مقالات الخامسة

ماذا بعد التراجع المؤقت للضربة على إيران

شبكة الخامسة للأنباء - غزة

كتب: فراس ياغي

كتب الكثيرين عن اسباب تراجع ترامب عن توجيه ضربتة التي كانت وشيكة لإيران، البعض رأى أن السبب هو تغيير مفهوم الأمن القومي الإيراني وأنها سترد على إسرائيل والقواعد العسكرية الأمريكية مما يهدد حلفاء أمريكا المقربين ويهدد النفط والغاز في المنطقة وأن المعارك المستمرة منذ سنتين أنهكت المنطقة وهي غير قادرة على تحمل معركة كبرى قد تبدأ ولا تنتهي، وقال البعض الآخر أن لدى إيران أسلحة جديدة وتكنولوجيا روسية وصينية جعلت فضاء إيران أعمى أمام الأقمار الصناعية وبغض النظر عن نوعها، بل ذهب آخرين للقول أن في قبضة إيران عملاء أمريكيين وإسرائيليين تم إعتقالهم، كما أن آخرين تحدثوا عن تراجع الإحتجاجات وعودة سيطرة الدولة هو السبب، أما البعض الآخر فقال بأن الضربة لن تُسقط النظام وبالتالي الضربة لن تُحقق الهدف، لذلك يجب تأجيل الضربة…الخ

قد يكون كل ما ذكر حول ذلك صحيحاً، وقد تكون هذه العوامل أعلاه جميعا هي السبب، حتى أن البعض عزا تأجيل الضربة للوساطات الخليجية العُمانية والسعودية والقطرية، والتي طالبت بإعطاء إيران فرصة لكي تُثبت حسن نيتها

لكني أعتقد أن العامل الحاسم في تأجيل الضربة هو إتصال تلفوني من نتنياهو للرئيس ترامب الذي أبدى تشاؤمه من أن تؤدي الضربة لإسقاط النظام في إيران، وبما يعني ذلك من تحول إسرائيل لأهداف للصواريخ الإيرانية غير معروف مدتها وحجمها وطبيعتها، وكما يبدو إسرائيل غير مستعدة للذهاب لأبعد الحدود في معركة مع إيران خاصة إذا لم يستمر الأمريكي إلى جانبها بعد الضربة وهو بالتأكيد لن يستمر وفقا لعقلية ترامب والذي لا يبحث عن حروب طويلة، بل ضربات قصيرة وقاضية، وقد أشار لذلك السيد أمير موسوي المقرب من الإستخبارات الإيرانية في لقاء على إحدى الفضائيات العراقية، حيث قال: إن عدم جاهزية إسرائيل لتحمل الرد الإيراني هو السبب المباشر في تأجيل الضربة، وأنه في اللحظة التي تستعد فيها إسرائيل فسوف يقوم الأمريكي بتوجيه ضربته، حيث يريدون أن تبدأ هذه الضربة بإغتيال القائد خامنئي

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

إذا المخطط الإسرائيلي كان فيه الكثير من الآمال أكثر من كونه واقعي، آمال بإسقاط النظام عبر إضعاف مراكز القوة فيه وفي ظل وجود تمرد داخلي، ولكن كما يبدو نجحت إيران في وقف التمرد وإستطاعت إحتواءه

السؤال الآن ماذا بعد؟

يبدو أن زيادة الضغط الإقتصادي على إيران وحسم ملفات لبنان وغزة، وانتظار اللحظة المناسبة لتوجيه الضربة لإيران هي ما سيكون على جدول الأعمال الأمريكي والإسرائيلي، وما إرسال حاملات الطائرات الأمريكية للمنطقة إلا جزءا من الإستعداد الجيد، إضافة إلى إرسال مضادات جوية بقصد حماية إسرائيل أولا وأخيرا

صحيح أن الضربة تراجعت لأسباب إسرائيلية قبل اي اسباب اخرى، ولكن لم يتم إلغاؤها وسوف ينتظرون الفرصة المناسبة، بل قد ينفذونها في وقت قريب بعد أن يضمنوا أهداف كبيرة قد تؤثر على مستقبل النظام وتضعفه، بمعنى الذهاب لإغتيال القائد خامنئي وقيادات الحرس الثوري والمؤثرين في القيادة الذين يمنعوا توجهات جديدة كما حدث في فنزويلا

وللعلم فأمريكا ترامب لا تعطي بالا للعرب والخليجيين كثيرا، وإلا لرأينا تغيرات كبيرة في المنطقة أساسها وقف الوحشية الإسرائيلية، لكنها تفعل ما تريده إسرائيل وستبقى كذلك

النفط في الخليج اغلبه يذهب إلى الصين وشرق آسيا واليابان والغاز إلى اوروبا، وامريكا لديها ما يكفي إلى جانب السيطرة على نفط فنزويلا، لذلك فإن العامل في ما قد يتعرض له الإقليم وبالذات أصدقاء أمريكا في دول الخليج ليس هو الحاسم في تأجيل الضربة

أما قصة التعرض لخسائر نتيجة الرد الإيراني في القواعد الأمريكية وفي مياه الخليج فهذا اصلا أخذ بعين الإعتبار حين تم إقرار توجيه الضربة، لكن الضعف الحقيق موجود في الخاصرة الإسرائيلية، لذلك أوقفت الضربة مؤقتا، والإسرائيلي كان يُشجع الضربة لأنه إعتقد أنها ستسقط النظام، وهو يعلم أن الأمريكي لن يستمر في ضرباته إذا لم يسقط النظام، لذلك من سيتعرض لضربات كبيرة هي إسرائيل أكثر من غيرها

المعادلة في منطقة غرب آسيا بحاجة لإتخاذ قرارات حاسمة، فإما الذهاب نحو الإستقرار عبر الذهاب إلى تسويات تؤدي إلى مسار سياسي وفق خارطة طريق واضحة بتدخل أمريكي ودولي، وإما الذهاب نحو التصعيد، فلا يمكن بقاء ملفات الأزمة مفتوحة وفقا لرغائب خفية نتنياهوهية أساسها تحقيق مصالح شخصية مغلفة بمفاهيم التغيير الجيوسياسي، ولكن للاسف منطق القوة ومزيد من القوة في عهد الثنائي ترامب – نتنياهو سيكون هو سيد المنطقة وسيد المنطق في التعامل معها

عندما بدأت الإحتجاجات في إيران، غرد مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي الاسبق ورئيس أل سي آي إيه الأسبق بعبارة لافتة ومثيرة للجدل، حيث وجه فيها التهنئة بالعام الجديد للمحتجين الإيرانيين، حيث قال: “عام جديد سعيد لكل إيراني ينزل إلى الشوارع، وكذلك لكل عميل للموساد يسير إلى جانبهم”، في إشارة صريحة منه إلى وجود عناصر استخباراتية أجنبية إلى جانب المحتجين.، وهذه الإشارة تكفي لمعرفة أن الموقف الإسرائيلي في إتخاذ قرار الضربة من تأجيلها هو الحاسم بالنسبة للأمريكي، لذلك كان الإتصال المتشائم من إمكانية إسقاط النظام في إيران من قبل نتنياهو للرئيس ترامب كفيلا بوقف وتأجيل الضربة الأمريكية لإيران

ترامب ونتنياهو هما الأمير في قصة ميكافيلي، وكما يبدو مستقبل المنطقة هو بأيدي الإثنان، وبنظرة سريعة للعقلية التي تحكمها، نجد أن غاياتهم وأهدافهم وغرورهم ونرجسيتهم تُبرر لهم وسائلهم، وهذه الوسائل منطقها الوحشية والقوة لإخضاع الدول وقادتها بالمفهوم القيصري الروماني، وبمفهوم أباطرة ما قبل الميلاد

وعليه، المنطق العقلي والدبلوماسية وسحب الذرائع لا يُجدي نفعا معهما، فقط منطق “هيهات منا الذلة”، ومنطق كما نتألم سوف تتألمون، هو الرد الواقعي على أوهامهما في فرض الذلة والخضوع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى