
الخامسة للأنباء - غزة
أثار الفيلم الوثائقي “نازا” (أضرار جانبية) موجة جدل واسعة، ضمن عدة مستويات. فعلى المستوى الصهيوني الداخلي، كانت ردة فعل المؤسسة الأمنية والعسكرية الصهيونية حادة وشرسة، لدرجة مطالبة ما يسمى بوزير الثقافة الصهيوني بسحب الجنسية الإسرائيلية من منتجي الفيلم يوفال أبراهام وراحيل تسور، بتهمة الخيانة وتشويه صورة “إسرائيل” في العالم.
وأما على المستوى الفلسطيني والعربي، فقد تراوحت ردود الفعل ما بين مؤيد ومرحب برسالة الفيلم الهادفة إلى فضح وتثبيت الإبادة الجماعية في غزة، وبين مستنكر وغاضب لما حظي به الفيلم من ترحيب وتصفيق حار في مهرجان البندقية السينمائي، لا لشيء سوى لأن المنتجين يهوديان إسرائيليان، بالإضافة إلى الادعاء بنفاق العالم وتعاطيه الإيجابي مع فيلم قادم من العمق الصهيوني.
لربما كان من الأجدى وضع الجنود والضباط الذين أدلوا بشهاداتهم أمام مرآة صُقلت من الإبادة ووحشيتها، مرآة يتجلى بها وجه الفلسطيني المدمى والمشوه إثر وحشية وفتك الصهيوني به، دون أدنى تصفيق، بل صمت مشبع بصرخة بقاء
وبناءً على المراجعات النقدية التي صاحبت عرض الفيلم، يمكن القول إن الفيلم اعتمد تقنيات سينمائية وتوثيقية ساهمت في صناعة جاذبيته المرعبة، الناتجة بدورها عن شهادات فظيعة لضباط وجنود شاركوا بالإبادة، وهذا ما يسلط الضوء على سياسات الإبادة الجماعية المبتكرة، والتحول من بيروقراطية القتل إلى الذكاء الاصطناعي للقتل، إضافة إلى الانتقال من مستوى القتل المباشر، إلى اعتماد نموذج متطور من مفهوم “المسؤولية العائمة” بلغة زيغمونت باومن، والتي تعني توزيع المسؤولية وتشتيتها بين عدة أطراف، لكي لا يُعرف المسؤول المباشر عن القتل أو القمع أو الاضطهاد، وهذا ما يجري تعزيزه بسياسة تنفيذ الأوامر العسكرية، أو تطبيق القانون. ومع اعتماد نماذج وتقنيات الذكاء الاصطناعي وإدماجها في تنفيذ الإبادة الجماعية في غزة، أصبحت المسؤولية العائمة حاضرة بصورة أقوى وأشد وحشية، مما ساهم في تسهيل وتيسير مهمات وشؤون الإبادة اليومية، وإبادة إمكانية نشوء وازع أو رادع أخلاقي لدى المشرفين والمنفذين للإبادة، وهذا ما تجلى بشهادات الجنود والضباط فوق أسطح بنايات مستعمرة تل أبيب الشاهقة، والمفارقة في هذه المشهدية السينمائية أن بنايات تل أبيب باتت منصات لإدلاء شهادات حول تدمير وإبادة ممنهجين لبنايات غزة وساكنيها.
وأما اتهام مخرجي وكاتبي الفيلم يوفال أبراهام وراحيل تسور، بأنهما يسعيان إلى غسل سمعة النظام الصهيوني وتجميلها وإعادة تسويقها في العالم، فبه شيء من الاستخفاف الناتج عن عدم قراءة واعية ونقدية للمنظومة الصهيونية بشموليتها السياسية والأمنية والثقافية، حيث لم يعد هذا النظام العنصري الفاشي يكترث بتقديم سرديته إلى العالم كدأبه بممارسة دور الضحية وسط غابة من الوحوش، إذ إنه، وإثر طوفان الأقصى، ضرب النظام الصهيوني سمعته الزائفة بعرض الحائط، ليقترف أفظع إبادة جماعية في القرن الحادي والعشرين.
كما أن يوفال أبراهام، الذي رفض استكمال تجنيده العسكري في الجيش الصهيوني بعد أسبوع واحد فقط من انضمامه لوحدة الاستخبارات العسكرية عندما كان عمره 19 عامًا، لأسباب سياسية وشخصية (بحسب ويكيبيديا)، لديه باع طويل في توثيق معاناة الفلسطينيين وفضح ممارسات منظومة القمع الصهيونية بحقهم، ومحاسبته والتشكيك بدوافعه في إخراج الفيلم لكونه إسرائيليًا فقط، يجعلنا نقع في أسر الانغلاق وورطات العنصرية، ومنح الإبادة فرصة الإمعان في قتل إنسانيتنا، والأنكى من ذلك الدفاع عن خطاب الضحوية والانغلاق عليه، ومهاجمة كل من يتبناه ويدافع عنه سوى الضحية نفسها.
غير أن احتكار خطاب الضحوية من قبل الضحية نفسها شيء، ومصادرة تمثيل وفاعلية صوت الضحية شيء آخر، وهذا ما تجلى للأسف في فيلم نازا، دون أن يكون هناك إثبات على نية المخرجين بإقصاء وإبعاد صوت الفلسطيني عن الفيلم، مع التركيز عليه كموضوع، وبهذا يستحيل الفلسطيني مرة أخرى مجرد حقل سينمائي معرفي غربي، دون أن يكون فاعلًا به، أي الإمعان في تفكيك إنسانية الضحية الفلسطينية. وبالرغم من نية المخرجين لعرض شهادات الضباط والجنود بتلك الطريقة الفظيعة، في سبيل إحداث الصدمة لدى الجمهور، إلا أن هذا العرض يعمل على إحالة الإبادة إلى مجرد حدث، والفلسطيني وأسرته التي أبيدت مجرد أرقام وأهداف خاضعة لحسابات الجنود والذكاء الاصطناعي الفتاك.
ما كان ينقص الفيلم هو الأنسنة، وهذه الأنسنة كانت لتتحقق من خلال صوت الفلسطيني وإلحاقه بسياق الفيلم، لكي يضفي أيضًا بعدًا حقيقيًا وإنسانيًا للألم والمعاناة. والمقصود هنا أن هذا العالم برمته كان قد شاهد وتابع الإبادة الجماعية بحق غزة على الهواء مباشرة، ولم يكن بحاجة إلى دليل يثبت تورط النظام الصهيوني بقصدية وتعمد هذه الإبادة، والأهم: هل يحتاج هذا العالم حقًا لفيلم يوثق شهادات بضعة مختلين وقتلة متسلسلين لكي ينبثق ضميره الأخلاقي فجأة منخرطًا بتصفيق حار استمر لأكثر من عشرين دقيقة في مهرجان البندقية السينمائي؟
لربما كان من الأجدى وضع الجنود والضباط الذين أدلوا بشهاداتهم أمام مرآة صُقلت من الإبادة ووحشيتها، مرآة يتجلى بها وجه الفلسطيني المدمى والمشوه إثر وحشية وفتك الصهيوني به، دون أدنى تصفيق، بل صمت مشبع بصرخة بقاء، ملؤها محاولة ارتكاب الحياة بعد الإبادة.
باسم خندقجي كاتب فلسطيني وأسير محرر





