مقالات الخامسة

كنعان… من الأسطورة إلى المقاومة إلى الراهن

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: يونس العموري

ليست كنعان اسما قديما في خرائط الغابرين، ولا حاشية في كتاب التاريخ، بل هي الذاكرة الاولى حين تعلم الحجر كيف يحفظ خطوات البشر، وحين اكتشفت السماء ان الارض تستطيع ان تكون صلاة مفتوحة. هنا كانت السنابل تحفظ اسم الفصول، وكانت الزيتونة تكتب وصيتها في جذورها، وكان البحر يحمل الى الشاطئ حكايات القادمين ثم يعيدهم الى حقيقتهم، فلا يبقى الا من عقد مع التراب عهدا لا ينقض. في هذه البقعة لم يكن الزمن يسير على استقامة واحدة، بل كان يدور كرحى قديمة، يعيد الاسماء نفسها في وجوه مختلفة، ويعيد المأساة ذاتها بثياب جديدة، حتى بدا وكأن كنعان خلقت لتكون امتحان الانسان الدائم بين العدل والطمع، وبين القداسة والقوة.

يقال ان الاساطير تولد حين يعجز الواقع عن تفسير نفسه، لكن كنعان كانت اسطورة قبل ان تعرف الحكاية معناها، وكانت الحقيقة قبل ان يبتكر الناس الخيال. في جبالها كانت الارواح القديمة تهمس للاودية، وفي كهوفها خبأت الازمنة الاولى اسرارها، وعلى سهولها مرت قوافل الملوك والغزاة والانبياء، وكل منهم ظن انه امتلك الارض، بينما كانت الارض وحدها تعرف ان الجميع عابرون، وان الباقي هو من يزرع شجرة، او يبني بيتا، او يترك طفلا يحفظ اسم القرية كما يحفظ اسمه.

هنا عبر ابراهيم وهو يحمل يقينه اكثر مما يحمل زاده، وهنا سار يعقوب مثقلا بالشوق، وعاد يوسف في ذاكرة الغياب قبل أن يعود في الجسد، وهنا رفع داود صوته بالمزامير حتى صار الجبل صدى لتسبيحه، وفي هذه الارض ولد يوحنا شاهدا على النور، وسار المسيح بين القرى يزرع الرحمة في القلوب قبل الحقول، وعلى ترابها اسري بالعدناني الرسول الامين محمد في رحلة جمعت الارض بالسماء، فكأن الرسالات جميعها مرت من هذا الباب لتقول أن القداسة لا تسكن الحجر وحده، بل تسكن العدل الذي يحرسه.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

لكن كنعان لم تكن تعرف ان القادم من وراء البحر سيحاول ذات يوم ان يعيد كتابة حكايتها بقلم القوة، وأن الذين حملوا خرائط الامبراطوريات سيظنون ان خطوطا على الورق تستطيع ان تمحو ما حفرته القرون في الذاكرة. جاء الانتداب، وجاءت معه وعود لا تشبه اهل الارض، وبدأت البلاد تشعر بأن يدًا غريبة تمتد الى مستقبلها، وأن السؤال لم يعد من يحكمها فقط، بل من يبقى فيها ومن يُدفع الى خارجها. ومن بين القرى والجبال خرج رجل يحمل في قلبه ما هو اثقل من البندقية، فصعد الى الجبل، وجعل من الارض مدرسة للمقاومة، وحين سقط شهيدا لم يسقط اسمه، بل بقي كأنه شرارة خبئت تحت الرماد، تنتظر جيلا آخر كي تنفخ فيها الريح.

ثم تكلمت فلسطين كلها. اغلقت المدن اسواقها، وصمتت الموانئ، وصعد الرجال الى الجبال، وبدأت الثورة الكبرى، لا كحادثة في كتاب، بل كصرخة شعب شعر ان بيته مهدد وان الصمت قد يصبح شريكا في اقتلاعه. كانت القرى تخبئ رجالها، وكانت النساء يحملن الطعام الى المطاردين، وكان الفلاح يعود الى حقله بعد ان يضع بندقيته تحت شجرة الزيتون، وكان الليل يغطي خطى الرجال وهم يعبرون الوهاد والجبال. وحين كثرت السجون والمشانق والنفي، لم تتوقف الحكاية، لأن الثورة التي تُقمع في الميدان قد تنتصر في الذاكرة، ولأن الدم الذي يسقط في الارض لا يختفي، بل يتحول احيانا الى بذرة.

ثم جاء ذلك العام الذي انكسرت فيه البلاد دفعة واحدة، فصار للنكبة وجه كل بيت خرج منه اهله، وكل قرية غاب اسمها عن الخريطة، وكل امرأة اغلقت بابها وهي تظن انها ستعود غدا. خرج الناس من الساحل والجليل والمدن والقرى، حملوا ما استطاعوا من متاع، وحملوا معهم المفاتيح، ولم يعرفوا ان الحديد الصغير سيصبح ذات يوم وثيقة وطن، وأن المفتاح الذي وضعه شيخ في جيبه سيبقى بعد موته اكثر قدرة على الكلام من كثير من الخطب. وفي تلك الايام سقط رجال في الطرقات والجبال، ودافع آخرون عن القدس والقرى، لكن المأساة كانت اكبر من بندقية، فقد اقتُلع الانسان من مكانه، وحاولت القوة ان تجعل الاقتلاع حقيقة نهائية.

غير أن فلسطين لم تخرج من فلسطين. خرجت من البيت الى الذاكرة، ومن الحقل الى الاغنية، ومن القرية الى المخيم، ومن الجدار الى اسم الجدة. صار اللاجئ يحمل وطنه في لسانه، وصار الطفل الذي ولد بعيدا عن قريته يعرف اسمها كما يعرف اسم ابيه. كلما حاولت الخرائط ان تقول ان قرية ما انتهت، كانت الذاكرة ترد باسمها. وكلما قيل ان جيلا قد نسي، كانت الجدات يفتحن صندوقا قديما، يخرجن صورة او مفتاحا او قطعة من تراب، ويقلن للطفل: هنا كان بيتنا. وهكذا صار النسيان هو المعركة التي رفض الفلسطيني ان يخسرها.

ثم جاء الاحتلال الجديد للارض التي بقيت من فلسطين، فامتدت الحدود والحواجز والمستوطنات، وصارت القدس محاصرة بسياج من القوة والسياسة، وصارت القرى تعرف معنى ان يستيقظ الانسان فيجد طريقه مقطوعا، او حقله خلف جدار، او بيته مهددا. لكن الارض لم تتوقف عن انتاج مقاومتها. خرج من المخيم رجل يحمل الكوفية، ومن الزقاق شاب يحمل بندقية، ومن المدرسة طفل يحمل حجرا، ومن السجن اسير يحمل سنواته، ومن بين النساء ام تحمل صورة ابنها وتعرف ان صورته ليست خاتمة الحكاية. لم تكن الوجوه هي المهمة بقدر ما كان الرمز الذي حملته: فلسطين التي ترفض ان تكون مجرد ذكرى.

ثم جاء الحجر، صغيرا في اليد، كبيرا في المعنى، وكأن الجبل نفسه اقتطع قطعة منه ووضعها في كف طفل. لم يكن الحجر سلاحا بالمعنى العسكري، لكنه كان اعلانًا بأن الاحتلال يستطيع ان يملك الدبابة ولا يستطيع ان يملك الروح. خرجت الازقة من صمتها، وارتفعت الاصوات، واغلقت المحال ابوابها، واصبح العصيان اليومي شكلا من اشكال المقاومة، وصارت فلسطين كلها تعرف ان الطفل الذي يقف امام الجندي ليس مجرد طفل، بل صورة لوطن يقف أمام قوة تريد اختزاله في رقم.

ثم جاء الذين قالوا ان زمن المقاومة انتهى، وان الطريق الى فلسطين يمر عبر طاولة المفاوضات، وان السلام يمكن ان يصنعه من لا يزال يحتل الارض. حملوا الى الجرح لغة جديدة، وقالوا للفلسطيني .. خذ سلطة على بعض الارض، واترك ما تبقى للوعود ، خذ خريطة ناقصة، وانتظر ان تكتمل، دع المفتاح في الذاكرة، واترك حق العودة للمستقبل، وسموا ذلك كله سلاما. لكن اي سلام هذا الذي لا يعيد الارض الى اصحابها، ولا ينهي الاحتلال، ولا يحرر القدس، ولا يعيد اللاجئ الى بيته ..؟ وأي تسوية تلك التي تجعل الضحية تفاوض على مقدار ما يسمح لها به من وطن، بينما يبقى صاحب القوة ممسكا بالارض والحدود والماء والسماء ..؟

كان ذلك السلام المزعوم يشبه مرآة مكسورة، كل طرف يرى فيها الصورة التي يريد، بينما يبقى وجه فلسطين غائبا عنها. وما سمي مسيرة للتسوية لم يكن في جوهره طريقا الى التحرر، بل محاولة لترويض القضية وتحويلها من قضية شعب اقتُلع من ارضه الى قضية ادارة شؤون تحت الاحتلال. لكن فلسطين اكبر من سلطة، والقدس اكبر من مقعد على طاولة، واللاجئ اكبر من بند مؤجل، والارض لا تقبل ان تتحول الى نصف حكاية. ولهذا بقيت كنعان، في اعماقها، ترفض ذلك السلام الذي طلب من الجرح ان يوقع على شهادة شفائه قبل ان يتوقف النزيف.

وعندما ضاقت مساحة الارض، اتسعت مساحة المقاومة. في ارض النخيل والفقر والحصار ، حيث البحر من جهة والحدود من جهات اخرى، تعلم الناس ان الحصار لا يعني نهاية الحياة. هناك، في الازقة التي تعرف اسماء شهدائها، وفي البيوت التي تهدمت ثم عادت، وفي المدارس التي حملت آثار القصف، بقيت الحياة نفسها فعل تحد. وفي القدس ظل الحجر القديم يعرف ان المدينة ليست حجارة واسوارا، بل ميزان للضمير. وفي القرى بقي الفلاح يزرع الزيتون في الارض التي يريدون اقتلاعها، وكأن كل شجرة يقولها الفلسطيني في التراب هي جملة ناقصة من مشروع النسيان.

ثم جاءت الحروب التي حاولت ان تجعل غزة عبرة، فإذا بها تتحول الى شاهد. كلما ارتفع الركام، ظهر من تحته طفل ، وكلما سقط بيت، خرجت منه ام تحمل صورة، وكلما اغلقت المعابر، بقي البحر يتنفس امام المدينة. وفي المآسي الكبرى لم يعد السؤال من يملك السلاح الاقوى، بل من يستطيع ان يبقى انسانا وسط كل هذا الخراب. الطبيب الذي يعمل وسط النقص، والصحفي الذي يحمل كلمته وسط الخطر، والام التي تبحث عن طفلها، والاب الذي يجمع ما تبقى من بيته، والطفل الذي يكتب اسمه على جدار الخيمة، كل هؤلاء صاروا وجوها جديدة للحكاية القديمة.

واليوم، حين تنظر فلسطين الى نفسها من بحرها الى نهرها، ومن جليلها الى نقبها، ومن قدسها الى غزة، ومن نابلس الى الخليل، تبدو وكأنها تعيش الفصل ذاته من كتاب قديم، كتاب تتبدل فيه الوجوه ولا يتبدل السؤال. ما زال من يملك القوة يظن ان الركام انتصار، وما زال الفلسطيني يعرف ان البيوت يمكن ان تهدم، لكن الذاكرة لا تهدم، وان الشجر يمكن ان يحرق، لكن الجذر يعرف طريقه الى الضوء. وما زال هناك في كل قرية اسم لا يقبل المحو، وفي كل مخيم مفتاح، وفي كل بيت صورة، وفي كل جيل طفل يتعلم ان الوطن ليس ما تقوله الخرائط، بل ما يقوله القلب حين ينادي المكان باسمه.

وهكذا تبقى كنعان، لا تبحث عن شهادة من التاريخ لانها كانت شاهدة عليه، ولا تحتاج الى من يمنحها معنى لانها كانت منبع المعاني. لقد مر عليها الغزاة والامبراطوريات والانتدابات والجيوش، ومرت عليها مشاريع التقسيم والتوطين والتسوية والسلام المزعوم، وتغيرت الرايات، لكن الارض لم تغير عهدها. كل الذين ظنوا انهم يستطيعون امتلاكها اكتشفوا انهم يستطيعون السيطرة على الحجر، لكنهم لا يستطيعون السيطرة على معناه، ويستطيعون اقتلاع الانسان من بيته، لكنهم لا يستطيعون اقتلاع البيت من ذاكرته.

فلسطين ليست مجرد قضية تنتظر حلا، لانها حكاية شعب لم يقبل ان يصبح حاشية في تاريخ غيره. وليست مجرد حدود يمكن رسمها على طاولة، لان الارض التي حملت خطى الانبياء والراحلين والثوار والشهداء واللاجئين لا تختصرها خطوط الحبر. وهي ليست نزاعا بين طرفين كما تحب بعض الخرائط الحديثة ان تسميها، لان وراء الحجر انسانا، ووراء المفتاح بيتا، ووراء القرية جيلا، ووراء الجيل تاريخا لا يستطيع احد ان يمنحه او يسلبه.

ولذلك ستبقى كنعان تكتب. تكتب في جذع الزيتونة، وفي حجر القدس، وفي تراب القرى، وفي مفاتيح اللاجئين، وفي ذاكرة الامهات، وفي عيون الاطفال، وفي كل يد ترفض ان تسقط من على خريطة الوجود. وربما لهذا كله لا تزال هذه الارض تقف، لا بوصفها بقعة تتنازعها القوى، بل بوصفها مرآة يرى فيها العالم صورته الحقيقية، فيعرف من انحاز الى العدل، ومن اختار القوة، ومن باع الحقيقة بوهم السلام، ومن فهم ان السلام الذي لا يسبقه العدل ليس الا هدنة بين جرحين.

واذا كان الليل قد طال، فان كنعان تعرف شيئا لم تنسه منذ ايامها الاولى .. ان الفجر لا يحتاج الى اذن من الليل كي يأتي. وان الزيتونة، مهما قطعت اغصانها، تحتفظ في جذورها بسر العودة. وان الحجر، مهما صمت، يحفظ الخطوات. وان الطفل الذي يولد في المنفى قد يحمل في دمه طريقا الى بيت لم يره. وان الحكايات العظيمة قد تتأخر، لكنها لا تموت.

فكنعان، في النهاية، ليست الارض التي بقيت بعد كل الذين مروا عليها، فحسب، بل هي الارض التي جعلت من البقاء نفسه مقاومة، ومن الذاكرة وطنا، ومن الحكاية عهدًا، ومن كل جيل شاهدًا على الجيل الذي سبقه…

ولهذا، مهما طال الليل، ومهما كثرت الخرائط، ومهما ارتفعت الجدران، ومهما تغيرت اسماء الذين يأتون من وراء البحر، سيظل في هذه الارض شيء لا يخضع ..ذلك العهد القديم بين الانسان وترابه… وعندما يأتي الفجر، لن تسأل كنعان من كان اقوى… ستسأل فقط .. من بقي وفيًا للأرض، ومن خانها ..؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى