مسافر يطا: البوابة الشرقية.. حيث تُسرق الأرض ويُحرق الرزق ويُزهق الروح

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: رائد ابو عيد
بينما تتجه أنظار العالم إلى غزة، تدور معركة وجودية صامتة في جنوب الخليل. هنا، في مسافر يطا، التي تمتد على مساحة استراتيجية شاسعة تزيد عن 300 كيلومتر مربع، تتكون مأساة متعددة الأوجه. هذه الأرض ليست مجرد رقعة جغرافية، إنها بوابة فلسطين الشرقية، حيث تلامس حدود الضفة الغربية البحر الميت. السيطرة عليها تعني فصل جنوب الضفة عن قلبها وتحويل أي كيان فلسطيني مستقبلي إلى جزر معزولة. منذ السابع من أكتوبر، وتحت غطاء الحرب على غزة، تحولت هذه الاستراتيجية إلى هجوم محموم، يقوم على ثلاثة أركان تعمل بتناغم قاتل: الرصاصة، النار، والقانون.
1. الاستيطان الرعوي والإرهاب المباشر: القتل بغطاء عسكري
المستوطنون المسلحون، الذين يعيثون فساداً تحت حماية الجيش الإسرائيلي، هم رأس الحربة. العلاقة بينهما ليست تعايشاً، بل شراكة فعلية؛ فالجيش يحمي المعتدين، ويقف متفرجاً أثناء تنفيذ الهجمات، ويعتقل الفلسطينيين الذين يدافعون عن أنفسهم. النتيجة كانت سقوط العديد من الشهداء الفلسطينيين في مسافر يطا برصاص المستوطنين وجنود الاحتلال، في جرائم قتل صُممت لزرع الرعب ودفع الناس للرحيل. لكن القتل لا يتم فقط بالرصاص.
2. الحرب المالية: إحراق الرزق وسرقة الأغنام والحصاد
إلى جانب إراقة الدماء، ثمة حرب اقتصادية قذرة تُشن يومياً. لا يكتفي المستوطنون بطرد الرعاة من مراعيهم، بل يسرقون أغنامهم بشكل ممنهج، وهي ثروة العائلة الوحيدة ومدخرات حياتها. هذا ليس عملاً تخريبياً هامشياً، بل هو استهداف مباشر لشريان الحياة الاقتصادي الوحيد. أما في السهول الزراعية القليلة، فتتكرر المأساة: عصابات المستوطنين تقوم بحرق المحاصيل الحقلية وهي في موسم حصادها، أو تسرق المحصول بالكامل بعد أن يكون المزارع قد قضى موسماً كاملاً في حرثه وسقايته. إنها سياسة ممنهجة تقوم على مبدأ: إذا لم تستطع البقاء جائعاً ومعدماً، فلا مكان لك هنا. تدمير آبار المياه والمدارس والطاقة الشمسية الممولة دولياً يأتي مكملاً لهذه الصورة، لضمان عدم وجود أي بنية تحتية تخفف من وطأة العذاب.
3. الغلاف السياسي والقانوني: شرعنة السطو
الحكومة الإسرائيلية المتطرفة هي العقل المدبر. عبر إعلان الأرض المسروقة “أملاك دولة”، يتم تحويل البؤرة الإرهابية إلى “مستوطنة شابة” قانونية وتزويدها بالبنية التحتية. هذا الغطاء القانوني يضفي شرعية على وجود المستوطنين المسلحين، ويمنحهم إفلاتاً كاملاً من العقاب على جرائم القتل والسرقة والحرق، مما يشجعهم على ارتكاب المزيد من الفظائع.
الخلاصة
ما يحدث في مسافر يطا هو تنفيذ لاستراتيجية ضم تهدف للسيطرة على البوابة الشرقية لفلسطين، عبر مزيج خبيث من القتل المباشر، وسرقة الأغنام والمحاصيل، وإحراق الرزق، والتجويع البطيء. إذا استمر هذا الهجوم دون رادع، فلن تُفقد منطقة فحسب، بل ستُقضى على أي أمل في وطن فلسطيني متصل جغرافياً، وسيُترك أهلها بين قتيل وجائع ومهجّر.





