في اليوم العالمي لمكافحة الفساد… وصعوبة القضاء عليه
شبكة الخامسة للأنباء - غزة

كتب: عقل أبو قرع:
وفي إطار حملة مكافحة الفساد هذا العام التي تقودها الأمم المتحدة وتستمر لمدة 6 أسابيع، يتم التركيز كل أسبوع على قطاع أو موضوع محدد، فيما يتعلق بمكافحة الفساد، ومنها القطاع الخاص، والتعاون الدولي، والرياضة، والتربية والشباب والنوع الاجتماعي، حيث تهدف الحملة إلى تبادل الممارسات الجيدة والأمثلة على منع الفساد ومكافحته في جميع أنحاء العالم من خلال تعزيز التعاون الدولي في مكافحة الفساد، واسترداد المصادر المسروقة وإعادتها، وتطوير حلول مبتكرة، فضلا عن تعزيز موضوع الوقاية بالتعليم، والاستفادة من مشاركة الشباب في مكافحة الفساد.
والفساد متنوع ومتشعب ومتراكم، وحسب تعريف الأمم المتحدة، الفساد هو ظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية، معقدة تؤثر على جميع البلدان، حيث يقوض الفساد المؤسسات الديمقراطية، ويبطئ التنمية الاقتصادية، ويسهم في الاضطراب الحكومي، ويؤدي إلى انتشار الواسطة والمحسوبية على حساب الكفاءة والمهنية، وفي المحصلة يراكم الجهل والتخلف وتطبيق القوانين، ومنح الحقوق وبالأخص لفئات هشة أو ضعيفة، مثل المرأة وذوي الإعاقة.
والفساد، وبأنواعه، من استغلال السلطة ومن رشوة، ومن اختلاس، ومحسوبية وواسطة، ليس من السهل القضاء عليه، وهو من اهم معيقات التنمية والتقدم بكافة أنواعه، ونلاحظ أن معظم الدول، سواء في محيطنا العربي أو العالم قامت بإنشاء هيئات أو أطر أو أجهزة لمكافحة الفساد، وباتت أي عملية تغيير سياسي في أي بلد تنادي أولا بمكافحة الفساد بكل أنواعه.
وفي بلادنا، أشارت دراسات عديدة إلى أن الواسطة والمحسوبية هما من اكثر أنواع الفساد تفشيا في مجتمعنا الفلسطيني، وبالأخص في القطاع العام، أو حتى في قطاع المجتمع المدني والأهلي والمؤسسات غير الحكومية، وللعمل على مكافحة هذه الظاهرة، فإن ذلك يتطلب وقتا وعملا وجهدا والاهم، العمل على ترسيخ ثقافة الاقتداء بمن يملك المنصب الأعلى والمسؤولية الأكبر والقدرة الأقوى، ويتطلب بث الوعي وتطبيق القانون على الجميع، وبالنزاهة والشفافية، وبالتالي إزالة الانطباع عند الناس أن من تتم محاسبتهم أو ملاحقتهم أو محاكمتهم هم الصغار أو الضعفاء أو الفقراء، أو الذين لا يوجد لهم حماية أو دعم.
ولكي تنجح عملية مكافحة الفساد، فإنها يجب أن تركز على الشباب، حيث معروف إن المجتمع الفلسطيني، هو مجتمع شاب، وحسب الإحصائيات الفلسطينية الحديثة، فإن نسبة الأشخاص في فلسطين من الأعمار 15 سنة واقل تبلغ حوالي 40% من السكان، بينما تبلغ نسبة الأشخاص بين أعمار 15 الى 29 عاما حوالي 30%، هذا يعني أن الاستثمار في هذه النسبة الهائلة من الشباب في بلادنا يعتبر الاستثمار الأهم، وهذا يعني ازدياد الوعي بضرورة الإبلاغ عن الفساد من قبل جيل الشباب.
وتنبع أهمية توعية وتدريب وتثقيف وبناء الشباب الفلسطيني في مجال مكافحة الفساد، وبالإضافة إلى النسبة الهائلة منهم في بلادنا، إلى الأوضاع الخاصة التي نمر بها، من أزمات وصعوبات اقتصادية، ومن عدم وضوح الطريق أو المسارات السياسية، ومن الازدياد المتواصل في أعداد العاطلين عن العمل وبالأخص الشباب والخريجين منهم، وفي ازدياد نسبة الفقر والحاجة، وفي تصاعد التآكل في شبه العلاقات الاجتماعية، وبالتالي فبناء جيل من الشباب من خلال ترسيخ مفهوم مكافحة الفساد وبأنواعه وبالأخص ممارسات الواسطة والمحسوبية، سوف يؤدي ولو على المدى المتوسط أو البعيد إلى تحقيق ما يتطلع له الشباب والمجتمع من بناء مجتمع على أسس النزاهة والمحاسبة ووضع الكفاءة المناسبة في الموقع المناسب.
