حكايا في زمن الحرب.. بين محاولات النجاة وصناعة الأمل.. رحلة نزوح آمنة الدحدوح
"كطائر العنقاء ولدتُ من رماد الحزن والوجع، قالوا أني أنثر الأمل لمن حولي، ولا يعلمون أنني أستمد قوتي منهم لأتجاوز مرارة الفقد، وألم الخذلان"

إعداد: شيماء مقداد
كانت تجلس وحيدة على باب خيمتها، في مخيم الإيواء الذي استقرت به بمخيم الزوايدة وسط قطاع غزة، بعد نزوحها الرابع، حين تعرفت على الطفلة “فاطمة” التي تعاني من تنمر أقرانها بسبب التأتأة ومشاكل النطق لديها.
قررت آمنة الدحدوح ، “اخصائية علاج مشاكل النطق وتأخر الكلام” في تلك اللحظة أن تبادر لعلاج “فاطمة” والتي تسببت لها الحرب بمشاكل النطق والتأتأة بعد نوبات خوف شديد و متكررة، ومن الجلسة الأولى ظهرت النتائج الايجابية، وتحسنت حالة الطفلة التي عادت لأهلها تنطق اسمها بشكل صحيح، فكانت هي البداية لإطلاق مبادرة “صناع الأمل”.
نشرت من خلال فرن الطينة الذي يجتمع عنده معظم أهالي المخيم لعمل الخبز، رغبتها في إطلاق المبادرة، وبعد تجاوب جيد من الأهالي، انطلقت بالعمل من داخل خيمة تابعة لإدارة مخيم النزوح وبدأت بتقييم أطفال المخيم لعلاجهم من مشاكل النطق والتأتأة وصعوبات التعلم، ومساعدة أطفال التوحد على الانخراط بأقرانهم.
“60% من الأطفال الذين قمت بتقييمهم بدأت مشاكل النطق لديهم خلال الحرب بسبب الخوف الشديد الذي يتعرضون له”
بدأت أمنة مبادرتها ببعض الأدوات البسيطة، بسبب عدم توفر الأدوات اللازمة في السوق المحلي أو غلاء أسعارها، بعد أن بعد أن كانت تمتلك مركزاً مجهزا بالكامل لعلاج مشاكل النطق في مدينة غزة، دمره الاحتلال منذ أيام الحرب الأولى، فتصاعد عدد الأطفال إلى 40 طفل، واليوم تعمل بمساعدة بعض الأخصائيات على علاج 100 طفل ممن يعانون مشاكل النطق وتأخر الكلام، 60% منهم بدأت مشاكلهم خلال الحرب بسبب الخوف الشديد الذي يتعرضون له.
قررت أمنة المضي بمساعدة الأطفال بجهد ذاتي خالص، على الرغم من قلة التمويل واهتمام المؤسسات، واتخذت من أهالي الأطفال شريك لها في العلاج بعد تقديمها نصائح وارشادات لهم تساعدهم على علاج أطفالهم في وقت مبكر منعاً لتراكم الأزمة.
“مشهد يشبه يوم القيامة، لا أحد يلتفت أو يسمع الآخر، الكل يهرول إلى النجاة وفي قلوبهم تكثُر الأدعية ” اللهم نفسي، اللهم أطفالي، اللهم أحبتي”.
اضطرت آمنة لترك منزلها في تل الهوى منذ أيام الحرب الأولى، انتقالاً إلى منطقة “مجمع الشفاء الطبي” اعتقاداً منها أنه آمن!، حتى منتصف نوفمبر 2023، حين شهدت على العديد من المجازر التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال الاجتياح الأول للمجمع، وبعد وصول آليات الاحتلال إلى المنطقة، وتعرض المبنى الذي ينزحون به إلى القصف المدفعي قررت النزوح الي الجنوب من خلال حاجز “نتساريم”.
لم تحدد وجهتها، لكنها كانت تنشد الأمان، فسارت “آمنة” مشوار طويل هي وطفليها تحت النار و فوق الجثث في مشهد يشبه يوم القيامة، لا أحد يلتفت أو يسمع الآخر، الكل يهرول للنجاة التي لم تكن من نصيب الجميع، وفي الطريق أمسك أحد المصابين بقدم آمنة يناجيها لتقوم بإسعافه، آليات الاحتلال وجنوده أمامها، الطائرات فوقها، والكل منشغل بنفسه، لم تعرف وقتها ماذا يمكن أن تفعل!، كيف تُعرض نفسها وصغارها للخطر، وكيف تتركه وتمضي؟، فاستنجدت بالشباب لمساعدته ومضت تتشبث في يدي طفليها.
“أنا أخت الشهيد، ابنة عم الشهيد، وسلفة الشهيدة، وبنت أخت الشهيد”
كانت حصة “أمنة” من الفقد كبيرة جداً، وتجرعت في وداع الأحبة علقماً، فهي ابنة شقيق الإعلامي في قناة الجزيرة “وائل الدحدوح“، خسرت أبناء عمها محمود وحمزة ووالدتهم، وبعدها تلقت خبر استشهاد شقيقها المقرب منها “عمر” الذي كان بمثابة الدرع الحامي والسند.
نفضت أمنة عن نفسها غبار الحزن وقررت أن تكون أملاً للأطفال، تساعدهم على تجاوز مشكلاتهم، ويملؤون حياتها بطاقتهم الجميلة، تتمنى أن تنتهي الحرب وتعود إلى مدينتها “غزة” حتى وأن كانت ركاماً، قررت أن تبدأ من جديد، لا مشكلة لديها أن تعيش في خيمة، وأن تؤسس مركزها “صناع الأمل” أيضا في خيمة.