عبارة مثيرة للجدل
شبكة الخامسة للأنباء - غزة

بقلم د.عبدالعزيز الحيلة
في خطاب سياسي متلفز وموجه للجمهور الإسرائيلي قال بنيامين نتنياهو في سياق حديثه عن الحرب والصراع الدولي عبارة أثير حولها جدل واسع حيث قال ” أن المسيح ليس له أفضلية على جنكيز خان وإذا كنت قويًا وقاسيًا بما فيه الكفاية فإن الشر يمكن أن يغلب الخير”، هذه العبارة المقتبسة من الكتاب الشهير “قصة الحضارات” للمؤرخ الأمريكي (ويليام ديورانت) والذي نشر على اجزاء بين عامي 1935 و 1975، تحمل معنى واضحًا وصريحًا هو وجوب تحييد الأخلاق والمبادئ والقيم الإنسانية وتحويل القوة والبطش الى أداة أساسية لتحقيق الأهداف بغض النظر عن الحق أو العدالة.
ليس مستغربًا أن تصدر مثل هذه التصريحات عن بنيامين نتنياهو فهي تنسجم تمامًا مع سلوكه السياسي الطويل الذي يعطي أولوية للخداع والكذب والتطرف على حساب الصدق والأمانة والسلام، هذه العبارة ليست مجرد جملة عابرة أو زلة لسان بل هي نهج راسخ في عقيدته السياسية المتطرفة.
من خلال هذا الخطاب أراد نتنياهو إيصال رسالة صريحة لكل خصومه مفادها أن السياسات العنيفة والحروب مبررة وأنها تتجاوز المبادئ والقيم، وأن الهيمنة وحدها تصنع النتائج وتضمن البقاء، والتاريخ في كثير من الأحيان يكتب بقلم من يملك القوة لا الأخلاق، وأن تأثير القادة الأقوياء أمثال (جنكيز خان) يتجاوز تأثير شخصية سيدنا المسيح عليه السلام في عالمنا الحالي.
وهنا تظهر حقيقة نتنياهو بصفته رئيس وزراء دولة إسرائيل التي تتغنى دوما بحقوق الإنسان في كل محفل ومناسبة، وتتباهى بأنها رائدة الديمقراطية في الشرق الأوسط، إلا أن تصريحاته الأخيرة تكشف عن فجوة صارخة بين هذا الإدعاء وسلوكها العملي ، فهو يشرع عملياً قانون الغاب في السياسة الواقعية لحكومته اليمينية المتطرفة وعلى مرأى العالم يقدم العنف والقتل على القيم الانسانية النبيلة، وغزة الجريحة تمثل نموذجاً حياً لهذا النهج، تصريح كهذا يمكن اعتباره تحدي للقانون الدولي ويصنف كجريمة حرب أمام المجتمع الدولي.
ومع ذلك فإن إسرائيل تعد دولة ذات نفوذ سياسي وعلاقات قوية مع قوى دولية مؤثرة خصوصًا الولايات المتحدة وهذا النفوذ يعطيها حماية في المحافل الدولية فتصبح عمليًا دولة فوق القانون يصعب ملاحقة ومحاسبة قادتها على جرائمهم وانتهاكاتهم بحق الإنسانية، وهو ما يخلق شعورًا بوجود ازدواجية في المعايير والردود السياسية والاعلامية الدولية اتجاه السياسات الإسرائيلية، إضافة إلى ذلك سجل الخطاب إساءة رمزية واضحة للمسيح عليه السلام وللمسيحيين وشوه المعنى الروحي والأخلاقي لدور الأنبياء، إذ لا يمكن مقارنة النبي عيسى عليه السلام بقاتل متوحش مثل جنكيز خان فهذه مقارنة غير مقبولة وغير عادلة، فنبي الله عيسى عليه السلام رسالته قائمة على الرحمة والسلام والتسامح وجنكيز خان استخدم القتل والتدمير كأداة للسيطرة على العالم .
وإشادة نتنياهو بأساليب جنكيز خان العنيفة تعكس تقديره لثقافة القتل والتطرف، وتكشف عن انعكاس حقيقي لتوجهاته الفكرية، إذ يبدو أن العنف والسيطرة يمثلان المعيار الأساسي الذي يحكم فهمه للسياسة وطريقة تعامله مع الآخرين، وهنا يبقى التساؤل الأهم أين صوت المؤسسات الدينية العالمية مثل الفاتيكان والهيئات الاسلامية والمنظمات اليهودية في الدفاع عن قدسية الرموز الدينية والديانات الإبراهيمية؟ ولماذا هذا الصمت المريب في وقت كان يفترض فيه أن ينتفض العالم ويشهد موقفًا دوليًا واضحًا يندد بهذه التصريحات.
إن ما صدر عن نتنياهو يعد تجاوزًا أخلاقيًا وفكريًا لا يحتمل التأويل أو التجاهل، وكان يفترض أن يواجه بموقف صريح وحازم، والسؤال الآن موجه إلينا بحكم الجغرافية كدول مجاورة لإسرائيل هل استعددنا لمواجهة هذه المخاطرة المستقبلية، أم سنكتفي بالمشاهدة بينما تكتب نتائج التاريخ بيد من يملك القوة؟





