مقالات الخامسة

النار التي تحرق الأخضر واليابس

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: المحامي طارق طوقان

لطالما أثارت هذه العبارة فضولي في بدايات عمري، ومراحلي الدراسية الأولى، ولطالما أثارت مخيلتي في التفكير بشكل هذه النار التي تحرق الأخضر واليابس وطبيعتها. يبدو أنه وبعد ان تقدمت في العمر وشهدت مع أبناء جيلي العديد من التجارب والتحديات، يبدو بأنني توصلت إلى تعريف شبه عصري أو معاصر لهذه العبارة وكيفية تأثيرها على المجتمع. حيث يتضح ذلك جليا في ظل الحروب المستعرة والمستمرة والتحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعيشها المنطقة بشكل عام، وهذا الواقع المعقّد الذي يعيشه الشعب الفلسطيني بشكل خاص. حيث بدأنا نرى تأثير هذه الظروف مجتمعة على كافة مناحي حياة المواطنين وأيضا على توفر الخدمات والسلع، مما يصلح ترجمة حقيقة وواقعية لعبارة “النار التي تحرق الأخضر واليابس”. فالظروف التي نعيشها منذ عدة سنوات قد وصلت في حدتها وتأثيرها السلبي مؤخراً على العديد من نواحي حياتنا من تقاض أمام مرفق العدالة وتراجع في حركة العقود التجارية والمدنية فضلا عن التشويش بل وحتى الانقطاع في بعض الأحيان في تقديم الحقوق الأساسية للناس مثل الحق في التعليم أو في الصحة أو في التقاضي، وكذلك على وفرة واستمرارية توفر سلع أساسية ومنها السلعة الأكثر أساسية في حياة كل مواطن في عصرنا الحديث وأعني بها الطاقة أو الوقود.

ولأهمية المواضيع المذكورة أعلاه يثور التساؤل حول دور الحكومة الفلسطينية في تنظيم السوق الفلسطيني ومناحي الحياة المجتمعية الفلسطينية، ولا سيما في مجالات الخدمات والسلع الأساسية، كإحدى أهم القضايا الملحّة التي تستوجب تدخلاً أعمق وأكثر فعالية من قبل الحكومة الفلسطينية. فالطريقة المتبعة حاليا بترك السوق يعمل بمنطق “التنظيم الذاتي” لا تعمل بشكل جيد خاصة في سياق احتلال خارجي، واقتصاد تابع، وضعف في المنافسة، مما يؤدي إلى تعميق الفجوة بين أبناء المجتمع والاختلالات الاجتماعية والاقتصادية، وتحميل الفئات الأضعف في المجتمع كلفة اقتصادية لا طاقة لها على تحمّلها. هذا، مع تفهمنا وتقديرنا للصعوبات المحلية والإقليمية والدولية التي تعمل في ظلها هذه الحكومة ومحدودية الموارد المالية ومصادر التمويل التي تواجهها.

بداية نعرف ونتفهم كمواطنين وكمهنيين أن السوق الفلسطيني ليس سوقًا حرًا بالمعنى الاقتصادي الكلاسيكي، الذي درسناه في كليات القانون والاقتصاد. بل حتى أنه ليس نفس السوق الذي خبرناه وعرفناه عند بدايات تأسيس السلطة الفلسطينية في تسعينيات القرن الماضي.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

هذا السوق الذي يعمل “وينشط” حالياً في بيئة غير طبيعية، تخضع لقيود الاحتلال وسياساته في التحكم بالمعابر، والسيطرة على الموارد الطبيعية، إضافة إلى التبعية القسرية للاقتصاد الإسرائيلي. هذه الخصوصية تفرض على الحكومة الفلسطينية دورًا تنظيميًا مضاعفًا، لأن آليات العرض والطلب وحدها لا تكفل العدالة ولا الاستقرار، ولا توفر الحماية للمستهلك أو المنتج الوطني أو تأمين الحقوق الأساسية للمواطنين. فغياب التنظيم الفعّال يفتح الباب أمام مسائل عديدة خطيرة منها الاحتكار في السلع والمواد والخدمات الأساسية، والتلاعب بالأسعار، ورداءة الجودة فيما يتم تقديمه إلى المواطن الفلسطيني، مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين بشكل عام.

مسؤولية الحكومة الاجتماعية والاقتصادية والقانونية في تقديم السلع والخدمات الأساسية – مثل الغذاء، والدواء، والمياه، والكهرباء، والاتصالات، والنقل، والتعليم، والصحة – هي مسؤولية جوهرية وأصلية، ولا يمكن التعامل مع هذه السلع كبضائع تجارية خاضعة فقط لمنطق الربح أو توفير الحد الأدنى. فهي تمسّ جوهر الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي كفلها القانون الأساسي الفلسطيني، والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي انضمت إليها دولة فلسطين. وعليه، وبحسب التعريف الفقهي الدستوري فإن امتناع الدولة عن التدخل الفعّال لتنظيم هذه القطاعات يشكّل إخلالًا بالتزاماتها الدستورية والقانونية، وواجباتها تجاه مواطنيها، ويفرّغ مبدأ العدالة الاجتماعية من مضمونه. فلا يكاد يختلف اثنان – حتى لو كان احد هؤلاء الاثنين مسؤولا في الحكومة – من أن عددا كبيرا من جوانب الحياة اليومية للمواطن الفلسطيني تعاني من خلل واضح ومن أبرزها ضعف الرقابة على السوق، والتراخي في تطبيق القوانين، وغياب الشفافية في تسعير بعض الخدمات الحيوية، وتشتت المرجعيات التنظيمية، فضلاً عن محدودية الأدوات الرادعة بحق المخالفين. كما أن الأجهزة الرقابية غالبًا ما تفتقر إلى الاستقلالية والموارد والصلاحيات الكافية، ما يجعل تدخلها موسميًا أو شكليًا، خصوصًا في أوقات الأزمات.

وهنا وفي إطار الحديث عن ضرورة اضطلاع الحكومة الفلسطينية بدور أكثر فاعلية في تنظيم السوق، بامكاننا الإشارة إلى عدد من الحقوق والخدمات والسلع التي يظهر فيها ضعف الرقابة الحكومية أو غيابها في بعض الأحيان، منها مثلا قطاع الطاقة وتحديدا سلعة الوقود، وأيضا قطاعات القضاء التعليم والمقاولات كنماذج بالغة الحساسية، لما لهذه القطاعات من تأثير مباشر وعميق على مجمل الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وعلى منظومة الحقوق الأساسية للمواطن الفلسطيني. ويكشف الواقع العملي لهذه القطاعات حجم الفجوة القائمة بين الدور المفترض للحكومة والدور القائم فعليًا.

فالطاقة أو الوقود في الحالة الفلسطينية ليس سلعة كمالية، بل هو مدخل أساسي للإنتاج وشرط لازم لتسيير مختلف القطاعات: النقل، الزراعة، الصناعة، الكهرباء، والخدمات. وأي خلل في تنظيم هذا السوق ينعكس تلقائيًا على أسعار السلع كافة، ويؤدي إلى موجات تضخمية يدفع ثمنها المواطن، ولا سيما ذوي الدخل المحدود. تزداد خطورة ترك هذا السوق دون تنظيم صارم في ظل التبعية القسرية للسوق الإسرائيلي من ناحية وغياب المنافسة الحقيقية مما يؤدي إلى ارتباط التسعير بعوامل سياسية واحتكارية أكثر منها اقتصادية.

ونحن هنا إذ ندعو الحكومة إلى التنظيم الفعال للسوق فإن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال خنق القطاع الخاص أو معاداة هذا القطاع، بل على العكس، فإن نداءنا يهدف إلى ويستدعي تدخل الحكومة بشكل مباشر من خلال السياسات والتشريعات المناسبة إلى خلق بيئة تنافسية عادلة، تضمن تكافؤ الفرص، وتحفّز الإنتاج المحلي، وتحمي المستهلك من الاستغلال وتعالج الفجوات الشرائية. فغياب التنظيم يضرّ بالجميع، سواء المواطن أو القطاع الخاص بل وحتى الحكومة. ولذلك يتطلب من الحكومة الفلسطينية تعزيز دورها ودور وزاراتها ومؤسساتها في تنظيم السوق من خلال الرقابة على تنفيذ الإطار التشريعي القائم، وتفعيل القوانين ذات الصلة، وفي مقدمتها قوانين حماية المستهلك، وتشجيع المنافسة، ومنع الاحتكار، وتنظيم الأسعار في القطاعات الحيوية. كما يستلزم الأمر تبنّي سياسات اقتصادية واضحة تُوازن بين اعتبارات السوق والبعد الاجتماعي والاقتصادي، وتعزز من الشفافية والمساءلة. ولعل أهم قرار في هذا السياق وفي هذا الصدد وهذه الظروف الاستثنائية التي نعيشها هو صدور قرار رئاسي بإعلان حالة الطوارئ في الأراضي الفلسطينية ليس لأسباب سياسية تتعلق بظروف الاحتلال والحرب التي تشهدها فلسطين فحسب وانما أيضا لأسباب قانونية وتنظيمية تستدعي تفعيل بعض الأحكام التشريعية المؤقتة التي تغطي الاحتياجات اليومية للمجتمع الفلسطيني. وإن كان من المعلوم وأيضا من المتبع بالممارسة الفعلية خلال السنوات الأخيرة – سواء رضينا أم لم نرضى- أن مؤسسة الرئاسة والحكومة قد استمرتا في نهج التشريع ضمن حالة الطوارئ ضمن المادة 43 من الدستور دون وجود مجلس تشريعي، إلا أن التدخل اليوم هو من نوع آخر وفي سياق آخر.

فمنذ بداية الظروف الصعبة التي نعيشها محليا وأقليميا قبل عامين ونيف، تحاول الحكومة الفلسطينية التقدم بخطط وبرامج لمواجهة الظروف والتحديات التي تواجهها محكومة ويواجهها المجتمع الفلسطيني، منها مثلا اعلان الحكومة الفلسطينية في كانون الثاني 2024 بأنها في “حالة طوارئ” مالية بسبب الأزمة المالية واحتجاز أموال المقاصة، لكن ذلك لم يكن إعلان حالة طوارئ دستورية، بل وُصف بأنه ترتيب إداري ومالي لإدارة الموارد المتاحة دون تفعيل صلاحيات الطوارئ الكاملة المنصوص عليها دستوريًا حيث أن إعلان حالة الطوارئ الرسمية في فلسطين يتطلب مرسومًا رئاسيًا يصدر عن سيادة الرئيس وفق القانون الأساسي، وآخر إعلان من هذا النوع كان خلال جائحة كورونا ولمكافحة تفشي الجائحة وقتها.

وإعلان حالة الطوارئ في الأراضي الفلسطينية اليوم، من منظور قانوني وإداري كأداة استثنائية تُستخدم لمواجهة ظروف غير عادية تهدد النظام العام أو سلامة السكان، مثل النزاعات الحربية أو الكوارث أو الانهيار المؤسسي، فإعلان وتفعيل حالة الطوارئ وإن كان يعد من ناحية نظرية وواقعية تقييدا للحقوق والحريات، إلا أنها باتت أمرا ضروريا وملحاُ وكما قالت العرب سابقاً فإن “آخر العلاج الكي”! وهنا تكمن أهمية قرار إعلان حالة الطوارئ في تمكين الحكومة الفلسطينية من توحيد القرار التنفيذي وتسريع الإجراءات، وتعبئة الموارد، وإصدار تعليمات وتنظيمات سريعة ومؤقتة لمعالجة الأوضاع الطارئة التي قد يتعذر التعامل معها بالأدوات القانونية العادية. إلا أن تفعيل هذا الإطار الاستثنائي يفترض أن يكون محدد المدة والنطاق، ومن المهم أيضاً أن يكون خاضعًا لمبدأ الضرورة والتناسب، حتى لا يتحول إلى وضع دائم يخل بالتوازن الدستوري.

أما على صعيد قطاع العدالة والحقوق القانونية للمواطنين والتقاضي أمام المحاكم، فيترتب على إعلان حالة الطوارئ هذه، آثاراً مباشرة قد تشمل تقييدًا مؤقتًا لبعض الحقوق والحريات الإجرائية أو الموضوعية، كتنظيم حرية التنقل أو الاجتماعات أو آجال ومدد التقاضي، وذلك بالقدر اللازم فقط لمواجهة الخطر القائم. فقد تبرر حالة الطوارئ اتخاذ تدابير استثنائية وضرورية ومؤقتة من قبل السلطة القضائية مثل تمديد المدد القانونية، أو تأجيل جلسات المحاكم، أو اعتماد وسائل بديلة للتقاضي، بما يضمن استمرار الحد الأدنى من العدالة وعدم ضياع الحقوق، وقد تشمل أيضا هذه التدابير المؤقتة ما دعا إليه عدد من الزملاء المحامين والحقوقيين بخصوص الإدارة المالية للمحاكم بما يضمن استمرار عمل المحاكم ويحفظ كرامة القضاء.

وعلى صعيد العقود المدنية والتجارية، تسمح القواعد العامة في حالات القوة القاهرة أو الظروف الطارئة بإعادة النظر في الالتزامات أو تعليق تنفيذها إذا أصبح الوفاء بها مرهقًا أو مستحيلًا بسبب الظروف الاستثنائية المرتبطة بالطوارئ. ويُفترض أن يتم ذلك ضمن ضوابط قانونية واضحة تكفل حماية الثقة المشروعة واستقرار المعاملات. وهذا ينسحب إلى القطاع المصرفي ومسألة القروض المصرفية التي تثقل كاهل المواطنين، حيث تتيح حالة الطوارئ للجهات المختصة التنسيق مع البنوك لإعادة جدولة القروض، أو تأجيل استحقاقات السداد، أو تخفيف الجزاءات، دعمًا للاقتصاد وحمايةً للمقترضين المتضررين. ويظل نجاح هذه التدابير مرهونًا بوضوح الأساس القانوني لها، وشفافية تطبيقها، ورقابة فعالة توازن بين متطلبات الطوارئ وحماية سيادة القانون.

ختاماً فإن قيام الحكومة بدور أكبر وأكثر فاعلية في تنظيم السوق والرقابة عليه من خلال الأداة الاستثنائية المتمثلة بحالة الطوارئ ليس خيارًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة وطنية واقتصادية وأخلاقية. فالحكومة، في السياق الفلسطيني، مطالَبة بأن تكون حارسًا للمصلحة العامة، لا مجرد مراقب سلبي. وفي ظل الأزمات المتلاحقة، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، فإن أي تقصير في هذا الدور يعمّق التفاوت الاجتماعي ويقوّض أسس الصمود المجتمعي. فتنظيم السوق الفلسطيني، لا سيما في مجال السلع والخدمات الأساسية، يشكّل أحد أعمدة السيادة الاقتصادية والاجتماعية.

ومع تفهمنا الكامل للتحديات التي تواجهها الحكومة وإدراكنا لكم وطبيعة الضغوط التي تتعرض لها هذه الحكومة، إلا أن عدم قيامها (أي الحكومة) بأخذ إجراءات حقيقية وفاعلة من النواحي التنظيمية والإدارية في تنظيم هذه القطاعات الهامة التي أشرنا إليها أعلاه لا يُفسَّر فقط كقصور إداري، بل كإخفاق في أداء وظيفة اجتماعية واقتصادية ودستورية أساسية. فأبسط ما نرنو إليه ونطلبه من الحكومة في ظل هذه الظروف الصعبة هو قدرتها التنظيمية على وقيامها بحماية مواطنيها من تغوّل السوق حين يعجز الفرد عن حماية نفسه في الظروف الصعبة التي يعيشها المجتمع، وأن تقوم بدورها في حماية المواطنين من النار التي امتدت لتحرق الأخضر واليابس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى