الشهيدة الصحفية علا عطا الله.. الصوتٌ الذي وُلد في حيّ الدرج ورحل تحت ركامه
شبكة الخامسة للأنباء - غزة

الشهيدة الصحفية علا عطا الله.. أقمار الصحافة إعداد: آمنة غنام
في مدينة اعتادت الفقد، كانت الصحفية الشهيدة علا عطا الله تسير في طريقها بطريقتها، لم ترفع صوتها كثيرًا، لكنها كانت تعرف كيف تجعل كلماتها تصل، عملت بصمت، ورافقت الناس في أدق لحظاتهم، حتى جاء اليوم الذي أصبحت فيه هي الخبر.
كانت علا تشبه هذه المدينة بركامها ووجعها وألم أهلها، فلم تكن مجرّد صحفية عابرة في ذاكرة غزة، بل كانت نبضًا حيًا يمشي فوق الركام، وقلبًا يكتب قبل أن يفكّر.
كانت تقاوم بالحكاية، وحين كانت تجلس بين أنقاض حيّها ، تسجّل أسماء الشهداء وتُوثّق وجوه الناجين، لم تكن تدري أنها تكتب آخر فصول حياتها، وأن القصف الذي دوّنته على دفاترها سيُسجَّل قريبًا باسمها أيضًا.
الحلم الكبير
وُلدت علا عطا الله في حيّ الدرج بمدينة غزة، في الحادي والثلاثين أكتوبر 1980،درست مراحل تعليمها في مدارس الفلاح والرمْلة والزهراء، قبل أن تلتحق بكلية الصحافة والإعلام في الجامعة الإسلامية بغزة، لتتخرج منها عام 2002 بدرجة الامتياز، حاملةً معها حلمًا كبيرًا بأن تكون “صوت غزة” الذي لا يخفت.
التحقت بعدة مؤسسات إعلامية، بينها موقع ائتلاف الخير، وشبكة إسلام أونلاين وصحيفة السبيل الأردنية، ثم وكالة الأناضول، كما عملت مع شبكة المراسل، وشبكة مواطن لأكثر من عشرين عامًا، ظلّ قلمها حاضرًا في كل حرب، وكل مأساة، وكل قصة ألم في القطاع.
كانت علا تنقل للعالم وجوه الأطفال التي ابتلعها الخوف، وصور الأمهات اللواتي يمسكن بأسماء أبنائهن خوفًا من ينساهم العالم، وكانت تقول دائمًا: “أنا لا أكتب تقريرًا.. أنا أكتب حياة كاملة تنهار أمامي.”
حصدت علا، خلال مسيرتها، عدة جوائز مرموقة، أبرزها:
جائزة أفضل تقرير مكتوب على مستوى الوطن العربي – 2002
جائزة “فضل شناعة” – 2009
جائزة الإبداع الإعلامي – وزارة الثقافة – 2010
لقب أميرة الأدب عن قصة “ليل غزة عاجز عن الحب” – 2012
أفضل إعلامية أثناء العدوان – وزارة الإعلام – 2014
كانت جوائزها شهادة على حرفيتها، لكنها كانت تقول دائمًا: “أهم جائزة هي أن تصل قصص الناس إلى العالم.”
الكلمات الأخيرة
في آخر ما خطّته على منصة “إكس”، كتبت كلمات وكأنها وصية : “كم على غزة أن تعدّ من ليالي الرعب والموت؟ كم عليها أن تعدّ من أيام الفقد والغياب والوجع؟”
كانت الكلمات تنزف، وبعد أقل من 24 ساعة، تحقّقت نبوءتها، ففي 9 ديسمبر 2023، وبينما احتمت بمنزل أقاربها في حيّ الدرج، استهدفت طائرات الاحتلال المبنى بصاروخ واحد أنهى حياة علا وثمانية من أفراد عائلتها، بينهم ثلاثة أطفال.. رحلت علا، ورحل معها شقيقها طارق وزوجته تهاني وأطفالهم الثلاثة، إضافة إلى ابنَي خالها وابنة خالها.
في حضرة الوداع
زميلتها شيماء مصطفى قالت وهي تبكي رحيلها: “بعد فقدان أهلي جميعًا، كانت علا آخر ما تبقّى لي.. رحلت هي أيضًا.”
أما الصحفية هديل عطا الله، فقالت:
“كانت استثنائية.. وما حدث لها ولعائلتها مأساة لا يجب أن تمرّ كما تمرّ الجرائم اليومية في غزة.”
وقال رامي عبده، رئيس مركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان:“علا كانت من أنسَن الصحافة. خسارتها لا تُعوَّض.”
قلمٌ مسكون بوجع غزة
لم تتوقف علا عن الكتابة، حتى وهي ترى مدينتها تذوب تحت القصف، كتبت تقارير إنسانية مؤلمة، وفي تقرير مؤثر وصفت فيها تلاشي مدينة اليرموك تحت القصف قالت : “الأبراج تكوّمت كالجبال.. البيوت ذابت كقطع بسكويت في كأس شاي ساخن. لم يعد للحي معالم.. كأنه مكان آخر تمامًا.”
عبرت علا سنوات الحرب مدجّجة بالكلمات، وواجهت الطائرات المُحرّضة على الموت بقلم. كانت تقول: “لقد بذلنا ما في وسعنا لنقل الحقيقة.. فتذكّرونا.”
واليوم، تُذكَر علا ليس فقط كشهدية صحفية، بل كإنسانة حملت غزة في قلبها حتى آخر نبض، رحلت علا عطا الله، لكن صدى كلماتها لا يزال يتردد في أزقة غزة التي عشقتها وكتبت عنها حتى الرمق الأخير.. رحلت الصحفية التي لم تترك القلم يوماً خوفاً، بل كانت ترى في الحقيقة واجباً مقدساً يتجاوز حدود البقاء.