والاستثمار المستدام في الشباب الفلسطيني لمكافحة الفساد يعني ازدياد الوعي بضرورة الإبلاغ عن الفساد سواء أكان من قبل الأفراد أو من الهيئات. والمطلوب توفير الحماية المعنوية والمادية لمن يقوم بذلك، والمطلوب إرساء ثقافة أهمية العمل في الإبلاغ عن الفساد كثقافة راسخة في مجتمع مثل مجتمعنا.
وهذا كله يتطلب زيادة التواصل مع الشباب الفلسطيني الذي هو الأساس لنجاح مستدام لعملية مكافحة الفساد، ودون شك إن الفساد متنوع وسوف يبقى، ودون شك إن الاستثمار في العدد الهائل من الشباب في مجال مكافحة الفساد في بلادنا، سواء من حيث بث الوعي أو من خلال الإجراءات على الأرض، سوف يؤتي ثماره عاجلا أو آجلا.
ولا يوجد هناك جدال أو شك في صعوبة القضاء على الفساد، وان عملية مكافحة الفساد، هي عملية معقدة وطويلة وشاقة، لأن الفساد بحد ذاته، هو ممارسة وتصرف متشعب ومتجذر ومتنوع، بل واصبح في العديد من المجتمعات والبلدان، أسلوب حياة، ونمطا من التعامل، واصبح وسيلة من اجل الحصول على الفائدة والمصلحة والربح، ومن أشكاله أو أنواعه، بالإضافة إلى الواسطة والمحسوبية، استغلال النفوذ، وعدم النزاهة، والاستهتار بالمصادر العامة، والالتفاف على الحقوق والكفاءة وعدم الاستقامة والجدية في العمل، وهدر الأموال العامة دون حق.
وفي بلادنا، ورغم أن هناك تناميا ملموسا في عملية فهم الفساد وبالتالي محاولة الحد منه على الأقل، وكذلك التنامي في الاهتمام بعملية مكافحة الفساد والاهم في أهمية الإبلاغ عن ممارسات أو عن أوضاع فاسدة، أو أمور أو قضايا لا تتماشى مع القانون، حيث أشارت إحدى الدراسات إلى أن حوالي 70% من المواطنين الذين تم استطلاع آرائهم سيبلغون عن الفساد في حال معرفتهم به، ورغم ذلك، إلا أن التصرفات والوقائع وأنماط التعامل، تؤكد الحاجة لمواصلة ولتعزيز عملية مكافحة الفساد، وربما إلى تغيير في فلسفة أو في خطط مكافحة الفساد.
ولكي تنجح أي خطة وطنية فلسطينية لمكافحة الفساد بشكل مستدام، فإنها تحتاج إلى أن تعتمد على ثقافة المتابعة والتقييم والمراقبة والشفافية والوضوح، وبأن تتم في إطار الاستدامة، أي لا تنهار أو تنتهي نتائج الخطة في مجال مكافحة الفساد مع انتهاء الخطة، وبأن يتواصل التأثير دون الحاجة إلى تدخل أو دعم جديدين، وبأن يكون هناك تركيز على الاستثمار المستدام في البشر، وما لذلك من تواصل آثار هذا الاستثمار، وفي مختلف الأصعدة في مجال مكافحة الفساد.
وبالإضافة إلى دور الأجهزة الرسمية، فإن هناك دورا مكملا لمنظمات المجتمع المدني، كإطار يسلط الضوء وينشر الوعي ويقدم الدراسات وربما الأدلة، وكذلك هناك لوسائل الإعلام دور مهم في عملية مكافحة الفساد برمته، وبالأخص حين القيام بذلك بشكل موضوعي بعيدا عن التهويل أو التزويق أو الإثارة المقصودة أو غير المقصودة.
ومع الانتهاء من الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة الفساد، فإن المواطن الفلسطيني وبصرف النظر عن مكان تواجده أو عمله هو اهم عنصر في عملية مكافحة الفساد، سواء أكان موظفا في القطاع العام أي الحكومة أو في القطاع الخاص، أو في مؤسسات مجتمع مدني وأهلي، أو إن كان أحد المستهلكين لخضار أو لحوم أو معلبات أو أدوية أو مستحضرات طبية فاسدة.


