عاد من الكفن ليزرع الحياة.
شبكة الخامسة للأنباء - غزة

في غزة، حيث تتجاور الحياة والموت في مشهد يومي منذ اندلاع حرب الإبادة المستمرة، خرج الفلسطيني محمد أنصير من تجربة لا تشبه أي قصة نجاة أخرى؛ فقد أعلن الأطباء وفاته، ووُضع داخل كيس الجثامين تمهيدًا لدفنه، قبل أن يعود قلبه إلى النبض في اللحظات الأخيرة، ليبدأ حياة جديدة بساق مبتورة وأمل لا يزال يقاوم الركام.
يقول محمد أنصير (44 عامًا) في حديثه، إن حياته انقلبت في لحظة واحدة حين أصيب إصابة خطيرة في ساقه قرب مدخل المستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا شمال قطاع غزة خلال القصف.
ويضيف: “كنت قرب المستشفى الإندونيسي عندما أصبت إصابة شديدة في ساقي، وكان النزيف كبيرًا جدًا، وبسبب الحصار وتأخر الإسعاف بقيت أنزف لفترة طويلة حتى فقدت الوعي”.
إعلان الوفاة
يتابع أنصير روايته قائلاً: “عندما نقلوني إلى المستشفى لم تظهر عليّ أي علامات للحياة، فاعتقد الأطباء أنني استشهدت، وأُعلن عن وفاتي في ظل الأوضاع الصعبة التي كانت تعيشها المستشفيات”.
ويشير إلى أنه نُقل بعد ذلك إلى ثلاجة الموتى ثم وُضع داخل كيس الجثامين تمهيدًا لدفنه مع الشهداء.
ويصف محمد اللحظة التي عاد فيها إلى الحياة قائلاً: “لا أنسى تلك اللحظة أبدًا.. وجدت نفسي داخل الكفن وفي طريقي إلى القبر، لكن الله كتب لي عمرًا جديدًا، وخرجت من الكفن بأعجوبة”.
ويضيف أن من حوله لاحظوا حركة خفيفة داخل كيس الجثامين قبل الدفن بلحظات، ما دفعهم إلى فتحه ليكتشفوا أن قلبه عاد إلى النبض.
ويقول أنصير إن عائلته كانت في تلك الأثناء قد نزحت إلى جنوب قطاع غزة، موضحًا: “أهلي كانوا في خانيونس ورفح بعد نزوحهم من الشمال، ووصلهم خبر استشهادي عبر الناس ووسائل التواصل، وحتى إنهم أقاموا لي عزاء”.
ويضيف: “لكن بعد فترة قصيرة وصلهم خبر آخر أنني ما زلت حيًا، وأنني أخضع لعمليات جراحية، فكانت صدمة كبيرة لهم”.
ويتابع محمد حديثه قائلاً: “بعد إجراء عمليات أولية في الشمال تم نقلي ضمن قوافل الجرحى إلى مجمع ناصر الطبي في خانيونس لاستكمال العلاج”.
ويصف لحظة لقائه بعائلته هناك قائلاً: “عندما رأتني زوجتي وأطفالي في المستشفى لم يصدقوا أنني حي، كانوا يعتقدون أنني استشهدت، فاختلطت دموع الفرح بدموع الألم”.
لكن أنصير يؤكد أن نجاته من الموت كانت لها كلفة قاسية، إذ يقول: “بسبب النزيف الشديد وتضرر الشرايين لم يتمكن الأطباء من إنقاذ ساقي اليسرى، فاضطروا إلى بترها بالكامل”.
ويضيف: “كانت صدمة كبيرة لي ولعائلتي، لكنني حمدت الله أنني ما زلت حيًا بين أطفالي”.
يتحدث محمد عن حياته قبل الحرب قائلاً: “قبل الحرب كنت أملك منجرة ومعرضًا للأثاث وأعمل لأعيل عائلتي المكونة من سبعة أفراد، وكانت حياتنا مستقرة”.
ويتابع: “لكن القصف دمر منزلنا ومصدر رزقي، وأصبحنا نعيش اليوم في خيمة بعد النزوح”.
ويشير أنصير إلى أن أبناءه أصبحوا يتحملون جزءًا من أعباء الحياة اليومية، قائلاً: “أطفالي يذهبون إلى التكايا للحصول على الطعام والماء، وأحيانًا يجمعون الحطب حتى نستطيع الطبخ”.
ورغم إعاقته، يقول محمد إنه حاول إيجاد طريقة لإعالة أسرته قدر الإمكان، ويحدثنا: “بدأت أزرع بعض الخضروات مثل البصل والجرجير في قطعة أرض صغيرة قرب خيمتنا حتى نوفر شيئًا نأكله، الزراعة تساعدنا على الصبر في هذه الظروف، حتى لو كانت بسيطة”
أما أمنية محمد اليوم، فتتلخص بطرف صناعي يمكنه من الوقوف والعمل مجددًا ليعيل أسرته، ويقول: “كل ما أتمناه أن أستطيع السفر للعلاج وتركيب طرف صناعي يساعدني على المشي والعمل من جديد”.
ويضيف: “أنا لا أطلب الرفاهية، فقط أريد أن أستعيد قدرتي على الحركة وأن أعيش بكرامة وأعيل أطفالي”.
ويجد آلاف المصابين الذين بترت أطرافهم خلال حرب الإبادة في قطاع غزة، صعوبة في الحصول على العلاج والتأهيل، فضلا عن أطراف صناعية تعينهم على الحركة والاعتماد على الذات.
وكانت منظمة الصحة العالمية قد قدّرت، في تقرير سابق، عدد حالات بتر الأطراف في القطاع خلال العام الأول من الحرب بما يتراوح بين 3,105 و4,050 حالة، وهي الإصابات التي وصفتها بـ”المغيرة للحياة”، وتشمل كذلك إصابات الدماغ والنخاع الشوكي والحروق الشديدة.
وتشير أحدث إحصائية نشرتها وزارة الصحة في غزة في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، إلى تسجيل نحو 6 آلاف حالة بتر خلال عامين من الحرب.
وبينت الوزارة إلى الحاجة لبرامج تأهيل عاجلة وطويلة الأمد، في ظل نقص شديد في الأطراف الصناعية والعلاج الطبيعي والخدمات المساندة.






