أقمار الصحافةالرئيسية

الصحفي عبد الرؤوف شعت.. العريس الذي خرج بالكاميرا فعاد شهيدًا

شبكة الخامسة للأنباء - غزة

الصحفي عبد الرؤوف شعت.. أقمار الصحافة إعداد: آمنة غنام

كانت العدسة تلاحق المشهد، والصوت يسجل كل لحظة، ليحكي للعالم ما لا يريد الاحتلال أن يُرى.
عبد الرؤوف شعث، الصحفي الذي وقف في وجه الخطر، ورحل وهو يؤدي واجبه المهني والوطني.

منذ أيام قليلة كان عبد الرؤوف عريسًا يُزف على أكتاف أصدقائه. وبالأمس ذات الأكتاف شيّعته إلى مثواه الأخير. في مشهد صادم يُبكي القلب قبل العين.
في غزة، حتى الفرح مؤقت، والوداع هو سيد المشهد. الشهيد عبد الرؤوف شعث، الذي حرمه الاحتلال فرحته القصيرة، أصبح واحدًا من شهداء الحقيقة.

النشأة والمسيرة التعليمية والمهنية

وُلِد الشهيد عبد الرؤوف ماجد شعث في السابع والعشرين من نوفمبر عام 1991م، في مدينة رفح جنوب قطاع غزة. وعاش فيها معاصرًا كل الحروب وجولات العدوان التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على القطاع. قبل أن يُجبر على النزوح كغيره من أبناء غزة.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

أتم دراسته في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، وعمل في تغطية الأحداث كمصور وصحفي مستقل.
ومع اندلاع الحرب على قطاع غزة عام 2023، عمل بانتظام مع وكالة فرانس برس (AFP) كمصور وموثق مرئي. كما كان معتمدًا لدى شبكة CBS NEWS.

عُرف عبد الرؤوف بين زملائه بالالتزام المهني والدقة العالية، وكان دائم السعي لتقديم الحقيقة بالصوت والصورة، دون مساومة أو تراجع.

وداع الأم… زفافان في شهر واحد

بصوت يعتصره الألم، ودعته والدته قائلة:

“زفيناه مرتين، مرة أول الشهر ومرة آخره.. جابولي إياه أشلاء يما”

كانت تحمل درعه الصحفي الذي لم يشفع له أمام آلة القتل الإسرائيلية.
وبدعوات الرضا والرحمة، شيعته والدته وزوجته التي لم تفارقها الصدمة. فقد كانت تنتظر عودته مساءً، لكن الموت كان أقرب.

أما والده، فقال إن عبد الرؤوف كان صحفيًا عنيدًا، مصممًا على تثبيت الحقيقة. يجافي النوم ليلًا ونهارًا ليكون حاضرًا في كل حدث يعيشه قطاع غزة على مدار عامين من الحرب.

رثاء الزملاء… صوت لا يموت

نعاه صديقه الصحفي أشرف رمضان قائلًا:

“اليوم أزف لكم صديقي وحبيبي الشهيد عبد شعث، ليس زفافًا كما نعرفه، بل وداع يثقل القلب ويكسر الروح. رحل وبقي اسمه نابضًا في صدورنا، وصوته صمتًا يصرخ في الذاكرة. كان حاضرًا كالشمس، وغال كالغروب دون وداع… نم قرير العين يا عبد، فقد سبقتنا إلى الجنان.”

فرح مؤجل… ورسالة لا تؤجَّل

بعد أقل من أسبوعين على زفافه، عاد عبد الرؤوف إلى الميدان، حاملاً كاميرته، وكتب على صفحته عبر فيسبوك:

“لا نمتلك وقتًا طويلًا للفرح… الحمد لله الذي أتمّ علينا حفل زفافي، واليوم أعود من جديد إلى عملي وواجبي الوطني في ميدان الصحافة. لأواصل توثيق جرائم الجيش الإسرائيلي بحق أهلنا النازحين في الخيام بقطاع غزة… قد تُؤجَّل أفراحنا، لكن رسالتنا لا تُؤجَّل، والمسيرة لن تتوقف… هذا عهدنا.”

وسط النيران… حين انتصرت الإنسانية

في السابع من أبريل 2025، وخلال قصف الاحتلال خيمة للصحفيين قرب مستشفى ناصر في مدينة خانيونس. كان عبد الرؤوف يغطي الحدث. لكنه ترك كاميرته وحاول إنقاذ زميله الصحفي الشهيد أحمد منصور الذي التهمته النيران.

أُصيب عبد الرؤوف بحروق في يديه أثناء محاولته سحب زميله، وقال لاحقًا:

“جلد رجله طلع في إيدي وأنا بسحب فيه… كنت أتوقع أن يهزّ هذا المشهد الرأي العام، لكن يبدو أن العالم اعتاد المشهد. في غزة لا مكان آمن، نحن فقدنا الحصانة.”

استهداف مباشر وجريمة مكتملة الأركان

في الحادي والعشرين من يناير عام 2026. كان عبد الرؤوف برفقة زميليه الصحفيين محمد صلاح قشطة وأنس غنيم. خلال مهمة إنسانية لتوثيق معاناة النازحين ضمن عمل تابع للجنة المصرية لإغاثة غزة. في حي الزهراء وسط القطاع.

استهدف الاحتلال الإسرائيلي المركبة التي كانوا يستقلونها بشكل مباشر، ما أدى إلى استشهادهم على الفور.

موقف وكالة فرانس برس

طالبت وكالة فرانس برس بإجراء تحقيق شامل وشفاف في استشهاد المصور الصحفي عبد الرؤوف شعث. وأكدت في بيان لها أن عددًا كبيرًا من الصحفيين المحليين قُتلوا في قطاع غزة خلال العامين الماضيين. في وقت لا يزال فيه الصحفيون الأجانب ممنوعين من دخول القطاع بحرية.

وأعربت الوكالة عن حزنها العميق لاستشهاد عبد الرؤوف شعث (34 عامًا). الذي كان متعاونًا منتظمًا معها لنحو عامين، وكان محبوبًا من فريق تغطية أخبار غزة.

عبد الرؤوف… حين يصبح الصحفي خبرًا

في كل مرة كانت الأخبار القاسية تخرج من غزة، كان عبد الرؤوف شعث هناك:
يوثق، يصور، ينقل الحقيقة.

اليوم، أصبح هو الخبر.
شهيدًا على طريق الحقيقة، تاركًا خلفه إرثًا إنسانيًا ومهنيًا لا يُنسى.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى