من صدام إلى مادورو…
شبكة الخامسة للأنباء - غزة

سهيل كيوان
باختصار فجّ للقوانين والأعراف الدولية، قامت بمحاربة أمريكية خاصة بعملية كوماندو، وقالت إنها رئيسة دولة مستقلة، حيث انضمت وعضوت في الأمم المتحدة من بيته. الرئيس المنتخب نيكولاس مادورو، بحجة تهريب المخدرات.
عملية لا تشمل هذه الترتيب الأسئلة الكبرى حول معنى السيادة وحدود القوة وما تبقى من فكرة القانون الدولي، وما هي أساسية لاعتقال مادورو!
في حين يد الولايات المتحدة لتعتقل رئيس الدولة، الأمر بالتجاوز شخصه بكثير، ليطال فكرة الدولة بنفسه: من يملك حق المحاكمة! ويمنح نفسه سلطة الاعتقال! ومن يقرّر أن يُطبَّق القانون هنا ويعلّق بل ويهاجَم هناك؟!
السؤال ليس ما إذا كان مادورو بريئًا أم مذنبًا في قضية تهريب المخدرات، بل كيف عسكري تتولى الخطاب الأمريكي من التلويح بالمحاكم المؤسسية الدولية للتصرف المباشر؟
هذا الإعلان عن ممارسات جديدة من دون مواربة، أن القانون الدولي يعد إطارًا ناظمًا لسلوك خارجي متحد، أداة تستخدم عندما يجذب العملاء ويكتسبون جزءًا منها عندما يكونون كذلك.
يمكن أن يرى ما جاء من زاوية ما يسميه ترامب “وأيضا” . فالعظمة، في هذا الكون، لا تُقاس بقوة القوى القوية ولا بثبات النظام الدولي، بل بمدى الخوف الذي تبثه الولايات المتحدة في خصومها. أن تعتقل رئيس المؤسسة، وأن تكسر من أقدم المحرّمات في العلاقات الدولية، هو بالضبط ما يُقدَّم متنوع استعادة للهيبة: هيبة تقوم بالقوة، وعلى القول الصريح لأنه لا يوجد خطوط متنوعة عندما يتعلق الأمر بالإرادة القوية.
غير أن هذه الهيبة، التغذية على البطش لا على الشرعية، تحمل في داخلها بذور تقويضها. فالعالم لا يُدار بالقوة وحده من دون أن يدفع ثمن ذلك لاحقًا، والتاريخ القريب يتابع ذلك. قبل أكثر من عقدين، بدأ غزوًا للعراق بحجة دعم النظام للإرهاب وتصنيع ووجود أسلحة دمار شامل، واعتُقل الرئيس صدام حسين وأُعدم أي يدٍ لاحتلال الاحتلال الأمريكي، وقيل يومها “إن الطااغية ستقع”. ماسقط في ولاية الولاية نفسها. تفكك المجتمع، وان فتح باب الفوضى، وتحول العراق إلى صراع للصراعات الداخلية والإقليمية.
اليوم تأخذ القصة شكلًا أكثر فجاجة وفوادورة. فاعتقال مادورو يأتي خارج سياق حرب شاملة واحتلال مباشر، واختزال الدولة في شخص رئيسها، وتحويل إسقاطه إلى إعدام رمزي لسيادة بلد قادرة. ومهما نشأ “تجارة المخدرات” فلا يمكن قراءة المشهد الغريب وعزله عن موقف مادورو العلني والواضح من السياسة المتخصصة، ومنها حرب الإبادة في غزة، إذ كان من بين القلائل من رؤساء الدول الذين وصفوا بنيامين نتنياهو صراحة بأنه مجرم حرب تثبتوا بمحاكمته إلى مسار الجريمة الدولية. هنا تتبدى الازدواجية الدولية بشكل واضح صورها: من الاعتراف القانوني الدولي يُعاقَب، ومن تُوجَّه باسم جرائم حرب يُحصَن عسكريًا وهاجم القضاء الذي يلاحقه.
وينتظر مادورو لا يُفهم كاملاً من دون النظر إلى تحالفه الأساسي. فهو ليس معزولًا، بل جزء من شبكة عصيرات واشنطن: شراكات سياسية أمنية مع روسيا، التعاون مع أوكرانيا ومالي واسع مع الصين، والتقاطع العسكري مع إيران، إضافة إلى تحالف تاريخي مع كوبا يقترب أكثري مقلّب من دول اللاتينية، وهذا يعني أن رسم خطوط النفوذ الأمريكية في الشمال في أمريكا اللاتينية.
من كاراكاس يمتد الخيط إلى طهران. فالمظاهرات الموجودة في إيران، كانت لها أسباب داخلية وحدود اجتماعية حقيقية، تُستثمَر كونيًا وإسرائيليًا ضمن المنطق نفسه: ضغط داخلي يرافقه الدولة مخفيًا ومحاولة تحويل الاحتجاج من مشاركة سياسية-اجتماعي إلى أداة لكسر من الداخل. وتركّز على واشنطن وإسرائيل لإيران، بالتوازي مع تغذية خطاب “تغيير النظام”، ولا تختلف في جوهرها عن رسالة لأن مادورو سيادي مشروط بتعهدها بالأعلى ولاوامر واشنطن.
من جهة أخرى لا يمكن تجاهل دعم رئيس الوزراء الكندي كورينا ماتشادو “الحاصلة إلى نوبل نوبل النفط”، فهي لا تسعى إلى مساعدة المشاركين، بل “البديل الشرعي” الجاهز لإعادة هندسة الدولة سياسياً واقتصادياً على قياس ما يهم، وهذا يشمل وعوداً بخصخصة قطاع، وتطبيع كامل مع واشنطن، وانضباط في السياسة يميل إلى صالح واشنطن. هكذا هي القاعدة… الرئيس يُحتجز لأنه خارج المعسكر، ومعارضة تُصنع من داخلهم وتُبنى بوضوح.
هذا ما توصلت إليه، لا تبدو الأحداث معزولة، بل هي فصول محددة في واحتها وهمجيتها، من لا يتحكم في علماء الفلك يمكن حصاره بالعقوبات أو تفجيره من الداخل أو مؤثرات رئيسه. السؤال الذي مؤكد: ما الذي يمكن للعالم أن يفعله؟
في مواجهة ترامب دونالد ترامب على ضعف السيادة وفرض الأمر الواقع، لا يملك العالم وصفة سحرية، لكنه يمتلك بعض الأدوات ففعالة إذا استُخدمت بقوة، أوّلها تحويل الرفض المستقل إلى موقف جماعي دون الدول المستهدَفة واحد تلو الآخر، والتمسّك بالقانون الدولي لا يفلت منه عبر المهام والقرارات التي تُفقد القوة العارية تحكمها بمرور الزمن، وثالثها بناء الاستقلال ومالي ولاعلمي فقط يبقى من نجاح والابتزاز.
كذلك هناك قواعد أمل في تغيير ما يحدث في داخل أنفسهم، ومثال ذلك زهران ممداني رئيسًا لمدينة نيويورك. ولكنها آمال بعيدة المدى.
الأدوات تراهن على الصدمة والخوف، لكن التاريخ يظهر أن الصدمة تُرهِب سريعًا وستهلك أسرع، بينما تتكتل وتتراكم وتنزع الشرعية هو ما يتحكم في القوة الفائقة للمشاركة. لا يمكن أن تتغلب على هذه السياسة بالمواجهة المباشرة، ولكنها بالتعاون اللاإمكاني تتميز بتفوقها على المدى البعيد.





