مقالات الخامسة

الـمـجـر بـعـد أوربـان

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: هاني عوكل

تودّع المجر رئيس وزرائها فيكتور أوربان الذي أمضى في الحكم 16 عاماً، بعد خسارته الانتخابات بأغلبية كبيرة لصالح بيتر ماجيار، أحد الشخصيات التي عملت مع أوربان وحزبه الحاكم «فيدس»، ثم انقلبت عليه وحوّلت حزباً صغيراً إلى قوة سياسية صاعدة.
لا شك أن ما حدث هو بمثابة تحول سياسي كبير في أوروبا الوسطى، له انعكاساته وصداه على كل القارة الأوروبية، خصوصاً أن المجر في عصر أوربان كانت بعيدة قليلاً عن الاتحاد الأوروبي، ولا ترغب بالانخراط كثيراً في تفاصيل سياساته.
في حقيقة الأمر هو تحول سياسي كبير، لأن الشعب المجري قرّر بعد عقد ونصف العقد تقريباً من حكم رئيس الوزراء الحالي، تغيير الاتجاه السياسي الكامل للحكم، وهو تصويت على فشل أوربان في إدارة العديد من الملفات المهمة وعلى رأسها العلاقة مع الاتحاد الأوروبي.
ثمة أسباب داخلية وأخرى خارجية جعلت أوربان خارج دائرة الحكم، إذ شهدت البلاد في أواخر فترة حكمه مشكلات اقتصادية وتضخماً وارتفاعاً في تكاليف المعيشة. زاد الطين بلة اتهامات الدولة بالسيطرة على المؤسسات واتهامات بالفساد واعتبار الديمقراطية المجرية غير ليبرالية.
على المستوى الخارجي، لم تكن علاقة الحكومة الحالية جيدةً مع الاتحاد الأوروبي، وهي خلافات عميقة في السياسة والرؤية جعلت التوتر سيد الموقف بين الطرفين، إذ كان يميل أوربان مع حزبه إلى نمط القومية والسيادة الوطنية المطلقة للدولة، بينما سياسة الاتحاد الأوروبي قائمة على التكامل والقواعد المشتركة.
من بين ملفات الخلاف مع أوروبا الغربية، ملف الهجرة الذي تشددت فيه بودابست، ورفضت طلب الاتحاد الأوروبي توزيع اللاجئين على الدول، وأغلقت الحدود أمامهم وغلّظت القوانين لإغلاق الباب أمام قبول طلبات اللجوء.
الاتحاد الأوروبي كان ينظر إلى الحكومة المجرية على أنها تُغرّد خارج السرب لأنها لم تتخذ خطوات عملية تكرس الديمقراطية التي يتفاخر بها الغرب، في الوقت الذي مضى فيه أوربان للسيطرة على الإعلام وتقليص سلطات القضاء، وبدا أن حكومته اليمينية الشعبوية تهدد الديمقراطية الحقيقية.
وفي حين كان الاتحاد الأوروبي يبتعد عن روسيا ويختلف معها في كل شيء، بعد حربها على أوكرانيا أواخر شباط 2022، كان فيكتور يتودد موسكو ورئيسها فلاديمير بوتين، ويحصل منه على النفط والغاز على عكس دول الاتحاد.
هذه العوامل بالإضافة إلى تجميد الأموال الأوروبية إلى المجر، دفعت الخلافات إلى السطح داخل حزب «فيدس» الحاكم، الأمر الذي أظهر استياءً وتململاً من جانب الرأي العام المجري الذي صوّت لتغيير الحزب الحالي واستبداله بحزب يمتلك توجهات مغايرة.
الانتخابات ضربة لجميع الأحزاب اليمينية الشعبوية في أوروبا، التي تهمس لصالح تكريس الاستقلالية الوطنية على حساب الوحدة الأوروبية المشتركة، وهي تصويت على أن بودابست الجديدة ترغب في الاندماج مع أوروبا وتقليل الاعتماد على روسيا.
من الصعب الحديث عن عودة سياسية لأوربان أو تياره بعد هذه الخسارة المدوية التي أطاحت بالحزب، مقابل صعود قوي بأغلبية كبيرة وحتى دستورية لحزب ماجيار «تيسا»، إذ يلحظ أن الشعب المجري لا يريد إدارة ظهره للاتحاد الأوروبي.
الآن ستشهد بودابست تحولاً في سياستها الداخلية والخارجية بنسبة كبيرة، وقد يقود زعيم حزب «تيسا» الفائز الدولة بطريقة طبيعية ومؤسساتية بعيداً عن شخصنتها كما حصل سابقاً خلال حكم أوربان الذي كرّس مركزية الحكم حول القيادة، فضلاً عن التقارب الشخصي والأيديولوجي مع القادة أمثال الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
بعد هذا التغيير الديمقراطي، سيكون المجتمع المجري أمام حالة من الترقب والمتابعة إلى أين سيسير الحزب الجديد، وهل ستشهد البلاد تحولات في البنية الداخلية تمس الاقتصاد وتضمن التعددية السياسية وفصل السلطات بعيداً عن قبضة الدولة.
كذلك سيراقب العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، حيث يعتقد أن التقارب معه يعني نهوض الاقتصاد الوطني وانتعاشاً في السوق المحلي، لكنه سيكون حذراً أكثر في مسألة الحصول على الإمدادات من الطاقة، لأن روسيا توفرها بأسعار معقولة، ومع تغير شكل الحكومة الله أعلم كيف ستحصل على الغاز والنفط.
ليس المجريون وحدهم يترقبون تحركات الحكومة الجديدة، إنما الاتحاد الأوروبي أيضاً يرى في هذا التحول الديمقراطي فرصة للتقارب وتدعيم لتوجهات الاتحاد الذي يجد بعض الخلافات بين أعضائه خصوصاً في ملفات الهجرة والتشريعات الداخلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى