ثابت

من رفح إلى “حرب الكهوف”.. مأزق عسكري إسرائيلي واستنزاف طويل الأمد

شبكة الخامسة للأنباء - غزة

تتواصل العمليات العسكرية الإسرائيلية في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، وسط دمار غير مسبوق شبّهته مصادر ميدانية بدمار دريسدن الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية.
ورغم ما تصفه إسرائيل بـ«السيطرة العملياتية»، يقرّ ضباط في الجيش بأن التحرك داخل المدينة بات شبه مستحيل من دون الاعتماد الكامل على أنظمة تحديد المواقع، في ظل اختفاء معالم الشوارع والمباني كليًا تحت الأنقاض.

وأفادت مصادر مطلعة بأن الجيش الإسرائيلي يواصل عمليات «تطهير» منهجية للمناطق الواقعة شرق «الخط الأصفر» من الأنفاق والمقاتلين، غير أن الوقائع الميدانية تكشف مأزقًا متفاقمًا؛ إذ أدى التدمير الواسع للمباني إلى نشوء فراغات ومسارات جديدة داخل الركام، استغلها مقاتلو حماس للاختباء والاشتباك من مسافات قصيرة جدًا.

وبحسب تقارير ميدانية، فإن الجيش الإسرائيلي، وبعد أشهر طويلة من القتال، لا يزال يفتقر إلى خريطة دقيقة وشاملة لشبكة الأنفاق المعقّدة تحت الأرض. وتعتمد القوات حاليًا على حفّارات ثقيلة تعمل بصورة شبه عشوائية بين الأنقاض بحثًا عن فتحات ومخابئ، في عملية يُتوقع أن تمتد لسنوات من دون ضمان تحقيق حسم عسكري واضح.

على المستوى القيادي، تشير تقديرات استخباراتية إلى أن حماس لم تتحول إلى تنظيم «بلا رأس»، كما يُروّج في بعض الخطاب الإعلامي، بل ما زالت تحتفظ بهيكل قيادة فاعل داخل القطاع. وتبرز أسماء عز الدين الحداد ومحمد عودة بوصفهما من أبرز القادة الميدانيين الفاعلين في الجناح العسكري للحركة، في ظل تضرر واسع في صفوف القيادات الوسطى والدنيا.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

وتكشف معطيات مسرّبة من أجهزة استخباراتية أن كتائب القسام ما تزال تضم ما بين 20 و26 ألف عنصر يتقاضون رواتب منتظمة، وهو رقم يقل بنحو 15 ألفًا عمّا كان عليه قبل أكتوبر، لكنه يظل كافيًا – وفق تقديرات عسكرية – لخوض حرب استنزاف طويلة ضد القوات الإسرائيلية.

ماليًا، تعتمد الحركة بشكل رئيسي على نظام «الحوالة» لتحويل الأموال بعيدًا عن الرقابة المباشرة، إلى جانب فرض جبايات داخلية في القطاع. كما تستغل تدفق المساعدات الإنسانية والبضائع لدعم قدرتها على دفع الرواتب وتجنيد عناصر جديدة، خصوصًا من فئة الشباب الذين راكموا خبرات قتالية ميدانية خلال الأشهر الماضية.

وفي ما يتعلق بالقدرات العسكرية، تشير تقديرات الخبراء إلى أن حماس فقدت جزءًا كبيرًا من مخزونها من الصواريخ والطائرات المسيّرة الانتحارية وبعض الأنظمة المتقدمة المضادة للدروع. ومع ذلك، يرى مختصون أن السيطرة الميدانية على الأرض لا تتطلب بالضرورة أسلحة ثقيلة، إذ يكفي امتلاك أسلحة خفيفة وقنابل يدوية لفرض النفوذ على السكان ومنع نشوء بدائل حكم محلية.

في المقابل، لا تزال أجهزة الأمن العام والأمن الداخلي التابعة لحماس تنشط سرًا وعلانية في ملاحقة من تصفهم بـ«المتعاونين» مع الاحتلال أو مع مجموعات مدعومة إسرائيليًا، معتمدة على شبكة واسعة من المخبرين للحفاظ على الانضباط التنظيمي والاجتماعي، وهو ما يعرقل أي محاولة لفرض إدارة مدنية تكنوقراطية لا تحظى بموافقة الحركة.

سياسيًا، تتصاعد الخلافات حول مستقبل نزع السلاح؛ إذ ترفض حماس التخلي عن «حق المقاومة» أو تسليم خرائط شبكة الأنفاق. وفي المقابل، تدرس الإدارة الأميركية مقترحات تتيح بقاء أسلحة خفيفة بمدى محدود لدى أجهزة أمن محلية، وهي مقاربة تعتبرها إسرائيل «غير واقعية» ولا توفر أمنًا طويل الأمد.

ومن وجهة نظر قيادة الحركة، فإن ما جرى منذ السابع من أكتوبر لا يُعد هزيمة، بل خطوة استراتيجية أعادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة الدولية وأربكت مسارات التطبيع الإقليمي. وتعتبر الحركة أن قدرتها على البقاء في الحكم وإدارة القطاع تحت القصف تمثل «إنجازًا» يتجاوز مفهوم النصر العسكري التقليدي.

وتستند الرؤية المستقبلية للحركة إلى أدبيات مؤسسها أحمد ياسين، مع التركيز على إعادة بناء القدرات العسكرية والمدنية تدريجيًا، واعتبار المرحلة الراهنة «توقفًا مؤقتًا» لالتقاط الأنفاس قبل جولات مواجهة جديدة.

وبحسب مصادر أمنية، فإن حماس مستعدة تكتيكيًا للتخلي عن المظاهر العلنية للحكم والوزارات لصالح لجنة تكنوقراط، شريطة الاحتفاظ بالسيطرة الفعلية على الأرض، عبر دمج آلاف العناصر الأمنية التابعة لها ضمن أي جهاز شرطة مستقبلي بما يضمن بقاء الولاء التنظيمي هو المحدد الرئيسي للأمن.

ويبقى محور فيلادلفيا والأنفاق الحدودية نقطة الخلاف الجوهرية، إذ تصر إسرائيل على أن وقف التهريب هو الضمانة الأساسية لمنع تعافي حماس عسكريًا. غير أن معطيات ميدانية تشير إلى أن الحركة ما زالت قادرة على تصنيع جزء من أسلحتها محليًا اعتمادًا على مخزونات كبيرة من المواد الخام جرى تأمينها خلال سنوات سابقة.

وفي الخلاصة، يواجه صانع القرار في إسرائيل خيارات بالغة الصعوبة: القبول ببقاء حماس قوة حاكمة فعلية على الأرض، أو العودة إلى احتلال عسكري شامل ومباشر للقطاع. ومع غياب بديل سياسي فلسطيني مقبول لدى الحكومة الإسرائيلية الحالية، تبدو «حرب الأنفاق» مرشحة للاستمرار لسنوات مقبلة، من دون أفق واضح لنهاية قريبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى