المهارات الدائمة: ما لا تتعلمه الآلة وما يبقى للإنسان!

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: أ.صخر سالم المحاريق
في كُلِ مرحلةٍ من مراحلِ التطور التقنّي كان الإنسان يتساءل: هل ستأخذ الآلة مكانه؟ وقد تكرر هذا السؤال مع الثورة الصناعية الأولى حتى الرابعة مع الحوسبة، واليوم مع الذكاء الاصطناعي، ودخولنا لملامح الثورة الصناعية الخامسة. إلا أن التجارب التاريخية تُؤكد أن التقنية لا تُلغي قيمة الإنسان بقدر ما تعيد تعريفها.
وفي خضمِ التحولات الرقميةِ المُتسارعة، يبرزُ مفهوم المهارات الدائمة (Durable Skills) بوصفهِ أحد أهم المفاهيم المُرتبطة بمستقبل العمل والتعليم، فبينما تتغير الأدوات، والمنصات، والبرامج بوتيرة متسارعة، تبقى هُناك مجموعة من المهاراتِ التي تحتفظ بقيمتها عبر الزمن لأنها ترتبطُ بجوهرِ الإنسان وقُدرته على التعلمِ، والتكيفِ، والإبداعْ.
وبذلك يمكننا تعريف “المهارات الدائمة “على أنها “مجموعة من القدرات الإنسانية الأساسية التي تحتفظ بأهميتها وقيمتها عبر الزمن، رغم تغيّر التكنولوجيا، وتطور سوق العمل، لأنها ترتبط بطبيعة الإنسان لا بالأدوات المستخدمة”.
منَ الرقمنةِ إلى تذويتِ الرقمنة.
لم يعد المطلوب في القرن الحادي والعشرين مُجرد استخدامِ التكنولوجيا، بل الوصول إلى مرحلةٍ أعمق يُمكن تسميتها ب “تذويت الرقمنة”؛ ويقصدُ بذلك أن تُصبح المهارات الرقمية جزءاً من الثقافة الشخصية، والمهنية للفرد، بحيث يُفكرُ، ويُحللُ، ويتواصلُ، ويتعلم ضمن بيئة رقمية بصورة طبيعية ومُستدامة.
ولا يُقصد بمفهوم “تذويت الرقمنة” كما أطرحهُ أن يتحول الإنسان إلى كيان رقمّي أو أن تذوبُ هويتهِ داخل التكنولوجيا، بل أن تتطور لديه حالة من الوعي الرقمي العميق تجعلُ استخدامهُ للأدوات التقنية جزءاً طبيعياً من طريقةِ تفكيرهِ وتعلمه وعمله. بمعنى آخر؛ تُصبح الرقمنةُ إطاراً لتنظيم المعرفة، والتواصل، واتخاذ القرار، لا مجرد مهارة منفصلة أو تقنية عابرة. وفي هذا السياق، يتحول التعامل مع البيئة الرقمية من مُجرد استخدام أدوات إلى ممارسة واعية قائمة على الفهم النقدي، والقدرة على التمييز، بما يُحافظُ في الوقت ذاتهِ على استقلال الإنسان في الحكم والقيم والمعنى، ويضمن ألا تتحول التقنية من وسيلة إلى غاية.
المهارات الرقمية: القُدرة على التعلم المستمر.
تمثل “المهارات الرقمية” البوابة الأولى للمشاركة في الاقتصاد المعرفي. وتشمل استخدام التقنيات الحديثة، وتحليل البيانات، والتعامل مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وإدارة المعلومات الرقمية.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه المهارات لا تكمن في إتقان أداة محددة، لأن الأدوات تتغير باستمرار، بل في امتلاك القدرة على التعلم المستمر (Lifelong Learning). ولذلك يؤكدُ المؤلف والمستقبلي الأمركي ألفن توفلر أن “الأميّ في القرن الحادي والعشرين ليس من لا يقرأ ويكتب، بل من لا يستطيعُ أن يتعلم، ويتخلص مما تعلمه، ويعيد التعلم”.
إنها مقولة تُلخصُ جوهر المهارة الرقمية الدائمة: من خلال القُدرة على التعلم والتكيف أكثر من حفظ الأدوات والإجراءات.
المهارات الحياتية: ما لا تستطيع الخوارزميات مُحاكاته بالكامل؟
مع توسعِ الذكاء الاصطناعي، تتزايد أهمية “المهارات الحياتية” مثل: التواصل، والذكاء العاطفي، والتفكير النقدي، والقيادة، والتفاوض، والعمل الجماعي، وإدارة التغيير.
فالآلة تستطيع مُعالجة ملايين البيانات في ثوانٍ، لكنها لا تمتلك التجربة الإنسانية الكاملة التي تُمكنها من بناءِ الثقة أو فهم المشاعر أو استيعاب الأبعاد الأخلاقية المُعقدة للقرارات.
ولهذا يؤكد عالم النفس دانيال غولمان أن “الذكاء العاطفي قد يكون أكثر تأثيراً في النجاح المهني من الذكاء المعرفي التقليدي”. كما أن القُدرة على التعاطف وفهم الآخرين أصبحت اليوم من أهم عناصر التميز في سوق العمل.
وفي السياق ذاته؛ يرى بيل غيتس مؤسس شركة مايكروسوفت أن “النجاح المستقبلي سيكون للأشخاص الذين يستطيعون توظيف التكنولوجيا لحل المشكلات الإنسانية الحقيقية، وليس لأولئك الذين يعتمدون على التكنولوجيا وحدها”.
المهارات الفنية التخصصية: عمقُ المعرفةِ في زمنِ الوفرة.
في عصر أصبحت فيه المعلومات متاحة للجميع تقريباً، تزداد قيمة الخبرة التخصصية العميقة. فالذكاء الاصطناعي يستطيع الوصول إلى المعرفة بسرعة، لكنه لا يمتلك الفهم المتراكم الناتج عن سنوات من الخبرة المهنية والتفاعل مع الواقع.
ويُشير عالم الحاسوب أندرو إنغ إلى أن الذكاء الاصطناعي يشبه الكهرباء في تأثيره الواسع على القطاعات المختلفة، لكن الاستفادة منه تتطلب خبرات تخصصية قادرة على توظيفه داخل كل مجال.
ولهذا فإن الطبيب المتمكن، والمهندس الخبير، والمعلم المبدع، والمحامي المحترف، لن تُقاس قيمتهم بما يعرفونه فقط، بل بقدرتهم على دمج المعرفة التخصصية مع الأدوات الرقمية الحديثة.
مُعادلة المستقبل تمثلُ “التوازن بين الإنسان والتقنية”.
إن التحدي الحقيقي لا يتمثلُ في الاختيار بين الإنسان والتكنولوجيا، بل في بناء علاقة تكاملية بينهما، فالمهاراتِ الرقمية تمنح الفرد أدواتِ العصر، والمهاراتِ الفنية التخصصية تمنحه العُمق المعرفي والتطبيقي المهاري، بينما تمنحه المهاراتِ الحياتية القدرة على القيادة، والتأثير، واتخاذ القرار.
وقد لخّص الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا جنسن هوانغ هذه الفكرة عندما أشار إلى “أن الأشخاص الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي بفاعلية هم الأكثر قدرة على المُنافسة، وليس الذكاء الاصطناعي بحد ذاته”.
فالمستقبل ليس للأذكى تقنياً فقط، ولا للأكثر خبرة تقليدية فقط، بل لمن يستطيع الجمع بين المعرفة والمهارة والإنسانية.
في خضمِ التحولاتِ الرقميةِ المُتسارعة، يتضح أن المهارات الدائمة (Durable Skills) لم تعد مُجرد طرح نظري، بل أصبحت ضرورة استراتيجية للأفرادِ، والمؤسساتِ، والدول على حد سواء. فالرقمنة الحقيقية لا تتحققُ بمجرد امتلاك الأدوات، بل عندما تتجذر في الفكر والسلوك، ويصبحُ التعلم المستمر (الذاتي) عادة، والتفكير النقدي ممارسة، والتخصص العميق قيمة مُضافة.
ومع هذا التصور، لا ينبغي النظر إلى المهارات الرقمية أو الحياتية أو التخصصية بوصفها مساراتٍ مُنفصلة، بل كمنظومة مُتكاملة تتفاعل داخل الإنسان نفسه. “فالمهارات الرقمية” تُمكّن الفرد من الوصول إلى المعرفة وفهم أدوات العصر، بينما تمنحه “المهارات التخصصية” العمق في مجال محدد، وتوفر له “المهارات الحياتية” القدرة على توظيفِ هذا العُمق وتلك الأدوات في سياق إنساني واقعي. ومن هنا؛ فإن القيمة الحقيقية لا تكمن في امتلاك نوع واحد من المهارات، بل في القُدرة على دمجها بصورةٍ مرنةٍ ومتوازنةٍ وفق متطلبات الموقف.
وفي الختام، قد تتمكن الآلات من تنفيذ العديد من المهامِ بكفاءةٍ متزايدة، لكنها لن تستطيع بسهولة أن تحل محل الإنسان الذي يجمع بين المعرفة الرقمية، والخبرة التخصصية، والحكمة الإنسانية. فالمستقبل لن يُحسم لصالح الأكثر تقنية أو الأكثر خبرة فقط، بل لصالح من يمتلك القدرة على المزج بين المعرفة والمهارة والإنسانية في آنٍ واحد، وهي جوهر “المهارات الدائمة” التي ستبقى حاضرة مهما تغيرت الأدوات وتطورت التقنيات.





