سبعة أفلام عربية في “فينيسيا” .. سينما تصنع روايتها عن الحرب والأزمات

الخامسة للأنباء - غزة
لم تعد السينما العربية ضيفًا عابرًا على المهرجانات السينمائية الكبرى حول العالم. فمن البندقية وكان إلى تورنتو ولندن ولوكارنو وروتردام. ومن صندانس ونيويورك وشيكاغو إلى بالم سبرينغز. تحضر أفلام عربية أو أعمال لمخرجين عرب ضمن برامج هذه المهرجانات، سواء بإنتاج عربي خالص أو بتمويل مشترك مع جهات وصناديق أجنبية.
وفي الدورة الـ83 من مهرجان البندقية السينمائي، يبرز حضور عربي متنوع، من فلسطين ولبنان ومصر والأردن والعراق، إلى جانب أفلام لمخرجين عرب أنجزوا أعمالهم بتمويل أجنبي أو عبر شراكات إنتاجية تجمع بين مؤسسات عربية ودولية.
هذا الحضور ليس وليد السنوات الأخيرة، بل يأتي امتدادًا لتاريخ طويل للسينما العربية التي تجاوز عمرها قرنًا من الزمن. بدأت التجربة مبكرًا في مصر. قبل أن تنتقل وتتطور في بلدان عربية عدة، بينها تونس وسوريا ولبنان والعراق والأردن والمغرب والجزائر، وصولًا إلى الخليج. إلى جانب التجربة الفلسطينية التي استطاعت خلال العقود الماضية أن تفرض لنفسها مساحة خاصة في السينما العالمية.
أكثر من قرن من السينما العربية
ارتبط ظهور السينما العربية في المهرجانات الدولية الكبرى منذ عقود بأسماء مصرية ولبنانية على وجه الخصوص. وكان المخرج اللبناني جورج نصر من أوائل المخرجين العرب الذين وصلوا إلى مهرجان كان، من خلال مشاركته بفيلمين في أواخر خمسينيات القرن الماضي ومطلع الستينيات. فيما سبقته إلى المهرجان أسماء مصرية بارزة، بينها صلاح أبو سيف ويوسف شاهين وكمال الشيخ.
لكن هذا الحضور لم يكن منتظمًا. فقد شهدت السينما العربية تراجعًا واضحًا في المهرجانات الدولية خلال النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي. واستمر ذلك حتى الثمانينيات، قبل أن تبدأ مجددًا في استعادة حضورها في المهرجانات الثلاثة الكبرى: برلين وكان والبندقية.
وخلال التسعينيات اتسعت دائرة المشاركة لتشمل مهرجانات أخرى، ثم شهدت بداية القرن الحالي توسعًا أكبر. إلى أن أصبح حضور الأفلام العربية اليوم ظاهرة متكررة في العديد من المهرجانات العالمية.
ولسنوات طويلة، لم يكن الطريق أمام السينما العربية إلى هذه المهرجانات سهلًا. فبعض المهرجانات لم يكن يرى في الأفلام العربية مادة قادرة على جذب الجمهور الغربي. بينما تعاملت شركات الإنتاج والتوزيع الغربية معها بحذر، باعتبارها أفلامًا محدودة القدرة على الوصول إلى الأسواق التجارية.
وبقي الاهتمام في أحيان كثيرة مرتبطًا بأسماء محددة من المخرجين الذين سبق أن أثبتوا حضورهم عالميًا، مثل يوسف شاهين ومحمد الأخضر حامينة ورضا الباهي. قبل أن تتسع دائرة الاهتمام لتشمل أجيالًا جديدة من صناع السينما العرب.
التمويل الأجنبي.. طريق للإنتاج لا انتقاص من الهوية
ويطرح الحضور العربي في المهرجانات سؤالًا متكررًا حول اعتماد بعض الأفلام على التمويل الأجنبي. لكن ذلك لا يعني بالضرورة ارتهان العمل للجهات الممولة أو ابتعاده عن بيئته العربية.
فصناعة الفيلم تحتاج إلى موارد مالية كبيرة، بينما لا تتوفر صناديق تمويل سينمائي كافية في غالبية الدول العربية، كما تختلف القدرة الإنتاجية من بلد إلى آخر. ففي الوقت الذي تمتلك فيه بعض الدول صناعة سينمائية نشطة، تعاني دول أخرى من ضعف الإنتاج. أو من غياب الدعم الحكومي، أو من ظروف سياسية واقتصادية وحروب حالت دون استمرار النشاط السينمائي.
لذلك أصبحت الشراكات الدولية مصدرًا أساسيًا لعدد كبير من الأفلام العربية، خصوصًا الأعمال المستقلة التي لا تستهدف السوق التجارية بالدرجة الأولى. وإنما تسعى إلى الوصول إلى المهرجانات والجمهور العالمي.
ولا يتعارض ذلك مع طبيعة السينما باعتبارها لغة عابرة للحدود؛ فالمهم في النهاية هو الفيلم نفسه، والقصة التي يحملها، والزاوية التي يقدم من خلالها مجتمعه وقضاياه.
فلسطين.. السينما في مواجهة الحرب
في حالة السينما الفلسطينية، اكتسب الحضور في المهرجانات العالمية بعدًا إضافيًا مع استمرار الصراع والحروب والاحتلال.
ولسنوات طويلة، لم يكن الاهتمام الدولي بالأفلام الفلسطينية منفصلًا عن القضية السياسية. لكن التطورات المتلاحقة في المنطقة، والحرب الإسرائيلية على غزة خصوصًا. دفعت الجمهور العالمي إلى البحث عن روايات فلسطينية تتجاوز التغطية الإخبارية اليومية.
فالأخبار تنقل صور الأحداث وأعداد الضحايا والدمار، لكنها لا تمنح دائمًا مساحة كافية لفهم حياة الناس وخلفياتهم وتجاربهم الشخصية. وهنا تأتي السينما لتقدم حكايات أطول وأكثر تعقيدًا، وتسمح للمشاهد بالاقتراب من الإنسان الموجود خلف الخبر.
وساهم مخرجون فلسطينيون وعرب، من بينهم ميشيل خليفي ومي مصري ورشيد مشهراوي. إلى جانب أصوات عربية أخرى، في توسيع مساحة حضور القضية الفلسطينية داخل السينما العالمية، وتقديمها من زوايا تتجاوز الخطاب السياسي المباشر.
7 أفلام عربية في البندقية
في الدورة الحالية من مهرجان البندقية، لم يقتصر الحضور العربي على فيلم أو اثنين. بل شمل سبعة أعمال، في مؤشر على اتساع مساحة السينما العربية داخل واحد من أقدم وأهم المهرجانات السينمائية في العالم.
ومن بين الأعمال الفلسطينية المشاركة فيلم “المواطن أسامة” للمخرج أحمد حسونة. وهو عمل عُرض خارج المسابقة الرسمية، ويتابع حياة المصور الصحفي أسامة العشي الذي يعمل على توثيق ما يجري على الأرض في ظل القصف والدمار، بالتزامن مع محاولته رعاية أسرته.
وغاب حسونة عن العرض بسبب القيود والعراقيل الإسرائيلية المفروضة على الفلسطينيين. فيما حظي الفيلم باستقبال لافت من الجمهور، وتولى المنتج والمخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي. صاحب التجربة الطويلة في السينما الفلسطينية، إنتاج العمل.
ولا يقدم الفيلم خطابه من خلال الشعارات المباشرة. بل يركز على تفاصيل حياة المصور الصحفي، وما يراه ويوثقه خلال الحرب، في محاولة لنقل الواقع من خلال تجربة شخصية وإنسانية.
وهو ما يجعل الفيلم قريبًا، من زاوية مختلفة، من أفلام فلسطينية أخرى وصلت إلى المهرجانات العالمية. بينها “صوت هند رجب” للمخرجة كوثر بن هنية، الذي حظي باهتمام دولي واسع.
أما الفيلم الفلسطيني الثاني، “حوار مع البحر” للمخرج مؤيد عليان، فعُرض ضمن قسم “سبوتلايت”. ولا يتناول الحرب الحالية بصورة مباشرة، وإنما يذهب إلى مساحة أوسع تتعلق بتجربة الفلسطينيين الممتدة عبر أجيال، من خلال قصة رجل يبحث عن الحقيقة.

لبنان.. الحرب والأزمة في قصص سينمائية
ومن لبنان، يشارك المخرج رامي قديح بفيلم “غضب”، الذي يذهب إلى الأزمة المالية اللبنانية من خلال قصة شقيقتين تقرران مواجهة المصارف بعد امتناعها عن إعادة أموال المودعين.
ويأخذ الفيلم مسارًا تشويقيًا مع تحول غضب الشقيقتين إلى محاولة لسرقة أحد المصارف، في معالجة تجمع بين الأزمة الاقتصادية والبعد الاجتماعي والدرامي.
وفي عمل لبناني آخر، تعود الحرب الأهلية إلى الشاشة من خلال الفيلم القصير «لحظات قليلة من السعادة» للمخرجة شادن صفي الدين، وهو إنتاج بريطاني فرنسي مشترك.
يروي الفيلم قصة امرأة تعيش في باريس وتتابع أخبار الحرب اللبنانية من بعيد، في علاقة مضطربة بين المنفى والذاكرة والخوف على من تركتهم خلفها.

العراق.. ذاكرة الحرب ضد داعش
ومن الأعمال ذات الإنتاج المشترك أيضًا فيلم “لا جنة لمن تقتله امرأة” للمخرج الكردي العراقي هلكوت مصطفى، الذي يتناول آثار الحرب ضد تنظيم “داعش” في العراق.
وتدور القصة حول قناصة كردية تبحث عن شقيقتها التي اختفت خلال الحرب، في منتصف العقد الماضي، لتتحول الرحلة إلى مواجهة مع آثار الحرب والاختفاء والفقدان.
ويعكس الفيلم جانبًا آخر من السينما العربية والكردية التي تحاول التعامل مع الحروب ليس فقط باعتبارها أحداثًا سياسية وعسكرية، وإنما باعتبارها تجارب شخصية تستمر آثارها بعد توقف المعارك.
من الهامش إلى المشهد الرئيسي
لم تعد السينما العربية حاضرة في المهرجانات الكبرى لمجرد استكمال عدد الأفلام المشاركة أو باعتبارها نافذة ثقافية على منطقة بعيدة.
الجمهور نفسه بات جزءًا من المعادلة. فالامتلاء الذي شهدته قاعات عروض الأفلام العربية في البندقية يعكس اهتمامًا متزايدًا بالقصص القادمة من المنطقة. خصوصًا تلك التي تتصل بحروب وصراعات وتحولات اجتماعية واقتصادية أصبحت تحظى باهتمام عالمي.
ومع اتساع هذا الحضور، تبدو السينما العربية أمام فرصة تتجاوز مجرد المشاركة في المهرجانات. فالوصول إلى الجمهور العالمي يمنح صناع الأفلام مساحة لرواية قصصهم بأنفسهم. بعيدًا عن الصورة التي تصنعها الأخبار اليومية أو الخطابات السياسية.
وبعد أكثر من مئة عام على ولادة السينما العربية، يبدو أن أفلام المنطقة لم تعد تقف على هامش المشهد السينمائي العالمي. من فلسطين ولبنان والعراق إلى مصر وبقية البلدان العربية، تتسع دائرة الأصوات والحكايات، وتجد هذه الأفلام طريقها إلى أهم المنصات السينمائية في العالم.
واللافت أن هذا الحضور لا يأتي رغم الأزمات التي تعيشها المنطقة فحسب، بل في كثير من الأحيان من داخلها. إذ تتحول الحرب والمنفى والفقر والاحتلال والأزمات الاقتصادية والذاكرة الجماعية إلى مادة سينمائية. تجعل من الفيلم العربي وثيقة فنية وإنسانية عن زمن شديد الاضطراب.





