محمد الشريف… بسمة جباليا التي رحلت بعد قصة صمود حتى الرمق الأخير
شبكة الخامسة للأنباء - غزة

محمد الشريف .. أقمار الصحافة إعداد: طارق وشاح
لم يكن مجرد رقم في سجلّ الشهداء، ولا اسمًا عابرًا في زحمة الموت. كان محمد الشريف بسمةً في وجه الحزن، وسندًا لأهالي مخيم جباليا، وحارسًا لذاكرة لا تُنسى. رحل عن دنيانا في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، بعد أن أتمّ 32 ربيعًا عاشها مشرقًا في حياة من حوله، ينثر الخير والعطاء أينما حلّ.
مسيرة عطاء
وُلد محمد صالح الشريف في السعودية بتاريخ 11 تشرين الثاني/نوفمبر 1993، لكنه نشأ في مخيم جباليا، حيث أسّس حياته وتزوّج، وأنجب ثلاثة أطفال كانوا قرة عينه. درس دبلوم الصحافة تعبيرًا عن شغفه بوطنه وعدالة قضيته، ولم يكن عمله الإعلامي وظيفة عادية، بل رسالة حملها بإخلاص.
عمل مراسلًا ومصورًا صحفيًا على مدار خمس سنوات في نقابة الصحفيين وعدة مواقع إخبارية إلكترونية، قبل أن يؤسس موقعه الخاص “الحنون”، الذي تحوّل إلى منصة لقصص الناس البسطاء ونضالهم اليومي.
ومع صعوبة الظروف المعيشية في غزة، افتتح محمد محلاً صغيرًا لتصليح الهواتف في المخيم، يجمع فيه بين الحاجة وشغفه بالتقنية. كان يعمل نهارًا في المحل، ويعود مساءً إلى الكاميرا والقلم مع كل تصعيد أو حدث.
في قلب المحرقة.. صمود فوق الجمر
مع بدء الحرب الإسرائيلية على غزة، قُصف الحيّ الذي يقع فيه محله. نجا محمد من المجزرة التي أودت بحياة أكثر من 200 شهيد، لكن محله تحول إلى ركام. لم يتراجع، بل نقل أدواته إلى منزله ليواصل خدمة الناس رغم الدمار.
أصرّ على البقاء في جباليا رغم الجوع والخطر، ورغم استشهاد شقيقه الأكبر أحمد. رفض النزوح متمسكًا ببيته، وأطفاله، وزوجته التي كانت سنده، واستمرّ في إصلاح هواتف الجيران مجانًا، مدركًا أن وسيلة الاتصال في الحرب قد تعني الحياة.
محمد الشريف لم يُقتل فقط، بل غاب صوتٌ كان يوثق، ويدٌ كانت تصلح، وقلبٌ كان ينبض بالمقاومة والعطاء.
الرحيل.. حين احتضنته أرضه الطاهرة
مع اشتداد الحصار، باتت الطائرات المسيّرة المتفجّرة تجوب أزقة المخيم وتستهدف كل ما يمكن تفجيره. اضطر محمد وعائلته للنزوح من منزلهم في حي تل الزعتر تحت القصف، إلى منطقة المعسكر. وفي فجر 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، لم يطاوعه قلبه على البقاء، إذ كان معلّقًا ببيته وأهله، وبما تبقّى من ذكرياته. خرج مع ابن عمه عبد الرحمن، في أول هدنة قصيرة، ليتفقد منزله ويحاول تأمين لقمة لعائلته الجائعة.
لكن عيون الطائرات المسيّرة كانت لهما بالمرصاد. استُهدفا بلا رحمة، وسقطا ينزفان على مقربة من مستشفى كمال عدوان. حوصرا تحت القصف، ولم يتمكن أحد من الوصول إليهما. ظلّا ينزفان حتى صعدت أرواحهما الطاهرة.
بعد أربع ساعات من البحث، وجدهما والده وزوجته غارقين في دمهما، وقد سبقا إلى الجنة. دُفنا في ساحة المستشفى بسبب خطورة الأوضاع، كما دُفن مئات الشهداء هناك، في قبور حفرتها الحرب على عجل. وخلف محمد زوجةً مكلومة وثلاثة أطفال يحملون اسمه وذكراه.
محمد الإنسان.. البسمة في زمن الدموع
محمد الإنسان -رحمه الله- كان يحب الخير بصمت. ويمدّ يد العون للعائلات الفقيرة، يجمع التبرعات، يطعم الأرامل، ويصلح الهواتف مجانًا لأنه كان يؤمن أن الاتصال حياة. كان بيته مفتوحًا للناس، وروحه “فاكهة البيت” كما يقولون، ضحوكًا، خفيف الظل، محبًا لزوجته وأطفاله الثلاثة، ومحبوبًا من كل من عرفه.
كان يحلم بإكمال تعليمه في الخارج، لكن الحصار الطويل حرمه من السفر، كما حرم آلاف الشباب في غزة من أحلامهم.
عائلته.. السند الذي لم يتخلَّ
كانت عائلة محمد فخورة به دائمًا، دعمت عمله الصحفي وتضحياته. وكانت زوجته شريكته في الشغف والطموح، تسنده ليواصل رحلته رغم ضيق العيش ومرارة الحرب.
تقول شقيقته إسراء بكلمات تختصر حياة أخيها:
“كان قلبًا أبيض، ويدًا ممدودة للناس، وحلمًا لم يكتمل، ورجلًا وقف حتى النهاية رغم الجوع، رغم الفقد، رغم الموت الذي كان يمرّ يوميًا من أمام بيته.”
رحل محمد جسدًا، لكن نوره لم يرحل. بقي قلمه وعدسته شاهدين على حبه لوطنه، وبقيت يداه البيضاء ذكرى في قلوب من عرفوه. كان صوتًا أراد أن يصل إلى العالم، وها هو صوته الآن يرتفع من تحت الركام، ليخبرنا أن الشهداء لا يموتون، بل يزرعون في قلوب الأحياء بذور الأمل والاستمرار.





















