تقاريرثابت

من حقيبة زرقاء إلى لوحة صغيرة.. أطفال غزة يصنعون فرحتهم

الخامسة للأنباء - غزة

أطفال غزة يصنعون فرحتهم.. تقرير خاص إعداد آمنة غنام

في غزة، حيث تبدو تفاصيل الطفولة مثقلة بآثار الحرب، وجد الأطفال طريقة صغيرة لاستعادة شيء من عالمهم الذي افتقدوه.. ألوان وأقلام، وحقائب مدرسية زرقاء تحولت من مجرد مساعدات إلى لوحات تحمل رسوماتهم وأحلامهم.

لم يترك الأطفال اللون الأزرق يفرض شكله على حقائبهم. بل أضافوا إليها ما يشبههم، رسومات وألوان، في محاولة لاستعادة مساحة من الفرح، والتعبير عن أنفسهم بطريقتهم الخاصة.

تقول الطفلة جومانة حسنين (١٣ عام) :” الحرب خلتنا ما نقدر نعمل أشياء كثيرة. بس لما أعطونا الألوان والشنطة حسيت إننا بنقدر نعمل شيء جميل، رسمت بيت وشجرة وشمس، لأن نفسي أرجع أشوف أيام حلوة”.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

بينما يعبر الطفل أحمد أبو موسى (١١ عام) عن فرحته بما أبدع على حقيبته قائلًا :”رسمت على حقيبتي كرة وأشياء بحبها، لأنني أحب الرياضة واللعب مع أصحابي. فرحت كثير وأنا ألونها، وصارت الحقيبة بالنسبة إلي أجمل، وحسيت إنها صارت تعبر عني “.

فيما قالت الناشطة الصحفية إيمان غنام والتي شاركت في مبادرة لتلوين شنط الأطفال في مواصي خانيونس أن التجديد والتغيير يدخل البهجة على نفسيات الأطفال. مؤكدة أن الأطفال يستحقون الفرحة ولو بأبسط الإمكانيات.

ودعت غنام الرسامين والمبدعين للمشاركة في إضفاء طابع جميل على هذه الحقائب لتحمل ملامح الفرح.

وعلى الرغم من أن الهدف من الحقيبة توفير احتياج أساسي للطلبة. بدا شكلها بالنسبة لبعض الأطفال باهتًا ولا يشبه الحقائب التي يتخيلونها قبل بدء العام الدراسي.

لكن الغزيين لم يتركوا هذه التفاصيل الصغيرة تقف في طريق فرحة أطفالهم.

مساحة للتعبير 

في هذا السياق، قالت مديرة مدرسة الريس الخاصة الأستاذة شوق الريس، صاحبة فكرة مبادرة تلوين الحقائب. إن الفكرة انطلقت من رغبة في زرع حب الأغراض والممتلكات في نفوس الأطفال، وإتاحة مساحة لهم للتعبير عن أنفسهم، مؤكدة أن أهل غزة يحترفون صناعة الأمل رغم كل الظروف.

وأوضحت الريس أن التلوين يعد أحد أشكال العلاج بالفن، ويدخل ضمن أساليب الدعم النفسي للأطفال. مشيرة إلى أن المبادرة هدفت إلى تحويل الحقيبة من مجرد حقيبة مساعدات إلى مساحة تحمل آمال الأطفال وأحلامهم. وتمنحهم فرصة للتعبير عنها بعيدًا عن واقع الحرب والظروف القاسية التي يعيشونها.

وأضافت أن الحقيبة بالنسبة للطفل في غزة ليست مجرد وسيلة لحمل الكتب، بل “بيته المتنقل” وجزء من شخصيته. فهو يصطحبها معه إلى المدرسة أو عند خروجه إلى الحديقة أو البحر أو ذهابه إلى درس إضافي. ومن هنا، فإن تلوينها يمنح الطفل مساحة ليقول من خلالها: “أنا هنا، أنا أحلم، أنا موجود، ومستمر في التعليم” .

ولفتت إلى أن التفاعل مع المبادرة لم يقتصر على الأطفال، بل امتد إلى الأهالي. الذين وجدوا فيها بدورهم فرصة للتفريغ النفسي ومشاركة أبنائهم لحظات من الفرح والإبداع.كما أشعلت المبادرة روح الحماسة والمنافسة بين الأطفال، فحرص كل منهم على تقديم أجمل ما لديه وتحويل حقيبته إلى مساحة تعكس شخصيته وخياله.

وأشارت إلى أن المدرسة وفرت للأطفال ما أمكن من الألوان والأقلام والأدوات. وتركت لهم المجال مفتوحًا لاختيار الطريقة التي يرغبون بها في تزيين حقائبهم، سواء بالرسم والتلوين أو التطريز والخرز وغيرها من أشكال الزينة، موضحة أن نحو 80% من طلاب المدرسة تفاعلوا مع المبادرة.

وأكدت الريس أن أهل غزة “عنوان للإبداع والتميز”. لافتة إلى أن الأهالي حرصوا على مساعدة أطفالهم في جعل حقائبهم مميزة، وهو ما جعل كل حقيبة تبدو كأنها لوحة فنية تحمل قصة وصوتًا خاصًا بصاحبها.

ووجهت شكرها إلى منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” على ترك مساحة حرة في الحقائب ليتمكن الأطفال من الرسم عليها. معتبرة أن هذه المساحة تعكس إيمانًا بأهمية الفن والتلوين في مساعدة الأطفال على تفريغ طاقاتهم وزرع الأمل في نفوسهم.

كما ثمّنت جهود المؤسسات والشركاء الذين يقدمون دعمًا ماديًا ومعنويًا للمدارس والنقاط التعليمية. مؤكدة أن كل دعم يصل إلى الأطفال لا يمثل مجرد مساعدة، بل فرصة للشفاء واستعادة التعلم، وتشجيعًا لأفكار الطلاب وإبداعاتهم.

٣ سنوات من الحرمان

وجاءت هذه الحقائب ضمن جهود اليونيسف والشركاء لتوفير المستلزمات التعليمية للأطفال في غزة. بعد سنوات حرم خلالها آلاف الطلبة من أبسط احتياجاتهم المدرسية.

ومع وصول الحقائب بلونها الأزرق الموحد، وجد الأطفال والأهالي طريقة خاصة لإضفاء لمستهم عليها. فتحولت الحقائب من مجرد وسيلة لحمل الكتب والقرطاسية إلى مساحة صغيرة للرسم والتعبير والفرح.

صناعة الفرحة

الفكرة لم تكن مجرد تزيين لحقيبة مدرسية، بل محاولة بسيطة لصناعة الفرح من الإمكانات المتاحة.

ففي غزة، حيث أثرت الحرب في تفاصيل الحياة اليومية، لم تعد الأشياء الصغيرة هامشية بالنسبة للأطفال.

لون الحقيبة، رسم على دفتر، قلم جديد، أو مساحة للعب؛ كلها تفاصيل يمكن أن تصنع فارقًا في يوم طفل يحاول العودة إلى مقعده الدراسي وسط ظروف استثنائية.

ومع كل رسمة أضيفت إلى حقيبة، كان الأطفال يستعيدون جزءًا من قدرتهم على الاختيار. حيث انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع لنشطاء ومبادرات تشجع إبداعات الأطفال.

الحقيبة التي وصلت إليهم بلون واحد أصبحت تحمل شخصية كل طفل؛ أحدهم يختار زهرة. وآخر يرسم شخصية يحبها، وثالث يكتب اسمه بخط كبير، فيما يترك آخرون للخيال مهمة تحويل المساحة الزرقاء إلى شيء يشبههم.. هكذا، لم تعد الحقائب متشابهة كما وصلت.

هذا المشهد حمل رسالة مفادها أن أطفال غزة لا يبحثون فقط عن مستلزمات المدرسة، بل عن حقهم في أن تكون لهم طفولة تشبه الأطفال في كل مكان.. حتى عندما تكون الظروف المحيطة بهم خالية من كثير من أسباب الفرح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى