قراءة نقدية في البيان الختامي للمؤتمر العام الثامن لحركة فتح …

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: يونس العموري
تثار جملة من التساؤلات الجوهرية حول البيان الختامي الصادر عن اعمال المؤتمر العام الثامن لحركة حركة فتح، ليس فقط من حيث مضمونه السياسي والفكري، بل ايضا من حيث آليات اعداده واعتماده داخل المؤتمر نفسه. فهل تمت مناقشة هذا البيان فعليا من قبل اعضاء المؤتمر ضمن جلسات رسمية ومفتوحة؟ وهل اتيحت للاعضاء فرصة ابداء الملاحظات والتعديلات والاعتراضات عليه قبل اقراره؟ وهل جرت المصادقة عليه وفقا للاصول التنظيمية واللوائح الداخلية والاعراف التقليدية التي حكمت مؤتمرات الحركة السابقة، ام انه صدر بصيغة جاهزة تعكس رؤية قيادة محددة اكثر مما تعكس نقاشا تنظيميا جماعيا؟ ثم ماذا عن اللجان التي يفترض انها تشكلت ضمن اعمال المؤتمر، وما طبيعة التقارير التي قدمتها، وما هي توصياتها السياسية والتنظيمية والفكرية؟ وهل تم عرض هذه التقارير على اعضاء المؤتمر ومناقشتها بصورة فعلية؟ وما الذي جرى تحديدا فيما يتعلق بلجنة النظام الداخلي للحركة، وهي من اهم اللجان التي يفترض ان تناقش قضايا البنية التنظيمية والمرجعية الفكرية وآليات العمل الداخلي؟ وهل تم اقرار تعديلات على النظام الداخلي؟ وما مضمونها؟ وهل انسجمت مع التقاليد التنظيمية التاريخية للحركة ام انها عكست تحولات جديدة في طبيعة البنية السياسية والتنظيمية؟ كما يبرز سؤال لا يقل اهمية حول ما اذا كان المؤتمر قد شكل مساحة حقيقية للمراجعة النقدية والتقييم السياسي والتنظيمي، ام انه اقتصر على انتاج بيان ختامي يعيد تثبيت الشرعية السياسية والتنظيمية القائمة دون فتح نقاش عميق حول ازمات الحركة وتحولاتها وتحدياتها الراهنة…
يمثل هذا البيان محاولة من حركة حركة فتح فعليا ، لإعادة تثبيت شرعيتها السياسية والتنظيمية في لحظة فلسطينية شديدة الخطورة، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن أزمة عميقة في تعريف الحركة لنفسها: هل ما تزال حركة تحرر وطني تقود مشروع التحرير، أم انها تحولت الى حزب سلطة يدير ازمة الاحتلال ضمن سقف النظام الدولي القائم؟ فالبيان، رغم لغته العاطفية العالية وكثافة مفرداته الوطنية والثورية، يبدو اقرب الى خطاب دولة او سلطة تسعى لتثبيت حضورها السياسي والمؤسساتي، لا الى خطاب حركة تحرر وطني ما زالت تخوض معركة التحرير والاستقلال في مواجهة احتلال استعماري احلالي. ومن هنا تظهر المفارقة الجوهرية في النص، اذ ان الكثير مما ورد فيه قد يصلح لان يصدر باسم دولة مستقلة او سلطة مستقرة، لكنه لا ينسجم مع طبيعة حركة تحرر يفترض انها ما زالت تناضل من اجل الحرية والاستقلال وتفكيك بنية الاحتلال.
فالبيان يتحدث باستفاضة عن المؤسسات، والانتخابات، والشرعية الدولية، والاصلاح الاداري، والعلاقات الدولية، والاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهي كلها مفاهيم ترتبط بخطاب الدولة والسلطة اكثر مما ترتبط بخطاب حركات التحرر. وفي المقابل، يغيب السؤال المركزي الذي يفترض ان يكون جوهر اي حركة تحرر: كيف سيتم انهاء الاحتلال؟ وما هي ادوات القوة والتحرير؟ وما طبيعة الصراع القائم؟ وما حدود التسوية السياسية؟ وماذا لو فشل المسار الدولي بالكامل؟ فالبيان يركز على النتيجة النهائية المتمثلة في الدولة، لكنه لا يقدم رؤية حقيقية لآلية التحرير نفسها، وكأن الدولة يمكن ان تتحقق عبر التفاوض والشرعية الدولية وحدهما، دون مشروع كفاحي واضح او استراتيجية مواجهة شاملة.
ومن هنا يظهر التحول التاريخي في خطاب الحركة، اذ ان البيان يحصر المشروع الوطني عمليا في اقامة دولة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، بينما كانت ادبيات الحركة التقليدية، وحتى ديباجة نظامها الداخلي، تتحدث عن فلسطين التاريخية بحدودها الاستراتيجية. وهذا يعني ان الخطاب لم يعد يتحدث عن تحرير فلسطين بوصفها قضية استعمار استيطاني شامل، ولا عن تفكيك المشروع الصهيوني، بل عن دولة ضمن حدود سياسية محددة، الامر الذي يعكس انتقال الحركة من منطق التحرير الشامل الى منطق الدولة تحت سقف النظام الدولي القائم. والنقد هنا ليس نقدا عاطفيا، بل نقد فكري وسياسي، لان حركات التحرر عادة تطرح مشروعا تحرريا طويل الامد، او على الاقل رؤية مقاومة شاملة، بينما يتبنى البيان بالكامل مفاهيم الشرعية الدولية وحل الدولتين والقرارات الاممية والاعتراف الدولي، وكأن التحرير اصبح مسألة قانونية ودبلوماسية اكثر منه فعلا ثوريا تاريخيا.
ويظهر ذلك بوضوح ايضا في حديث البيان عن المقاومة، اذ انه يكرر مفهوم “المقاومة الشعبية السلمية” بوصفه الخيار المركزي، رغم ان الواقع الفلسطيني يشهد حرب ابادة في غزة، واستيطانا شاملا في الضفة، وتهجيرا متواصلا، وتسليحا واسعا للمستوطنين. ومع ذلك، لا يقدم البيان اي تصور لتطوير اشكال المقاومة او تصعيدها، بل يبقيها ضمن سقف الفعاليات الشعبية واللجان المجتمعية. وهذا يطرح سؤالا اساسيا: هل يمكن لحركة تحرر وطني ان تواجه مشروعا استعماريا احلاليا عسكريا فقط بالمقاومة السلمية، بينما تستمر في الوقت نفسه بالالتزامات السياسية والامنية التي نشأت بعد اتفاق اتفاق أوسلو؟ واللافت ان البيان يتجنب تماما الحديث عن التنسيق الامني، او مراجعة اتفاق اوسلو، او اعادة بناء العقيدة النضالية، او حتى تقييم فشل مسار التسوية، وهو ما يعني ان الحركة ما تزال اسيرة البنية السياسية التي تأسست بعد اوسلو، رغم التحولات الهائلة التي شهدتها القضية الفلسطينية خلال العقود الماضية.
وفي الوقت نفسه، يحاول البيان الجمع بين خطاب الثورة وخطاب السلطة، فيستخدم بكثافة مفردات مثل الشهداء والثورة والنضال والصمود والتحرير والاحتلال الفاشي، لكنه في الجوهر السياسي يركز على الحكم الرشيد، والشفافية، والاصلاح الاداري، والحكومة، والعلاقات الدولية، والشرعية الدولية. وهذه كلها لغة دولة او سلطة تسعى الى الادارة والاستقرار، لا لغة حركة تحرر تواجه استعمارا وجوديا. وهنا تتجلى ازمة الحركة منذ اوسلو: هل هي سلطة تحت الاحتلال ام حركة تحرر ضد الاحتلال؟ فالبيان يحاول الجمع بين الدورين، لكنه يفشل في حل التناقض القائم بينهما.
كما ان البيان يكرر بصورة لافتة الحديث عن الامم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية، والقرارات الدولية، والاعترافات الدولية، والمجتمع الدولي، رغم ان التجربة الفلسطينية الطويلة اثبتت ان الشرعية الدولية لم توقف الاستيطان، ولم تمنع الحروب، ولم تقم الدولة، ولم تنه الاحتلال. ومع ذلك ما يزال البيان يراهن عليها باعتبارها الاداة الرئيسية لتحقيق الاهداف الوطنية، الامر الذي يكشف نوعا من العجز الاستراتيجي، اذ لم تعد الحركة تمتلك مشروع قوة ذاتية حقيقي، بل تنتظر ضغطا دوليا قد لا يأتي ابدا.
