مقالات الخامسة

الفلسطينيون … لهم وكلاء مهمّون في اللعبة

شبكة الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: نبيل عمرو

بالمقاييس العملية للأوزان والأدوار، يُطرح سؤال أين الفلسطينيون وأين حضورهم على موائد صنع القرار أثناء الحرب المحتدمة بين أميركا وإسرائيل وإيران؟

يُنظر للأمر عادة من خلال وضع القوى السياسية الرئيسة الفلسطينية، ممثلة بحماس في غزة، والسلطة في رام الله، وإسرائيل في هذه الحالة هي مؤثرٌ مباشرٌ من جملة مؤثرات أخرى على حاضر ومستقبل القضية الفلسطينية.

في حرب بهذا الحجم، من غير المنطقي أن يجد ممثلو الفلسطينيين مكاناً لهم على موائد صنع القرار، فهم ليسوا منخرطين في الحرب، على طريقة حزب الله، كأن يشعلوا حرباً في غزة والضفة، كما لو أنهم أحد أذرع إيران، ولعل أفضل وضع لهم في هذه الحرب، الواقعة على حافة النووي، أن يلتزموا مكانة المراقب المنتظر للنتائج، وهذا ليس خياراً طوعياً يفضّلونه عن خياراتٍ أخرى، بل هو الخيار الوحيد الممكن الذي يجنّبهم دفع أثمانٍ باهظة، إذا ما أعلنوا أنفسهم ولو بالموقف طرفاً في هذه الحرب.

لا يُنكر الفلسطينيون أنهم أضعف الأطراف المنخرطة في الصراع الشامل الذي بدأ فصله الراهن بعملية طوفان الأقصى، والرد الإسرائيلي عليها، وهذه حالة موضوعية دائمة تتعلق بالفلسطينيين وقدراتهم ومساحة تأثيرهم، حتى في الشؤون المتصلة بهم، ولكن يتعين على المهتمين بالشأن الفلسطيني النظر للحالة من زاوية أخرى، وسؤالها.. هل هذا الذي يجري الآن من حرب أكبر ألف مرة من كل الحروب التي وُضع عليها الختم الفلسطيني ستُنتج حالة إقليمية ودولية تذوب فيها القضية الفلسطينية، ويتلاشى تأثيرها المباشر وغير المباشر في مجال ما يُقال عن وضع جديدٍ للشرق الأوسط بعد أن تضع الحرب الراهنة أوزارها على فرضية انتصار نهائي لأميركا وإسرائيل فيها؟.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

وهذا أمر إن لم يكن غير مؤكد، فهو أقرب إلى المستحيل.

من مصلحة الفلسطينيين أن يواصلوا النأي بالنفس عن حرب تدميرية على هذا المستوى من قوة النار، ومن مصلحتهم كذلك أن تتموضع قضيتهم مؤقتاً خارج هذه الحرب ما دامت دول وازنة وبحجم يفوق حجمهم وقدراتهم آلاف المرّات، لا حضور لها في هذه الحرب، وتجاهد بصعوبة للتموضع في مكان الوسيط محدود القدرات في التأثير على خلاصات الميدان؟.

غير أن ذلك كما ثبت عبر المسيرة الطويلة لصراع الفلسطينيين غير المتكافئ دائماً، مع الخصم الإسرائيلي، أنتج معادلة لم يفلح الزمن بكل حروبه في إلغائها أو استبدالها، مفادها أن الحروب الإقليمية الكبرى التي وقعت في الشرق الأوسط، كانت أثناء اشتعالها دون مشاركة فلسطينية على موائد تسويتها، تصل دائماً إلى خلاصات ناقصة، ليس بفعل عدم مشاركة الفلسطينيين في موائد المفاوضات حولها، ولكن بفعل استبعاد الحلول السياسية التي محورها قضية فلسطين وحقوق شعبها ومكانة هذه القضية شعبياً ورسمياً على مستوى العالم كله.

في مسار الصراع الشرق أوسطي الطويل، وحروبه المتوالدة، بما فيها هذه الحرب الواسعة التي دارت رحاها بفعل شرارة أولى انطلقت من فلسطين، كان الاهتمام بالقضية الفلسطينية ينحسر أو يتراجع ولكنه كان انحساراً وتراجعاً مؤقتاً بحيث يعود إلى الصدارة، ما أن تضع معارك النار أوزارها وهذه معادلة اكتسبت صفة القانون أثناء وبعد كل حرب.

الفلسطينيون الذي بفعل تقصير العالم في فرض حل سياسي يرضيهم، وفي هذه الحرب بالذات لهم وكلاء وازنون ومؤثرون في معادلات ترتيب أوضاع المنطقة، مصر لم تغير رؤيتها الاستراتيجية لمكانة القضية الفلسطينية وقيام دولتها في أمنها القومي كدولة إقليمية عظمى، والسعودية لم ولن تتراجع عن ربط التطبيع مع إسرائيل بالدولة الفلسطينية، والأردن صاحب أطول خط حدود مع فلسطين وإسرائيل، لا يرى في ضفته الغربية وغزة مجرّد مكان مجاور، بل عامل أساسي في أمنه واستقراره ومستقبل مجتمعه ودولته، وتركيا الوافد الجديد والمؤثر على معادلة الحرب والتسوية في الشرق الأوسط، تدرك بوعي مدعوم بالقدرة ماذا يعني تبنيها للقضية الفلسطينية، بتماثلٍ مع الدول العربية والإسلامية جميعاً.

الفلسطينيون لا مقعد ثابتاً لهم حول موائد الحلول المتعثرة أصلاً، ولكن قضيتهم هي أهم مكونات الطاولة ذاتها، واسأل إسرائيل وأميركا وأوروبا حول صحة هذا القول.

الفلسطينيون لهم وكلاء وازنون ينوبون عنهم حين يجلسون على موائد تقرير مصير الشرق الأوسط، وسوف تكون قضيتهم حاضرة إمّا بحضورهم أو بحضور وكلائهم وهذا يعرفه جيداً كل من سيشارك في الموائد حين إعدادها لترتيبات وضع ما بعد الحرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى