مقالات الخامسة

هل ستستأنف حرب الإبادة ؟

الخامسة للأنباء - غزة

يسود مستوى من التشاؤم غير المسبوق لدى السواد الأعظم من الشعب الفلسطيني، وبخاصة في قطاع غزة الذي لا يزال ينزف دماً ويعيش كارثة تمس الحق في الحياة والغذاء والدواء والسكن والتعليم والعمل.
2.3 مليون دفعوا ثمنا باهظا وما زالوا يدفعون ويهددون بدفع المزيد وبخاصة في حالة فشل خطة ترامب وعودة نتنياهو لاستكمال الحسم العسكري وشطب كل حل سياسي.
وفي الوقت ذاته تتواصل استباحة الضفة الغربية حيث تتعرض التجمعات البدوية والقروية إلى تطهير عرقي ويتواصل الخنق الاقتصادي الذي يهدد جهازي الصحة والتعليم بالانهيار.
لم تتوقف الحرب في الضفة ولم تتوقف حرب غزة بعد حصول نتنياهو على إجازة أميركية لمواصلة العدوان.
فقد بلغ عدد الشهداء منذ وقف إطلاق النار 871 شهيداً، وبلغ عدد الجرحى 2562، ويعترف نتنياهو بأن إسرائيل تسيطر على 60% من مساحة قطاع غزة عبر سياسة القضم التدريجي.
ويلاحظ أن قوات الاحتلال تدمر بشكل منهجي المنطقة التي تخضع لسيطرتها، وتدمر مباني ومرافق في المنطقة التي تسيطر عليها حركة حماس.
الانتهاكات والتعديات والجرائم والعقوبات شرحها يطول ويطول في المشهد الإعلامي والسياسي الفلسطيني، ويكاد يحتل أكثر من 90% من الاهتمام والعرض دون تحليل المضمون، ودون تفكير في خطط الاعتراض والحلول البديلة وحشد الدعم والتأييد وإزالة الذرائع وبناء الثقة بالقدرات.
أمامنا قضايا تستدعي تحركا ومبادرات ومواقف على المستوين الرسمي والمجتمعي الفلسطيني، حيث لا يمكن الاعتماد على حل من الخارج في الوقت الذي لم تحتل فيه أولوية
القضية الأولى: إنهاء حرب غزة بحل سياسي ينهي الاحتلال الإسرائيلي ويبدأ بإعادة الإعمار، وما يعنيه ذلك من تطبيق خطة ترامب المدمجة بالمبادرة الفرنسية السعودية. غير أن حكومة نتنياهو تتعامل مع الخطة بشكل انتقائي وتستعد لاستئناف الحرب بغية تدمير البقية الباقية واستنزاف المجتمع وإعادة تهجيره ونقله من مكان إلى آخر داخل القطاع.
ويعلن نتنياهو أنه لن يسحب قواته ولن يعيد الإعمار قبل موافقة حماس على نزع السلاح.
في هذا السياق يقول ميلادينوف مبعوث مجلس السلام: الشرط الأساسي لإحراز تقدم في خطة ترامب التي تتمحور حول إعادة الإعمار هو موافقة حماس على نزع سلاحها. ويضيف: لكن نزع السلاح لا يمكن أن يبدأ إلا بعد وقف إطلاق النار وتنفيذ البروتوكول الإنساني وإنهاء الضربات العسكرية وفتح معبر رفح. يلاحظ أن التزام إسرائيل بهذه البنود لم يتحقق إلا جزئيا بل إن سيطرتها على أجزاء إضافية من القطاع والاستعداد لمهاجمة الجزء الثاني تعزوه إلى إعادة حماس لحكمها وسيطرتها على جزء من القطاع، وإلى رفض نزع سلاحها التي حددته خطة ترامب.
تتحدث مصادر إسرائيلية عن عرض جديد قدم إلى حركة حماس ربط نزع سلاح حماس بنزع سلاح المليشيات التابعة لإسرائيل ضمن آلية مراقبة دولية، والسماح لضباط الشرطة العاملين في غزة بمواصلة عملهم مع إضافة ضباط شرطة جدد بعد إخضاعهم  لفحوصات أمنية إسرائيلية. وفي حالة فشل تطبيق البنود المتعلقة بنزع السلاح بالتفاوض وعبر الوسطاء، قد تقوم قوات الاحتلال بإعادة احتلال الجزء الثاني من القطاع، أو يتم تصعيد الاستهداف بالتدمير والقتل اليومي دون احتلال، وقصر عملية الإعمار على رفح وبعض المناطق التي تسيطر عليها قوات الاحتلال كما ورد في البند 17 من خطة ترامب.
هذه القضية لا تقتصر على حركة حماس بل تهم الكل الفلسطيني وتحتاج إلى موقف يشارك فيه المواطنون في قطاع غزة.
السؤال المهم الذي يحتاج إلى إجابة، هل تستطيع حماس الاحتفاظ بسلاحها وبحكمها غير المباشر وبفرض انسحاب إسرائيلي إلى ما قبل 7 أكتوبر وإعادة الإعمار؟ بموافقتها على خطة ترامب التي تنص صراحة على نزع السلاح والتراجع عن حكمها وعلى وصاية «مجلس السلام» تكون حماس قد أجابت عن السؤال، إجابة لا لبس فيها وهي الموافقة على نزع السلاح والتراجع عن الحكم.
إذاً، لماذا غيرت حماس موقفها؟ هل نجحت بوساطة قطرية تركية في تغيير الموقف الأميركي؟
ليس من الصعب معرفة حدود التغيير في الموقف الأميركي، وهو أن تشارك حماس في أمن غلاف غزة بالسلاح المسموح به، وأن يتم استيعاب الجزء الأكبر من شرطتها وموظفيها المدنيين في الحكم الجديد، وأن تبقى على موقفها المتمثل بفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية وفي قطع الطريق على الحل الدولي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
هذا التغيير إن حصل لا سمح الله سيضع حماس في موقع ميليشيا تابعة للاحتلال. هناك قراءة أخرى لموقف حماس تقول إنه لا يجوز منح إسرائيل (السلاح والحكم) وهو ما عجزت عن انتزاعه بالحرب، وليس أمام حماس غير الحذو حذو حزب الله الذي استأنف حربه ضد إسرائيل دعما لإيران، ولكن على ماذا تعتمد حماس في الانجرار للحرب مع جيش يحترف الإبادة والتدمير.
من غير المعقول عدم الالتفات لسنتي حرب مع نتائج كارثية، ومن غير الطبيعي  عدم التوقف عند فشل محور المقاومة الذي تقوده إيران وخسارته الفادحة على كل الصعد، وعلى كل الجبهات.
الفرق بين موقف حركة حماس والفصائل والنخب الدائرة في فلكها وموقف معظم المواطنين في قطاع غزة هو الفرق بين لغة العمى الأيديولوجي التي تقود إلى المقامرة والانتحار والاستسلام وبين لغة العقل والحياة التي تصنع الحرية.
في هذه المرة لا ينبغي لحركة حماس ومحورها أن تجر المواطنين إلى خيارها الانتحاري الذي يهدد وجودهم ومصيرهم. قرار الحرب والسلم لا ينبغي أن يبقى بيد قيادة غير مؤهلة.
القضية الثانية: تهديد أهم ركيزتين أساسيتين في تماسك المجتمع الفلسطيني هما جهازا الصحة والتعليم المؤسسان منذ العهد العثماني.
فأموال الضرائب الذي تقتطع من المواطنين والتي من المفترض أن تذهب إلى التعليم والصحة تُقرصن ويصادر بعضها تحت بند تعويضات للمحتلين.
ماذا تفعل الحكومة أولاً والمؤسسات والنخب والتنظيمات ثانياً، للحفاظ على جهازي التعليم والصحة.
لم يعرف أحد بخطر انهيار الجهازين وتحويله إلى قضية رأي عام في الداخل والخارج، سواء برفع دعاوى قانونية من قبل جهات الاختصاص وتقديم توصيف  قانوني لعملية تدمير البنية التحتية للتعليم والصحة.
توصيف يقدم الفعل الاسرائيلي كجريمة حرب. هذا الإجراء في غاية الأهمية لأنه يقدم دليلا إضافيا على حرب الإبادة التي تمارسها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني. لماذا لا تطالب أي جهة فلسطينية منظمتي اليونسكو واليونسيف باتخاذ مواقف رداً على انتهاك إسرائيل الفادح لمواثيق تلك المنظمات.
من غير المفهوم لماذا لا تبادر فلسطين العضو في الجامعة العربية إلى عرض خطر انهيار الصحة والتعليم ومطالبة الملوك والرؤساء والأمراء العرب باتخاذ الإجراءات المطلوبة.
ثم أين دور وزارة الصحة ودور وزارة التعليم وأين مبادراتهما لتفادي خطر الانهيار. على الأقل شرح المشكلة للمجتمع الفلسطيني وللرأي العام العربي والعالمي ومشاركة وزارات الصحة والتعليم العربية والصديقة في عرض المشكلة.
ثم لماذا لا تُشكل لجنة كفاءات رسمية ومجتمعية تضع نصب اهتمامها إيجاد الدعم  ووضع خطة تبدأ بوضع الرأسمال الفلسطيني أمام استحقاق المساهمة في الأعباء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى