مقالات الخامسة

العدالة البيئية والمناخية… وقمة شرم الشيخ!

الخامسة للأنباء - غزة

كتب: عقل أبو قرع:

كان من المفروض أن تنتهي أمس أعمال قمة المناخ في مدينة شرم الشيخ المصرية، والتي بدأت في السادس من الشهر الحالي، ومن الواضح من النقاشات والمداخلات والتصريحات حتى الآن، عدم وجود اتفاق بل تفاقُم الخلافات بين المشاركين، وبالاساس حول تطبيق مبدأ “العدالة البيئية والمناخية”، أي حول تعويض من أحدث وما زال يلحق الضرر بهذا الكون من خلال التلوث البيئي ومواصلة استخدام الوقود الاحفوري وهي الدول الغنية أو المتقدمة،  للدول الفقيرة أي دول العالم الثالث أو النامية، والتي ورغم انها لا تساهم الا بالقليل في التلوث والتداعيات البيئية، ولكنها الاكثر تأثراً بالتداعيات الخطيرة للتغيرات المناخية في العالم، وتبعاتها المدمرة على مختلف جوانب الحياة، من تصحر وفيضانات وتقلب الطقس وامراض واوبئة وتداعي الامن الغذائي وشح المياه وتدني جودتها، وما الى ذلك من آثار نشهدها بشكل واضح في حياتنا هذه الايام.
وتقوم فلسفة العدالة البيئية او المناخية على اساس حق افراد المجتمع، او الناس، وبغض النظر عن الموقع او عن الجنس او الدين او العرق او عن المستوى الاجتماعي او المادي، بالتمتع بالعيش وبممارسة النشاطات، في بيئة صحية ونظيفة وخالية من التلوث والاضرار والمعيقات، وفي وضعنا الفلسطيني، يعني ذلك في المناطق المحتلة، سواء اكانت القريبة من المستوطنات او من نشاطات الاحتلال او تلك البعيدة والمقيدة او المحكومة بممارسات الاحتلال، والتي تستنزف مصادرنا الطبيعية وتدمر النظام البيئي الذي اعتدنا عليه.
وحسب “وكالة حماية البيئة الاميركية”، التي تعتبر اكبر مؤسسة في العالم، تعمل من اجل حماية البيئة والحفاظ على مصادرها، يتم تعريف العدالة البيئية على انها “المعاملة او التطبيق العادل لقوانين وتشريعات البيئة، على كافة الناس، بغض النظر عن الجنس او عن اللون او الاصل او الدخل، والتي يمكن تحقيقها حين يتمتع كافة الناس بالحماية من التلوث البيئي ومن مخاطره وتداعياته، ويحصلون على امكانية الوصول الى عملية صناعة القرار من اجل بيئة صحية، تضمن لهم العيش او التعلم او العمل”.
وبشكل اعمق، او اكثر تفصيلا، بات مفهوم العدالة البيئية مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالعدالة الاجتماعية وبحقوق الانسان، حيث ان عدم المساواة في الحقوق البيئية ينتج أساساً عن تفاوت القوى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وبالأخص بسبب تباين القوة بين الأغنياء والفقراء، حيث يلاحظ أن الاغنياء في العالم يستهلكون ويستنزفون الموارد الرخيصة التي يقدمها الفقراء، في حين أن المجتمعات الفقيرة تتحول الى اماكن لدفن المخلفات الخطرة للصناعات الملوثة للبيئة. وهناك على كل المستويات أمثلة عديدة لمظالم بيئية تحتاج إلى البحث والمناقشة في محاولة لتصحيحها أو تقليل آثارها المدمرة، واوضاعنا البيئية الفلسطينية، تحت الاستيطان والاحتلال وبسبب ممارساته، يمكن ان تعكس هذه الصورة، من الظلم البيئي ومن استنزاف المصادر ومن تلويث البيئة، وبالتالي من غياب للعدالة البيئية.
حيث ما زال الاحتلال، وبالاخص المستوطنات الاسرائيلية تساهم بشكل او بآخر في تلويث وتحطيم البيئة الفلسطينية، وما زلنا نسمع عن مجاري المستوطنات والمياه العادمة سواء اكانت مكررة او غير مكررة، تصب في قرى سلفيت وبيت لحم والخليل ورام الله، وما زال الاستيطان يعيق عمل مكبات النفايات كما حدث في مدينة البيرة، او حتى يحد من استعمال مكبات نفايات جديدة، كما يحدث في منطقتي الخليل وبيت لحم، وما زالت مصانع “جيشوري” الاسرائيلية الكيميائية في منطقة طولكرم تلوث البيئة، وما لذلك من تداعيات قصيرة وبعيدة المدى، ومتواصلة على البيئة الفلسطينية وعلى صحة الناس، وبالاضافة الى ذلك، شوهت المستوطنات المناظر والتواصل الطبيعي الذي يربط الاراضي الفلسطينية، وادى بناؤها وتوسعها الى الإخلال بالتنوع الحيوي في فلسطين، من نباتات وحيوانات برية وطيور.
ويكتسب مفهوم العدالة البيئية او المناخية اهمية خاصة هذه الايام، في ظل التغيرات المناخية العنيفة التي تعصف بالكرة الارضية، في قمة المناخ في شرم الشيخ، والتي في العادة يشارك فيها ممثلو حوالي 200 دولة، ومن بينهم عدد كبير من الرؤساء ورؤساء الحكومات والوزراء والخبراء والباحثين، في ظل دق ناقوس الخطر الحقيقي من الصورة القاتمة التي وصلت اليها الارض وما تحويه من نظام بيئي، بسبب تعمق وتفاقم وتواصل النشاطات البشرية التي ما زالت تساهم في التلوث بأنواعه، وبالأخص تلوث الهواء، ومن ثم الاحتباس الحراري وتشكل ما بات يعرف بغازات الدفيئة، وانعكاسات ذلك من خلال ارتفاع درجة حرارة الأرض الكبير والمستدام خلال السنوات الماضية، وتضاؤل كمية الأمطار، وتشكل الأمطار الحامضية، والتصحر أي عدم القدرة على زراعة التربة أو المحاصيل أو الجفاف وتهديد التنوع الحيوي، وتفشي الآفات المختلفة ومنها الجديدة وبالتالي انتشار الأمراض المعدية، وتداعي الأمن الغذائي، وتلوث المياه، وذوبان الجليد والفيضانات وما يمكن أن يجر ذلك من كوارث لم يعتدها نظامنا البيئي من قبل.
والعدالة المناخية أو البيئية غائبة منذ زمن، وربما بدون ظهور أثار ملموسة مثل ما نلحظ هذه الأيام، ونحن نعرف أن قمة المناخ في شرم الشيخ هذا العام، لن تكون القمة الاخيرة أو الاجتماع الأخير الذي يناقش المناخ والنظام البيئي، حيث  عقدت قبلها قمم عالمية ناقشت المناخ، وتم التركيز خلالها على عرض الادلة والبيانات ونتائج الأبحاث التي قام ويقوم بها المختصون والباحثون، سواء أكانوا يتبعون مراكز أبحاث مستقلة أو هيئات أكاديمية، أو حكومات أو هيئات دولية ومنها ما يتبع منظمة الامم المتحدة، بتخصصاتها وبرامجها المختلفة، ورغم ذلك لم تجد قراراتها الطريق الى التطبيق العملي.
ومع اختتام قمة المناخ في شرم الشيخ، ومع دق ناقوس الخطر الحقيقي لكوكب الأرض، ومع تواصل غياب العدالة المناخية في هذا العالم، فإن مفهوم العدالة المناخية ينطبق كذلك علينا في فلسطين، ورغم إننا لسنا بالبلد الصناعي او الزراعي ذي التأثير الملموس على البيئة والمناخ في العالم، الا أننا اصبحنا نتأثر بما يقوم به الآخرون في العالم، وبسبب البقعة الجغرافية الضيقة عندنا، والمصادر الطبيعية المحدودة، والتنافس الشرس على هذه المصادر، فقد يكون هذا التأثير علينا  كبيراً وملموساً  وبدأنا نلمس آثاره في مجالات المياه والإنتاج الغذائي والجفاف والتصحر وتراكم النفايات وانتشار الآفات واستخدام المواد الكيميائية، وهذا التأثير له أبعاد واضحة من منظور النوع الاجتماعي، حيث تتأثر المرأة وبالأخص المرأة الريفية المزارعة بصورة أطول وأشد بهذه التغيرات، والتي من الواضح انها سوف تزداد وتتعمق خلال المدى المنظور في ظل تواصل غياب العدالة البيئية والمناخية في هذا العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى