار بشأنه لا يبدو سهلاً، لا داخلياً، ولا خارجياً.
إذا بقيت إيران صامدة وقوية لن يتبقّى لدولة الاحتلال سوى الانكماش إلى حدود الضمّ والسيطرة الأمنية على قطاع غزّة، والضمّ الفعلي للضفّة الغربية، وبذلك ينهار حلم «إسرائيل الكبرى» إلى الأبد، والواقع الدولي والإقليمي سيفرض بعد هزيمة مشروع الهيمنة الأميركية المفروضة بالقوة الغاشمة عليها تفكيك منظومة الاحتلال نفسه، والانكماش إلى حدود الرابع من حزيران بصرف النظر عن أي ترتيبات أو تعديلات عليها، لأن المشروع الصهيوني نفسه يكون قد تقلّص بعد أن فقد أولويته في نظر «الغرب» كلّه، وبعد أن يكون قد فقد أحلام وأوهام الهيمنة على الإقليم كلّه، وهذا هو السقف الأعلى لهذا المشروع في الأفق المرئي، ونتنياهو يعرف ذلك جيّداً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى