تقاريرثابت

عيد غزة: ذكريات قبل الحرب وواقع بعد الدمار

شبكة الخامسة للأنباء - غزة

عيد غزة .. تقرير خاص إعداد: سهر دهليز

يُعتبر العيد مناسبة اجتماعية ودينية مهمة في حياة المجتمع، تتسم بالفرح واللقاءات العائلية والتلاحم الاجتماعي. فهو يوم تُجسّد فيه قيم المحبة والكرم، وتظهر فيه البهجة في وجوه الأطفال والكبار على حد سواء. لكن الحرب التي مرت بها قطاع غزة تركت أثرًا عميقًا على هذه العادات، فأصبح الاحتفال بالعيد يمر بظروف صعبة، وتغيّرت الكثير من التقاليد التي كانت تُحيي الروح الأسرية والمجتمعية.

الحاجة أم أحمد الجيار قالت: “العيد قبل الحرب كان له طعم مختلف تمامًا. كنا نبدأ التحضير له قبل أيام، فنقوم بعمل الكعك والمعمول في البيت، وتملأ رائحة الحلويات المكان، ونتبادل الأطباق مع الجيران والأقارب في جو من المحبة والدفء. كما كانت الزيارات العائلية من أهم عادات العيد، حيث نجتمع منذ الصباح ونزور بعضنا البعض، ولا يخلو بيت من الضيوف. وكان الأطفال ينتظرون العيدية بفارغ الصبر ليشترو بها الحلويات والألعاب”.

نزوح واختلاف العادات

وأضافت: “أما بعد الحرب وما شهدناه من نزوح ودمار في منازلنا وأحيائنا، فقد تغيّرت كل هذه العادات. لم نعد قادرين على عمل الكعك والمعمول كما في السابق بسبب صعوبة الحصول على المواد وغلاء الأسعار، وغالبًا ما نكتفي بما هو بسيط. الزيارات العائلية تقلّصت كثيرًا، فالكثير من الأقارب نزحوا إلى مناطق أخرى، وأصبح اللقاء صعبًا أو مقتصرًا على عائلة صغيرة. وحتى العيدية لم تعد كما كانت، فأصبحت رمزية أو غابت أحيانًا بسبب الظروف المعيشية الصعبة”.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

تابعت حديثها: “رغم كل ما مررنا به، نحاول الحفاظ على ما تبقى من عاداتنا ولو بشكل بسيط، لأن العيد يبقى فرصة للتواصل والتلاحم الأسري، ولزرع بعض الفرح في قلوب الأطفال رغم صعوبة الأوضاع”.

أما سالي الغوطي، وهي أم لثلاثة أطفال فقالت: “يأتي هذا العيد مختلفًا تمامًا بالنسبة لنا، فهو الأول بعد استشهاد والدي. قبل الحرب، كان العيد يحمل طابعًا مميزًا في حياتنا؛ كان والدي يجمعنا منذ الصباح، ويحرص على إسعاد أحفاده، فيعطيهم العيدية ويشجعهم على شراء ما يحبون من ألعاب وحلويات، وكانت الفرحة تملأ البيت بوجوده. كما كانت الزيارات العائلية جزءًا أساسيًا من يوم العيد، وكانت الأجواء مليئة بالمحبة والدفء. الأطفال كانوا ينتظرون هذه اللحظات بفارغ الصبر”.

وأكدت أنه بعد الحرب تغيّرت هذه العادات بشكل كبير. غاب والدي الذي كان محور هذه التجمعات، ولم تعد العيدية كما كانت، بل أصبحت بسيطة أو أحيانًا رمزية بسبب الظروف المعيشية الصعبة. كما أن الزيارات قلّت بشكل واضح نتيجة تفرّق العائلة بسبب النزوح والظروف الصعبة في ظل الحرب التي ما زال تأثيرها قائمًا على أهالي قطاع غزة”.

تراجع المبيعات ونشاط الأسواق

وأوضح أبو محمد، صاحب أحد المحال التجارية أنه قبل الحرب، كان العيد يُعتبر أهم موسم بالنسبة لهم كونه يشهد ازدحامًا كبيرًا في الأسواق، خاصة في الأيام الأخيرة من شهر رمضان، وكان الإقبال على شراء الملابس الجديدة والحلويات والهدايا مرتفعًا جدًا.

وأشار إلى حركة البيع النشطة طوال اليوم، وشراء المواطنين بكميات دون تردد سواء من الحلويات أو المكسرات، ناهيك عن العيدية التي كان يحصل عليها الأطفال كانت تلعب دورًا كبيرًا في تنشيط السوق، حيث كانوا يقبلون على شراء الألعاب والحلويات، ما ينعكس بشكل مباشر على زيادة المبيعات.

وتابع ابو محمد حديثه قائلا: “بعد الحرب، تغيّر الوضع بشكل واضح. حركة البيع والشراء تراجعت كثيرًا، وأصبح الإقبال ضعيفًا مقارنة بالسابق. الناس اليوم تركّز على شراء الأساسيات فقط، وتستغني عن الكثير من الكماليات بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة. حتى في أيام الذروة، لم تعد الأسواق مزدحمة كما كانت، وكثير من الزبائن يكتفي بالسؤال عن الأسعار دون الشراء. أما العيدية لم تعد كما كانت، وهذا أثر على مبيعات الألعاب والحلويات”.

وأضاف: “نحاول التكيّف مع الظروف من خلال تقديم عروض وتخفيضات، لكن الفرق بين قبل الحرب وبعدها ما زال كبيرًا، ولم يعد العيد موسمًا قويًا كما كان”.

التأثير النفسي والاجتماعي

أما الأخصائي النفسي والاجتماعي إبراهيم مطر قال: “تُعدّ الأعياد مناسبة اجتماعية مهمة تعكس تماسك المجتمع وقوة العلاقات بين أفراده. قبل الحرب، كانت العادات واضحة ومستقرة؛ حيث كانت العائلات تحرص على الزيارات المتبادلة وتقديم العيدية للأطفال، ما يعزز لديهم مشاعر الفرح والانتماء، إضافة إلى مظاهر الكرم مثل إعداد الحلويات وتبادلها بين الجيران.

أضاف: “تأثرت هذه العادات بشكل ملحوظ نتيجة الظروف الاقتصادية والنفسية الصعبة بعد الحرب، وتراجعت قيمة العيدية أو اختفت في بعض الأسر بسبب ضعف الإمكانيات، كما تقلّصت الزيارات العائلية نتيجة النزوح أو فقدان بعض أفراد الأسرة. كذلك، أصبح الاحتفال أكثر بساطة، وغابت بعض المظاهر الجماعية التي كانت تعزز الترابط الاجتماعي”.

وتابع مطر حديثه: “ومن الناحية النفسية، لم يعد العيد يحمل نفس مستوى البهجة، خاصة لدى الأطفال الذين تأثروا بفقدان الشعور بالأمان والاستقرار. ومع ذلك، تحاول بعض الأسر الحفاظ على الحد الأدنى من هذه التقاليد، لما لها من أثر إيجابي في التماسك الأسري وإعادة الأمل إلى المجتمع.”

ورغم كل الدمار والنزوح والصعوبات الاقتصادية التي تواجه قطاع غزة، ما زالت الأسر تحاول التمسك بما تبقى من العادات، ولو بشكل رمزي، لإبقاء روح العيد حية في قلوب الأطفال وإحياء قيم المحبة والتلاحم الاجتماعي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى