شبكة الخامسة للأنباء - غزة

عام جديد يقبل على غزة .. تقرير خاص إعداد: آمنة غنام
مع بداية عام 2026 يقف الفلسطينيون عند مفترق طرق مثقلين بالتجارب القاسية والآمال المؤجلة، بين الألم والأمل بالمستقبل، يحاولون طي صفحة واحدة من أكثر الحروب قسوة في تاريخ قطاع غزة، حرب تركت خلفها دمارًا واسعًا وجرحًا مفتوحًا، لتتشكل معادلة صعبة تجمع بين الألم العميق والأمل الحذر بمستقبل مختلف.
فرغم كل الظروف، يتمسك الفلسطينيون بحقهم في أرضهم وهويتهم الوطنية والرواية الفلسطينية، وحضور القضية في وجدان الأجيال الجديدة، لتشكل ركيزة أساسية للأمل والاستمرار، بينما يمثل الشباب الفلسطيني طاقة أمل حقيقية، إذ يسعى كثيرون إلى التعليم، والابتكار، والعمل المجتمعي، رغم قلة الإمكانيات.
بين الألم والأمل
في شوارع غزة المدمّرة ومخيماتها المكتظة وخيامها البالية المهترئة، لا تزال أصوات المواطنين تحمل وجع الحرب. لكنها في الوقت ذاته تتشبث بأمل عام جديد قد يحمل بعض الطمأنينة. على الرغم من أنه لا يخلو بيت فلسطيني من قصة فقد أو إصابة، أمهات فقدن أبناءهن، وأطفال يُتموا. وعائلات كاملة مُسحت من السجل المدني، ما جعل الحزن حالة عامة تتقاسمها البيوت والشوارع والمخيمات.
أم محمد الشريف (45 عامًا) من مخيم الشاطئ غرب غزة تقول :” الحرب أخذت منا البيت والأمان. واضطررنا للنزوح أكثر من مرة، كنت أظن أنني لن أستطيع الوقوف مجددًا. لكن عندما أرى أطفالي يحاولون الضحك رغم كل شيء، أعرف أن الأمل ما زال حيًا. أريد مع قدوم 2026 أن نعيش بلا خوف، أن ينام أطفالي دون أن يسألوا: هل سنقصف الليلة؟”.
بعد منخفض جوي اقتلع خيمته كحال غالبية النازحين في القطاع. وقف أبو أحمد صبح (52 عامًا) من مدينة رفح النازح في مواصي خانيونس يعيد نصب خيمته ويقول.: ” بيتي دُمّر بالكامل، وفقدت عائلتي وأصدقائي، وحتى خيمتي طارت، الألم ثقيل، لكن الاستسلام ليس خيارًا… نحن شعب اعتاد النهوض من تحت الركام، ما يمثله قدوم 2026 بالنسبة لي ليس عامًا للرفاهية. بل عامًا للعمل والنهوض والعيش بكرامة وكما قال درويش نقف على ناصية الحلم ونقاتل”.
أما الطالبة الجامعية ليان صالح (23 عامًا) من مدينة خان يونس. فترى أن التمسك بالحلم هو أفضل الخيارات التي يمتلكها الفلسطيني فتقول.: “توقفت جامعتي خلال الحرب، وشعرت أن مستقبلي ينهار مع كل غارة. والآن مع توقف الحرب أحاول أن أتمسك بحلمي رغم كل شيء.. عام 2026 هو فرصة لاستعادة ما سُرق منا، ليس فقط التعليم، بل الإحساس بأن لنا مستقبلًا مثل باقي شباب العالم”.
وأضافت : ” نحاول أن نستغل الهدوء النسبي الذي نعيشه هذه الفترة. في دراستنا والبحث عن فرص للتطوع والتعليم لتطوير أنفسنا. فنحن نأمل أن نبني قطاع غزة من جديد بسواعدنا وأفكارنا، فنحن أصحاب الأرض وأصحاب القضية “.
من جانبه قال إبراهيم نصار ( 34 عامًا) من رفح جنوب القطاع.: “نزحنا من بيتنا وعشنا في خيمة، وما زالنا نقاسي الويلات والألم من المنخفضات الباردة إلى درجات حرارة الصيف. أيامنا قاسية لكن نحن شعب يهوى الحياة من الخيام تسمع بأعظم قصص التضحيات والأمل والانتصار على واقعنا المؤلم. ونحلم أن يأتي اليوم الذي نتمكن أن نحيى فيه بشكل طبيعي وآمن.”، لافتًا أن كل من حوله يسعى جاهدًا ليسخر كل الإمكانيات لعيش حياة كريمة. تشبه ولو من بعيد ما كانت عليه حياة الغزيين قبل الحرب .
سهاد الهمص (38 عامًا) معلمة ومربية أطفال من مدينة غزة ترى أن الأطفال هم أكثر من دفع ثمن هذه الحرب. حيث يستيقظ أبنهائها حتى الآن فزعًا من قسوة ما عايشوه. حتى صوت الرعد لم يعودوا يفرقوا بينه وبين صوت الصواريخ.
وتتابع :” أطفالنا بحاجة لعلاج نفسي وتعليم ،و إعادة تأهيل في كل مناحي الحياة. فهم دفعوا ثمنًا أكبر من عمرهم وإدراكهم، كبروا ليجدوا أنفسهم في الطرقات دون مأوى، تحميهم خيمة من قماش لا تغني من برد ولا حر. لذلك نأمل أن تكون أعوامهم المقبلة أفضل تحمل لهم الأمل فيكفيهم من تكبدوه من خسائر”.
أما الحاج أبو يوسف بركة (67 عامًا) من دير البلح. يودع هذا العام وقد فقد عدداً من أبنائه وأحفاده وأقاربه خلال حربٍ لم تبقِ ولم تذر. يقول الحاج أبو يوسف للخامسة: ” عشت حروبًا كثيرة، لكن هذه الحرب كانت الأشد. رأيت الدمار في كل مكان، ومع ذلك أقول دائمًا إن غزة ستبقى. أرى من بقيَّ من أحفادي يكبرون في أمان، وأن تنتهي هذه الدائرة من الدم، أن يعمر أبناء هذه الأرض منازلهم. وأن يبقى مشروع ريفرا الاحتلال وترامب في أحلامهم لا أكثر”.
سيناريوهات تقابل الغزيين
في السياق ذاته يؤكد الباحث والمختص بالشؤون الاقتصادية والاجتماعية رامي الزايغ. أن الغزيين يدخلون عامهم الثالث وهم مثقلون بتبعات حرب الابادة. وما خلفته من أزمات وكوارث اجتماعية واقتصادية. حيث يعيش أكثر من مليون ونصف غزي في الخيام وسط البرد القارص وفي ظروف تفتقر للحياة الانسانية والآدمية. ولا زالت الامم المتحدة تدق ناقوس الخطر بالمجاعة خاصة في صفوف الاطفال، حيث وصلت البطالة إلى أكثر من 80%. إلى اعتماد السكان الغزيين بشكل كامل على المساعدات الإنسانية. إضافة إلى انهيار المنظومة الصحية والتعليمية بشكل كبير جدًا وما يلقي بذلك من تبعات اجتماعية واقتصادية كارثية على المجتمع الغزي.
وأضاف الزايغ :” يأمل الغزيون أن يشكل عام 2026 نهاية حقيقية لحرب الإبادة. حيث يترقبون بتلهف شديد حاليًا الانتقال للمرحلة الثانية من الاتفاق. لما يترتب عليها من انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من أرجاء القطاع. وبالتالي التمكن من العودة لانقاض منازلهم وبلداتهم المدمرة، والبدء بإعادة الإعمار”.
وحول الأزمات الاقتصادية التي يعيشها القطاع وأثرها على النسيج الاجتماعي والعلاقات داخل المجتمع. قال الزايغ :” تنعكس الأزمات بشكل سلبي حاد على المجتمع الغزي. فالازمات التي يعيشها الغزيون هي أزمات عميقة وشديدة الوطأة على المجتمع. بشكل عام والأسرة بشكل خاص كأزمات البطالة والفقر بالإضافة إلى المشكلات الاجتماعية كعمالة الأطفال لما تشكله من مخاطر كبيرة على المجتمع والتماسك والترابط الأسري”.
وفيما يتعلق بالأنماط الاجتماعية الجديدة وليدة الحرب والأزمات المتلاحقة على القطاع قال الزايغ.: ” أنتجت الازمات الحالية بأنواعها كافة أنماطًا جديدة من التضامن الاجتماعي. منها على سبيل المثال لا الحصر انتشار التعاونيات الاجتماعية وأبرزها تعاونيات إدارة مخيمات إيواء النازحين. وانتشرت أيضًا خلال الحرب أنظمة اقتصادية قديمة جديدة مثل نظام البيع بالمقايضة. لكن يمكن القول أنَّ كثرة الازمات التي يعيشها المواطن الفلسطيني في غزة وثقلها عليه خلفت الكثير “.
في ذات الجانب شدد على ضرورة إعلاء المصلحة الوطنية العليا، إضافة إلى النهوض من وسط الركام والأنقاض. حيث يمكن البدء بذلك من خلال النهوض السياسي من خلال تشكيل قوى حقيقية فاعلة ومؤثرة. تخاطب المجتمع الدولي والمحلي بضرورة التعافي وبدء الإعمار وإزالة كل تبعات الحرب وإفرازاتها. إضافة إلى النهوض الاقتصادي بإحياء القطاعات الاقتصادية وأهمها القطاع الزراعي والصناعي.
فيما اعتبر الزايغ أن العودة لحرب الإبادة هي أسوأ السيناريوهات التي ممكن أن تقابل الغزيين خلال المرحلة القادمة. وما يتبعه من نزوح وقتل وتشريد وقضم الأراضي. منوهًا إلى أن هناك ضرورة لتكاثف وتوحيد الجهود لمنع عودة الحرب ونزع ذرائع الاحتلال لعدم العودة لحرب الإبادة.
وحذر من الوقائع الجديدة التي يحاول الاحتلال الإسرائيلي فرضها داخل أراضي القطاع مثل “الخط الأصفر”. و خطط لحصر إعادة الإعمار خلفه. حيث تشكل هذا الخطوة مخاطر كبيرة سواء على الصعيد الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي و الديموغرافي والقانوني .
كما أكد على أهمية الضغط على الوسطاء ورعاة الاتفاق بإرغام الاحتلال على الوفاء بالتزاماته في اتفاق وقف إطلاق النار. لما يترتب على ذلك من نهاية للحرب وانسحاب جيش الاحتلال وبدء عملية التعافي وبدء عملية إعادة الإعمار. مشددًا أنّ ذلك لا يتأتي إلا بالوحدة الوطنية الشاملة تحت مظلة واحدة تضع القيم والمبادئ والمصالح الوطنية الفلسطينية العليا على رأس أولوياتها.
مقاومة مجتمعية
الخبير النفسي أسامة الشيخ خليل يرى أن الحرب على قطاع غزة تركت آثارًا عميقة على النسيج الاجتماعي والنفسي للأفراد، خصوصًا الأطفال والنساء والشباب. وأضاف: ” ما نراه اليوم من تمسك المواطنين بالأمل رغم كل الخسائر يُظهر قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود النفسي والاجتماعي، وهو مؤشر قوي على المقاومة المجتمعية”.
وتابع :” إعادة الإعمار لا تعني فقط بناء البيوت، بل إعادة بناء الثقة والأمان النفسي والمجتمعي آراء المواطنين وتطلعاتهم. تعكس رغبة ملحة في استعادة الحياة الطبيعية والتعليم والعمل. وهي عوامل أساسية لإعادة دمج الأفراد في المجتمع بعد تجربة صادمة”.
ولفت أن الأمل مع قدوم عام 2026، ليس مجرد شعور؛ إنه عنصر فعال في الشفاء النفسي والمجتمعي. ومن دون دعمه عبر برامج إغاثة، تعليم، وتوعية نفسية، قد تتفاقم المشاكل النفسية والاجتماعية. خصوصًا لدى الأطفال الذين عاشوا الحرب المباشرة”.
طوق نجاة الأجيال
يراهن الفلسطينيون على التعليم كطوق نجاة للأجيال القادمة. عودة الأطفال إلى المدارس، رغم الدمار، تمثل رسالة أمل بأن المستقبل لا يزال ممكنًا. وأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء الحجر.
حيث قال وزير التربية والتعليم أمجد برهم أكد أن التحدي الأكبر الذي يواجه التعليم في قطاع غزة. يتمثل في إعادة إطلاق العملية التعليمية في ظل العدوان، حيث تم اعتماد المدارس الافتراضية وتقسيم العامين الدراسيين 2024–2025. ما أتاح انتظام عشرات الآلاف من الطلبة. وتُوّجت هذه الجهود بتقديم امتحان الثانوية العامة لنحو 65 ألف طالب وطالبة من مواليد 2006 و2007.
وأضاف: ” نعمل على إعادة فتح المدارس بشكل كامل وتأمين بيئة تعليمية آمنة. وتزويد الطلاب بالرزم واللوازم الدراسية التي فقدوها خلال الحرب، كما نخطط لمبادرات تربوية لتعويض ما فاتهم من دروس وأنشطة تعليمية. مع التركيز على الدعم النفسي للطلاب المتأثرين. 2026 سيكون عام العودة إلى التعليم والحياة المدرسية الطبيعية. ونحن ملتزمون بجعل المدارس مساحة أمان وطمأنينة للأطفال”.
كما شدد على أن استمرار العملية التعليمية أولوية وطنية رغم كل التحديات. مؤكداً أن الطلبة هم استثمار فلسطين الحقيقي للمستقبل. وأن الوزارة ستواصل العمل بخطط آنية وعلاجية للحفاظ على حقهم في التعليم.
أزمات غير مسبوقة
فيما قال المستشار الإعلامي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) عدنان أبو حسنة. إن قطاع غزة يستقبل العام الجديد 2026 في ظل أوضاع إنسانية كارثية وأزمة غير مسبوقة. تطاول حياة أكثر من مليوني فلسطيني، بعد أكثر من عامين من الحرب وتداعياتها المدمرة. مؤكداً أن عمل الوكالة الأممية يواجه صعوبات جسيمة نتيجة القيود الإسرائيلية ومنع إدخال المساعدات.
رغم هذه التحديات، أكد أبو حسنة أن الأونروا تواصل عملها في قطاع غزة على مختلف المستويات. وقال إن الوكالة تمكنت من استئناف العملية التعليمية لنحو 300 ألف طالب في مدارسها، من بينهم 70 ألفاً يتلقون التعليم الوجاهي. رغم تعرض عدد كبير من المدارس للتدمير خلال الحرب. كما أنشأت الاونروا مئات المساحات التعليمية داخل المدارس المدمرة، بالتعاون مع المجتمع المحلي وفي مراكز الإيواء.
وأضاف أن سلطات الاحتلال تواصل وضع العقبات أمام عمل الأمم المتحدة، من خلال منع دخول الموظفين الدوليين. ومنع المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني من دخول قطاع غزة والضفة الغربية. في خطوة قال إنها تعيق بشكل مباشر إدارة العمليات الإنسانية والإغاثية.
في السياق ذاته قالت وزيرة العمل الفلسطينية، د. إيناس العطاري، أن إعادة إعمار غزة تتطلب جهودًا دولية ومحلية مكثفة، مشيرة إلى أن الكارثة الإنسانية والاقتصادية هائلة. حيث تضررت قطاعات العمل بشدة، وشددت على أن الحكومة جاهزة للتعامل مع التحديات وضمان أن تكون الأولوية لعودة العمال وتوفير فرص العمل. وأن عملية الإعمار يجب أن تتم بقيادة فلسطينية تحت مظلة الشرعية الوطنية لاستعادة الكرامة وتحقيق الاستقرار.
وأشارت إلى أن التركيز الآن يهدف إلى تقديم الدعم المالي والمساعدات العاجلة للأسر الأكثر احتياجًا. إلى جانب العمل على برامج للتدريب المهني للشباب والنساء لإتاحة فرص عمل جديدة، وتحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع. مع قدوم عام 2026، والسعي لتخفيف معاناة المواطنين وتمكينهم من بدء حياة مستقرة ومزدهرة.
بين آلام الحرب وآمال السلام.. يقف الفلسطينيون على أعتاب عام 2026 وهم مثقلون بالخسائر، لكنهم غير فاقدين للإرادة… فغزة، رغم الجراح، تواصل البحث عن الحياة، ويواصل أهلها التمسك بالأمل كخيار وحيد في وجه الدمار ومع كل حجر سيعاد بناؤه. وكل طفل يعود إلى مقعده الدراسي، تتجدد القناعة بأن المستقبل، مهما تأخر، لا بد أن يولد من رحم المعاناة.





