فورين أفيرز: “إسرائيل” تضم الضفة الغربية بهدوء وتخلق أزمة حقيقية
شبكة الخامسة للأنباء - غزة

نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا للزميلة المسؤولة عن السياسات “الإسرائيلية” في مؤسسة راند، شيرا إيفرون، قالت فيه إن الشرق الأوسط لا يخلو من التقلبات.
ففي أعقاب الاحتجاجات في إيران، هددت واشنطن بشن ضربة عسكرية؛ فيما يستمر العنف في غزة رغم وقف إطلاق النار؛ ويعيد حزب الله تسليح نفسه في لبنان؛ وتُزعزع الصراعات الفصائلية استقرار سوريا، لكن الجبهة التالية التي ستنفجر قد تكون تلك التي يُهملها صناع القرار باستمرار – الضفة الغربية.
ومنذ أحداث الـ7 من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، والهجوم العسكري الإسرائيلي على غزة، شنت حكومة نتنياهو حملة ضم فعلية، مُكثفة وجودها العسكري في الضفة الغربية.
كما ومارست ضغوطاً مستمرة على السلطة الفلسطينية لإضعافها، ومُسرّعة الموافقة على المستوطنات اليهودية، ومُشرّعة البؤر الاستيطانية بأثر رجعي، أصبحت أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون شبه يومية.
قرار ضم قبل لقاء ترامب
ثم، يوم الأحد الماضي، وافق المجلس الوزاري الأمني برئاسة نتنياهو على حزمة إجراءات استثنائية تحوّل ضمّ الضفة الغربية بحكم الأمر الواقع إلى سياسة قانونية. وجاء توقيت هذه الخطوة جريئاً للغاية، إذ سبقت زيارة نتنياهو للبيت الأبيض يوم الأربعاء.
من ضمن الإجراءات، تخفيف الاحتلال القيود المفروضة على بيع الأراضي للمستوطنين، وستتولى سلطة تحديد كيفية استخدام الأراضي في المنطقتين (أ) و(ب)، اللتين كانتا خاضعتين رسمياً لحكم السلطة الفلسطينية.
وصرح وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بأن الهدف هو “القضاء على فكرة قيام دولة فلسطينية”.
تقول إيفرون، إن هذه الخطوة ليست سوى أحدث تطورات الوضع الذي أوصل الضفة الغربية إلى حافة أزمة حقيقية. فقد تُصبح السلطة الفلسطينية عاجزة عن سداد ديونها في غضون أشهر، مما سيؤدي إلى توقف تقديم الخدمات الأساسية لملايين الفلسطينيين.
فضلًا عن إجهاض جهود تعاون السلطة الأمني مع “تل أبيب” التي حالت حتى الآن دون اندلاع اضطرابات واسعة النطاق. يبدأ شهر رمضان الأسبوع المقبل، وهو حدث لطالما أشعل التوترات حول المسجد الأقصى.
دفع الفلسطينيين نحو مغادرة الضفة الغربية
وتضيف، إن وجود هذه البؤر المتوترة ليس من قبيل الصدفة، بل هو استراتيجية إسرائيلية. فقد جادل وزراء نافذون في حكومة نتنياهو منذ فترة طويلة بضرورة ضم الضفة الغربية إلى فلك “إسرائيل” السياسي والإداري.
وقد وضع بيان صدر عام 2017، كتبه سموتريتش بعنوان “الخطة الحاسمة”، خارطة طريق لهذه الاستراتيجية جاء فيه: “على (إسرائيل) أن تُرسّخ وقائعَ لا رجعة فيها على الأرض، تُغلق أي احتمال لإقامة دولة فلسطينية، وتُجبر الفلسطينيين على قبول وضع تابع دائم أو مغادرة الضفة الغربية”.
منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، استغل سموتريتش وغيره من قادة اليمين لدى دولة الاحتلال ضبابية الحرب لتحويل هذه الرؤية إلى سياسة.
وعلى الرغم من أن موقف نتنياهو أكثر غموضًا – إذ أصرّ مرارًا وتكرارًا على أن “تل أبيب” لا ترغب في تولي الحكم الكامل للأراضي الفلسطينية – فإن بقاءه السياسي يعتمد على الناخبين القوميين المتدينين، مما يحدّ من قدرته وحافزه لكبح جماح القادة الذين يسعون إلى الضم.
يتشبث بعض ممن تصفهم الكاتبة بـ”المعتدلين” الإسرائيليين والفاعلين الدوليين بالافتراض المطمئن بأن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة من هذا العام قادرة على إعادة ضبط نهج دولة الاحتلال تجاه الضفة الغربية.
لكن الاعتماد على مثل إعادة الضبط هذه ينطوي على مخاطرة كبيرة بحسب “إيفرون”، فالعديد من التغييرات التي طرأت خلال العامين الماضيين لا رجعة فيها، لا سيما وأن المعارضة الإسرائيلية لم تقدم بديلاً واضحًا لرؤية دعاة الضم.
تعمل المؤسسة الأمنية للاحتلال في الضفة الغربية وفقًا لمجموعة من المبادئ غير المستقرة ولكنها فعّالة، ومنها “منع حماس من السيطرة، واحتواء العنف من خلال المعلومات الاستخباراتية، والاعتماد على قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية كشريك (مهما كانت أوجه قصور هذه القوات) لمنع تمرد واسع النطاق ومنسق من الانتشار”.
لسنوات قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر، ظل عدد القوات الإسرائيلية ووتيرة عمليات جيش الاحتلال في الضفة الغربية ثابتين نسبيًا.
إجراءات تهدد التنسيق بين الاحتلال والسلطة الفلسطينية
وبعد 7 أكتوبر، أعلن الجيش الإسرائيلي الحرب على حماس في كل مكان، وكثّف غاراته على الضفة الغربية، ووسّع نقاط التفتيش، وفرض إغلاقات مؤقتة في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك مخيمات اللاجئين.
تسببت هذه العمليات في نزوح جماعي، لكنها عطلت في البداية شبكات المسلحين ومنعت الهجمات – ويعود الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى زيادة التنسيق الأمني بين جيش الاحتلال والسلطة الفلسطينية، وفقًا للكاتبة “إيفرون”.
بحسب بيانات جيش الاحتلال، شهد عام 2023 وقوع 397 هجومًا “هامًا” في الداخل المحتل والضفة الغربية، بينما انخفض هذا العدد إلى 255 هجومًا في عام 2024، ثم إلى 54 هجومًا في عام 2025.
ورغم ما اعتبرته الكاتبة “إنجازًا يُعتدّ به”، تسعى بعض الجهات في حكومة نتنياهو إلى تقويض هذه المكاسب الأمنية عبر زعزعة استقرار الضفة الغربية وإضعاف السلطة الفلسطينية، التي ساهمت في منع انتفاضة مستدامة.
وتقود حركة الاستيطان هذه الجهود الرامية إلى تغيير واقع الضفة الغربية، إذ شكّلت سياسة “تل أبيب” من خلال حشد كتلة تصويتية منضبطة، والضغط على الوزراء الرئيسيين، وتعيين أعضائها في مناصب بيروقراطية هامة.
وهو جهد بلغ ذروته بتعيين سموتريتش وزيرًا للمالية ووزيرًا مساعدًا في وزارة الحرب عام 2022، حيث يتولى مسؤولية جوانب عديدة من التخطيط في الضفة الغربية.
وبفضل نفوذها المتزايد واستفادتها من معارضة منقسمة ومثبطة، استغلت الحركة حالة التوتر لدى الإسرائيليين وانشغالهم بقطاع غزة لإعادة تشكيل الوضع الراهن في الضفة الغربية من خلال برنامج طموح للغاية للهندسة المكانية.
طفرة هائلة في توسع المستوطنات
ووفقًا لمؤسسة “تمرور بوليتوغرافيا” البحثية، التي تجمع بيانات حول سيطرة الاحتلال على الأراضي الفلسطينية، شهدت خلال فترة حكومة نتنياهو طفرة هائلة في توسع المستوطنات في الضفة الغربية منذ عام 2023.
ففي عام 2025 وحده، أصدرت ما يقارب ضعف عدد الموافقات على بناء وحدات سكنية مقارنة بعامي 2019 و2020. وتتجاوز هذه الطفرة الأخيرة بكثير إجمالي السنوات المتعددة في العقد الماضي.
ولا تقتصر هذه التحركات على زيادة عدد الإسرائيليين المستوطنين في الضفة الغربية فحسب، بل إنها تُضعف السلطة الفلسطينية يومًا بعد يوم وتُغير وجه المنطقة جذريًا.
حيث بدأت حكومة نتنياهو في إنشاء ممرات سيطرة استراتيجية عبر توسيع حدود السلطات البلدية، وإنشاء طرق التفافية، وربط البنية التحتية بين المستوطنات.
وهو ما يُصعّب على قوات الأمن الفلسطينية والقيادات السياسية ممارسة سلطتها على المدى القريب، ويقضي على أي فرصة طويلة الأمد لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
ومن الأمثلة الواضحة على هذه العملية، مشروع ربط القدس المحتلة بمستوطنة معاليه أدوميم الكبيرة القائمة، والواقعة على بُعد 7 كيلومترات شرقًا، وذلك من خلال بناء آلاف الوحدات السكنية، فضلاً عن البنية التحتية السياحية والصناعية.
عنف تُقِرُّه حكومة نتنياهو
المشروع، المسمى “E1″، والذي طُرح لأول مرة في أواخر الستينيات، امتنع رؤساء الوزراء السابقون – تحت ضغط دولي – عن المضي قدمًا فيه بشكل كبير، إدراكًا منهم أنه سيقطع الضفة الغربية فعليًا، ويقضي على أي فرصة للفلسطينيين لممارسة سلطتهم على منطقة متصلة جغرافيًا هناك.
إلا أن الحكومة، خلال العام الماضي، سارعت بتنفيذه في آب/أغسطس، حيث وافق سموتريتش رسميًا على بناء 3400 منزل في الممر، متفاخرًا صراحة بأن “الدولة الفلسطينية تُطمس من على طاولة المفاوضات لا بالشعارات بل بالأفعال. وتُعتبر كل مستوطنة، وكل حي، وكل وحدة سكنية هي مسمار آخر في نعش” حل الدولتين.
كما يواجه الفلسطينيون تصاعدًا حادًا في العنف الذي يرتكبه المستوطنون الإسرائيليون بشكل مباشر، وهو نوع من العنف تُقِرُّه حكومة نتنياهو ضمنيًا.
ففي عامي 2024 و2025، ارتكب المستوطنون عدداً غير مسبوق من هجمات الحرق العمد وأعمال التخريب والاعتداءات الجسدية. ووفقاً لإحصاءات نشرها جيش الاحتلال وجهاز (الشاباك) الشهر الماضي، ارتفعت هجمات المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية بنسبة 27% بين عامي 2024 و2025.
لكن السمة الأبرز لهذه الهجمات ليست تكرارها، بل بالأحرى سماح “تل أبيب” بها. فإنفاذ القوانين التي تحظر عنف المستوطنين كان متقطعاً، بل غائباً في كثير من الأحيان. وغالباً ما تكون التحقيقات محدودة أو معدومة تماماً. أما الملاحقات القضائية فنادرة، ونسبة الإدانة متدنية للغاية.
وقد منحت القرارات المتخذة على أعلى مستويات الحكومة نتنياهو هؤلاء الجناة سلطة أكبر. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أعلن كاتس أن مكتبه سيتوقف عن استخدام الاعتقال الإداري.
وهو إجراء وقائي يسمح بالاحتجاز دون توجيه تهمة، ويُستخدم غالبًا مع الفلسطينيين، ضد المستوطنين اليهود، مما يشير إلى قبول الحكومة بعنف المستوطنين في الوقت الذي كانت إسرائيل في أمس الحاجة فيه إلى إظهار المزيد من الردع.
وعلى الرغم من انتهازيته السياسية، تجنب نتنياهو تاريخيًا دفع السلطة الفلسطينية إلى الانهيار التام. فهو يدرك أنه مهما كانت المكاسب الأيديولوجية قصيرة الأجل التي قد يحققها مثل هذا التحرك، فإن تكاليفه طويلة الأجل ستكون باهظة.
خنق اقتصاد الأراضي الفلسطينية
فبدون السلطة الفلسطينية، ستضطر دولة الاحتلال إلى تحمل مسؤولية توفير الخدمات المدنية – الرواتب، والصحة، والتعليم، والأمن – لملايين الفلسطينيين.
لكن مع إعطاء نتنياهو الأولوية لبقائه السياسي، لم يعد يسيطر سيطرة كاملة على ملف الضفة الغربية؛ إذ يديره سموتريتش وشركاؤه. سعت سلطات الاحتلال عمدًا إلى خنق اقتصاد الأراضي الفلسطينية وتقويض قدرة السلطة الفلسطينية على العمل بفعالية.
وهو ما أدى إلى إبطاء موافقتها على مشاريع البناء الفلسطينية وتقييد قدرة الفلسطينيين على كسب عيشهم. ومنذ أيار/ مايو 2025، أوقفت حكومة نتنياهو تحويل عائدات الجمارك والضرائب إلى السلطة الفلسطينية؛ بعض هذه التحويلات مقيد قانونا بسبب ممارسة السلطة الفلسطينية صرف ما يُسمى بـ”مدفوعات الشهداء” للأسرى والمقاتلين وعائلاتهم.
ولا تستطيع السلطة الفلسطينية الآن سوى دفع رواتب جزئية لموظفيها البالغ عددهم 150 ألف موظف، بالإضافة إلى عدد أكبر من المتقاعدين والمتعاقدين.
كما تم تطبيق نظام الدوام المدرسي لأربعة أيام في الأسبوع، ما حدّ من قدرة أولياء الأمور على العمل. وتراجعت خدمات الرعاية الصحية وجمع النفايات، ما أدى إلى تدهور مستوى المعيشة.
تقود السلطة التنفيذية لدى الاحتلال جهود الضم، لكن البرلمان الإسرائيلي ساهم في محاولة خنق الضفة الغربية، مما يجعل التراجع عنها أكثر صعوبة.
وعلى مدى العامين الماضيين، سعى الكنيست إلى سن تشريعات تحكم قبضته المالية والاقتصادية والقانونية على الضفة الغربية، وتُضعف السلطة الفلسطينية بشكل مباشر.
إضافة إلى ذلك، قدّم المشرعون مؤخراً مقترحات تسمح لـ”الإسرائيليين” برفع دعاوى بأثر رجعي ضد السلطة الفلسطينية عن هجمات سابقة، وهو ما سيُرهق السلطة الفلسطينية إلى حد الانهيار في حال إقراره.
حالياً، تعاني السلطة الفلسطينية من عيوب جوهرية وهشاشة بالغة ولكن لا يمكن لعملية السلام أن تستمر ما لم يكن للفلسطينيين تمثيل سياسي شرعي وكفؤ ومستقر، وقد طالب المانحون العرب والأوروبيون، الذين من المفترض أن يتحملوا مسؤولية إعادة إعمار غزة، بمسار نحو حل الدولتين.
وهو مسار لا يمر إلا عبر السلطة الفلسطينية، ولا يوجد حاليًا بديل موثوق يتمتع بالشرعية القانونية والقدرة العملية، كما أن إحراق السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية يقوض عملية تعافي غزة قبل أن تبدأ.