والاهم من ذلك ان البيان يخلو تماما من اي مراجعة نقدية حقيقية للتجربة السابقة. فاي حركة تحرر وطني، بعد كل هذه التحولات والانكسارات، كان يفترض ان تسأل نفسها: لماذا فشل مشروع اوسلو؟ ولماذا تآكلت شعبية الحركة؟ ولماذا تصاعد الانقسام؟ ولماذا فقدت السلطة قدرتها السيادية؟ ولماذا توسع الاستيطان رغم المفاوضات؟ ولماذا انهار حل الدولتين عمليا؟ لكن البيان لا يقدم اي نقد ذاتي، بل يوحي وكأن المشكلة تكمن فقط في تعنت الاحتلال، بينما الازمة اعمق من ذلك بكثير، فهي ازمة استراتيجية وقيادة وشرعية شعبية وبنية سياسية كاملة.
كما ان طرح الوحدة الوطنية في البيان يأتي من موقع الهيمنة السياسية لا من موقع الشراكة الوطنية الحقيقية، حين يؤكد ان الوحدة لا تتحقق الا ضمن اطار منظمة التحرير الفلسطينية وبالالتزام بشرعيتها والتزاماتها الدولية، ما يعني عمليا ان اي فصيل يريد الوحدة عليه ان يقبل مسبقا بالسقف السياسي القائم، بما فيه منطق اوسلو والشرعية الدولية وبرنامج المنظمة الحالي، الامر الذي يجعل الوحدة المطروحة اقرب الى الاندماج في المشروع القائم لا الى اعادة بناء مشروع وطني جديد قائم على الشراكة.
ورغم ان البيان يعتمد بقوة على الرمزية الوطنية من خلال الحديث عن القدس والشهداء والاسرى والنكبة وياسر عرفات والصمود، بما يمنحه بعدا وجدانيا مؤثرا، الا ان هذه الكثافة الرمزية تبدو احيانا محاولة لتعويض غياب برنامج تحرري واضح ومحدد. فالخطاب العاطفي يحاول سد الفراغ الاستراتيجي، ويعوض غياب الرؤية العملية للتحرير.
وفي المحصلة، يكشف البيان عن تحول عميق في طبيعة الحركة، اذ تبدو اليوم اقرب الى “حركة وطنية تسعى لاقامة دولة عبر النظام الدولي” منها الى “حركة تحرر تسعى لتحرير الارض عبر مشروع ثوري”. فهي تدير سلطة، وتبحث عن اعتراف دولي، وتراهن على الدبلوماسية، وتحاول الحفاظ على مكانتها التمثيلية، بينما تراجعت فكرة الكفاح التحرري الشامل وفكرة الاشتباك الاستراتيجي مع المشروع الصهيوني. ولذلك، فان البيان، رغم قوته اللغوية والعاطفية وتمسكه بالهوية الوطنية الفلسطينية والدفاع عن القدس وغزة والاسرى ووحدة الشعب الفلسطيني، يعاني من تناقضات فكرية وسياسية واضحة، اهمها غياب استراتيجية تحرير واضحة، والارتهان للشرعية الدولية رغم فشلها، وتجنب مراجعة تجربة اوسلو، واختزال المقاومة في الشكل السلمي المحدود، والخلط بين منطق الثورة ومنطق السلطة، وغياب النقد الذاتي، والتعامل مع الوحدة الوطنية من موقع الهيمنة لا الشراكة.
ومن هنا يبدو البيان في جوهره اقرب الى وثيقة لتثبيت الشرعية السياسية والتنظيمية منه الى برنامج تحرر وطني جديد. وهذا تحديدا هو التحدي الاكبر امام حركة فتح اليوم: هل ما تزال قادرة على اعادة تعريف نفسها كحركة تحرر وطني حقيقية في ظل واقع السلطة والاحتلال معا، ام انها باتت تتحرك بالكامل ضمن منطق الدولة قبل التحرير؟





