ترامب: عام أول من التنمّر على العالم
شبكة الخامسة للأنباء - غزة

رجب أبو سرية
بمناسبة مرور عام على تولّيه زمام السلطة في البيت الأبيض، عقد الرئيس دونالد ترامب مؤتمراً صحافياً، استعرض فيه عدداً من الملفات السياسية، وادعى خلاله بأن إدارته حققت إنجازات أكثر من اي إدارة أميركية سابقة، وتشدق بنرجسيته الطافحة قائلاً بأنه يستحق جائزة نوبل عن كل حرب أوقفها، بما يعني بأنه يستحق ثماني جوائز نوبلية وليس واحدة فقط، ذلك أنه أوقف ثماني حروب خلال عام واحد، وكال الاتهامات لسلفه جو بايدن واصفاً إياه بأنه أسوأ رئيس أميركي على الإطلاق، وادعى بأنه قام بإعادة بناء الجيش، وتطرق ترامب لفنزويلا التي بدأ هذا العام بالقيام بعملية سطو عسكري عليها واختطاف رئيسها المدني المنتخب.
وأشار ترامب الى ملفات الشرق الأوسط، حيث تحدث عن ملاحقة داعمي «حماس» و»الجهاد»، وتطرق كذلك الى سد النهضة، حيث يبدو بأنه ينظر اليه كمفتاح لتدخله في الشؤون الأفريقية في لحظة قادمة، ولأن توقيت المؤتمر الصحافي جاء عشية مؤتمر دافوس في سويسرا، فقد اعلن رفضه دعوة الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون لاجتماع الدول السبع الكبرى على هامش المؤتمر الاقتصادي العالمي، وذلك حتى تضع تلك الدول حداً لحالة التوتر الحادة وغير المسبوقة القائمة منذ أسابيع بين طرفي حلف الناتو، الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على خلفية إصرار واشنطن على السيطرة على «غرينلاند» الجزيرة الدنمركية، التي تقع في منتصف المسافة تقريباً من قارتي أوروبا وأميركا الشمالية، في المحيط الأطلسي.
والحقيقة أنه فضلاً عن انه الأجدى بالآخرين، خاصة المراقبين المحايدين ان يقوموا بتقييم «سنة أولى» من ادارة ترامب الثانية في البيت الأبيض، وليس هو، وهو النرجسي جداً، الكاذب والمدعي المعروف، وذلك بالأدلة القاطعة التي سبق وان استعرضتها الصحف الأميركية وكذلك علماء النفس الأميركيون، فضلا عن ذلك، يمكن القول بكل بساطة واختصار بأن ترامب أمضى عامه الأول في البيت البيض متنمراً على كل العالم، باستثناء إسرائيل فقط، من دول الجوار، أي المكسيك وكندا، بنما وكولومبيا، مروراً بفنزويلا وكوبا، وصولاً الى الصين وكوريا الشمالية، وما بينهما، ايران وفصائل المقاومة الفلسطينية والعربية وحتى روسيا وأوكرانيا، وكذلك دول أوروبا بالجملة، ولم يوفر صديقاً او خصماً او عدواً، بل مارس «التنمر» السياسي الذي يصل الى درجة الاستبداد ضد الشعب الأميركي نفسه، فهو توعد نحو 11 مليون مهاجر بالطرد، وتوعد مينابوليس بإخضاعها لقانون التمرد عبر الدفع بقوات الجيش الفدرالي، للسيطرة على المتظاهرين احتجاجاً على قتل امرأة بيضاء من قبل الشرطة دون اجراء محاكمة للقتلة.
ومنذ ما قبل دخوله البيت الأبيض، وهو يتوعد العالم بأسره، بفرض ما يسميه بسلام القوة، مستنداً لفائض القوة العسكرية التي لديه، مع ان السلام عادة يُعقد بناء على التفاوض والتوافق ومن ثم الاتفاق بين الأطراف المتحاربة او المتخاصمة، أما سلام القوة، فهو مرادف تماماً للاستسلام الذي يفرضه المنتصر بالحرب على المهزوم، وترامب يبدو انه دخل البيت الأبيض وهو يضع نصب عينيه اربع سنوات، عليه ان يفرض خلالها النظام العالمي الأميركي بقوته العسكرية، بعد ان بات واضحاً لكل الدنيا بأن الاقتصاد الأميركي «الكسول» غير المنتج، يخسر في المنافسة مع اكثر من اقتصاد عالمي، في المقدمة اقتصاد الصين، الذي ينمو بفضل تعب وعرق مئات ملايين البشر من أبناء الصين الكادحين، والحقيقة التي سجلها التاريخ بأن ترامب ومنذ أيامه الأولى في البيت الأبيض قال صراحة إنه يطمح الى ضم كندا كولاية أميركية حادية وخمسين، وأنه يريد كذلك ضم قناة بنما وجزيرة غرينلاند، وان له حق الملكية في نفط فنزويلا، وانه سيقلب أنظمة الحكم الخارجة عن طوع أميركا في كل من المكسيك، كولومبيا، فنزويلا وكوبا، وتدخل فعلاً في انتخابات الرئاسة في هندوراس، أي أنه سار على طريق تطبيق عقيدة «مونرو» في أميركا الوسطى والجنوبية، تلك العقيدة التي ترسخ نفوذ الولايات المتحدة في قارتي أميركا الجنوبية والشمالية.
