شبكة الخامسة للأنباء - غزة

اقتصاد “الأرصفة” في غزة.. تقرير خاص
وسط ركام المحال التجارية الكبرى وغياب المراكز الاقتصادية المنظمة، تحولت أزقة مخيمات النازحين وأرصفة الشوارع في قطاع غزة إلى “أسواق ظل” بديلة. حيث لا مكان للعقود الرسمية أو السجلات التجارية؛ فالحاجة هي المحرك الوحيد، والبسطة الخشبية هي العنوان الأخير للصمود المعيشي.
تدمير ممنهج للبنية الاقتصادية
في متابعة لهذا الملف، يشير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أن الاحتلال استهدف بشكل مباشر المنظومة الاقتصادية. وبحسب بياناته، فإن أكثر من 80% من المنشآت التجارية والصناعية خرجت عن الخدمة بشكل كامل.
ويؤكد المكتب أن “الأسواق العشوائية” الموجودة حاليًا ليست علامة رفاهية، بل هي نتاج لسياسة تجويع ممنهجة، حيث يحاول المواطنون سد الثغرات التي خلفها تدمير المخازن الكبرى ومنع دخول البضائع عبر المعابر الرسمية، محذراً من أن استهداف هذه التجمعات التجارية الصغيرة يهدف إلى كسر إرادة البقاء لدى النازحين.
صراع الأسعار وتجارة الأزمات
من جانبها، تواجه وزارة الاقتصاد الوطني تحدٍ مزدوج؛ فهي من جهة تدعم بقاء الأسواق لتوفير الحد الأدنى من السلع، ومن جهة أخرى تحاول جاهدة ضبط حالة “الانفلات السعري”.
وتوضح مصادر الوزارة أن “اقتصاد البسطات” يعاني من تشوهات كبيرة نتيجة تحكم “تجار الحروب” في بعض السلع الشحيحة، مؤكدة أن طواقم حماية المستهلك -رغم ضعف الإمكانيات- تحاول رصد المخالفات، إلا أن انقطاع سلاسل التوريد وندرة السيولة النقدية يجعلان التحكم في السعر أمراً في غاية التعقيد.
القطاع الخاص في “غرفة الإنعاش”
وفي قراءة للمشهد المؤسساتي، تصف الغرف التجارية الفلسطينية ما يحدث بأنه “تآكل للطبقة الوسطى”، فقد تحول أصحاب المصانع وكبار التجار إلى باعة مفرق على أرصفة الطرقات، وتشير الغرفة التجارية إلى أن فقدان الآلاف لوظائفهم في القطاع الخاص الرسمي دفع بالجميع نحو “الاقتصاد غير الرسمي”، وهذا التحول، رغم كونه وسيلة للبقاء، إلا أنه يعني فقدان الدولة لأي نظام ضريبي أو رقابي، ويجعل الدورة الاقتصادية محصورة في مبالغ زهيدة لا تكفي لإعادة إنعاش المجتمع مستقبلاً.
انعدام الأمن الغذائي ينهش النازحين
دوليًا، ترسم تقارير الأونروا وبرنامج الغذاء العالمي (WFP) صورة قاتمة. فالمؤسسات الدولية ترى في هذه الأسواق الشعبية دليلاً على “فشل النظام الإنساني العالمي” في إيصال المساعدات بشكل كافٍ. فيما تؤكد التقارير الدولية أن ما يعرض على هذه البسطات غالباً ما يكون مواد إغاثية يباع جزء منها لتأمين احتياجات أساسية أخرى (كالخضروات أو الدواء). مما يشير إلى أن القدرة الشرائية للغزيين وصلت إلى مستويات الصفر. وأن “اقتصاد الخيام” هو اقتصاد “مقايضة من أجل البقاء” أكثر من كونه نشاطاً تجارياً حقيقياً.
صمود بمرارة الجوع
يبقى “سوق الظل” في غزة شاهداً على قدرة الفلسطيني على الابتكار في أحلك الظروف. فبينما تغيب القوانين الاقتصادية العالمية، تُخلق قوانين جديدة على أرصفة النزوح. قوانين قوامها تقاسم الرغيف، ومواجهة الحصار بالأمعاء الخاوية. والتمسك بالحياة حتى في أبسط صورها التجارية.