وفيما يخص الحروب التي يدعي بأنه أوقفها وانه يستحق على كل واحدة منها جائزة نوبل، المهووس بها، فهي مسألة أدركتها ماريا ماتشادو المعارضة السياسية الفنزويلية التي نالتها العام الماضي، فأهدته إياها، على أمل ان يقدم لها رئاسة فنزويلا بالمقابل، أي أنها أعطته إياها كرشوة سياسية، مستغلة بذلك هوسه بها، رغم ان ذلك الإهداء غير قانوني ويتعارض مع نظام الجائزة نفسه، الذي لا يقر بمنحها للغير، او برفض قبولها، وقد وصل الأمر بترامب الى ان يرسل رسالة لرئيس حكومة النرويج، يتهم فيها الحكومة النرويجية بانها هي التي قررت عدم منحه الجائزة، ويتوعدها مقابل ذلك بالتحلل من الالتزام بالسلام العالمي في سعيه للسطو على غرينلاند، أما ما يخص الحروب التي يقول إنه أوقفها، فإن ما يمكن قوله باختصار هنا، بأن اخطر حربين جاء ترامب وهما مشتعلتان، هما الحرب الروسية_الأوكرانية، وحرب الشرق الأوسط، فلم ينجح حتى الآن بوقف الحرب الأولى، رغم انه ادعى بأنه قادر على ذلك خلال ايام من توليه الحكم، استناداً لعلاقته مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ونجح نسبياً بوقف الحرب في الشرق الأوسط، حيث كانت بؤرة الحرب هي غزة، لكن ما زال إطلاق النار الإسرائيلية متواصلا عليها، فيما ترامب نفسه يقوم حاليا بإشعال الحرب مجددا عبر تهديد إيران.
واهم ما في الأمر هو ان الرجل المهووس بـ «نوبل»، يبدو انه يعيد صورة الرجل الذي اخترع الديناميت ثم حاول ان يكفّر عن ذنبه بإطلاق جائزة السلام، أما ترامب فهو يريد الجائزة أولاً لحيازة لقب رجل السلام، ليبرر لاحقاً ما سيقوم بإطلاقه من حروب، لأن ترامب بتدخله في الحرب الروسية الأوكرانية سعى للحصول على حصة من غنيمة الطرف المهزوم، وهو اوكرانيا حتى يحصل هو على معادنها النادرة والثمينة مقابل ما تأخذه روسيا من أرض احتلتها خلال الحرب، اما في غزة، فإنه يسعى للحصول على حصاد «الريفيرا» الشرق أوسطية، وذلك من خلال اقتسام السيطرة على قطاع غزة، وقد وقع هذا ارتباطاً بالخط الأصفر، حيث نالت إسرائيل 52% من ارض القطاع خالية من السكان الذين تم ترحيلهم، وحشرهم فيما تبقى من مساحة القطاع، التي ستكون وفق خطة ترامب تحت سيطرته السياسية، آملاً أن يذهب الإعمار بها الى «ريفيرا سياحية» يمكنه خلال سنوات قادمة تسريب السكان الى أرض الصومال أو غيرها، ولو بوثائق أميركية، تشبه وثائق الأمم المتحدة للاجئين، هذا فضلاً عن سرقة غاز مارينا، وتحقيق أهداف أخرى، منها تدشين خط التجارة الذي يبدأ من الهند ويمر بالإمارات والسعودية والأردن، فضلاً عن تحقيق هدف جعل من الدول الأوروبية تتحفظ ومن ثم تمتنع عن قبول دعوة ترامب للمشاركة في «مجلس السلام»، وهو إنشاء «أمم متحدة» ترامبية بديلاً عن الأمم المتحدة الحالية.
أي ان ترامب ذاهب بقوة فعلا الى فرض النظام العالمي الأميركي باستخدام فائض القوة العسكرية لديه، وهو يسعى لتحويل القوة العسكرية الى ثروة اقتصادية من خلال السطو على الثروات الطبيعية، كما في مثال فنزويلا وغرينلاند، والى حد ما في غزة، او من خلال التخويف والتهديد وفرض الرسوم الجمركية هنا وهناك، مستخدماً كل الذرائع والحجج، لكن نجاحه من عدمه يتوقف على رد فعل الآخرين، والآخرون هنا ليسوا الصين وروسيا وإيران وحسب، ولا حتى بريكس، بل كل العالم باستثناء إسرائيل، التي بدوره يظهر التوافق التام معها، لأنه يريدها ان تسدد ما عليها من دين لأميركا على مر السنين، بينما الفاصل بين مصلحته في غزة، والأهداف الإسرائيلية، خاصة تلك المتعلقة بالتفاصيل في غزة، من مثل التهجير من عدمه، نزع سلاح حماس بالكامل أم لا، او تلك المتعلقة بوجود الحلفاء الإقليميين الذين يحتاجهم ترامب خاصة في هذه المرحلة، نقصد تركيا وقطر، وحتى مصر والأردن، هو ما يسبب ما يظهر من خلافات عارضة، بين شريكَي الحرب العالمية الثالثة، التي يبدو أنها قد اندلعت بشكل يمزج ما بين الحرب الاقتصادية والعسكرية.
ولعل أوضح دليل على «تنمر» ترامب السياسي على الآخرين في كل الاتجاهات، هو ما يظهره من ضرب بعرض الحائط بكل الأنظمة والقوانين الدولية، فهو لم يتورع عن محاربة القضاء العالمي، أو الأميركي منه، حين سارع خلال عامه الأول لمنح المحكوم بالسجن لمدة 45 سنة رئيس هندوراس الأسبق خوان أورلاندو هرنانديز، العفو، ومن ثم إطلاق سراحه وعودته الى بلاده، بعد ان كان مسجوناً في أميركا، كذلك سعيه لمنح بنيامين نتنياهو العفو من تهم الفساد من أمام القضاء الإسرائيلي، وهو اي ترامب سبق له وان حرّض أنصاره على احتلال الكابيتول، مقر الكونغرس الأميركي وعنوان الديموقراطية الأميركية.



