مقالات الخامسة

الزوايا «النووية» الثلاث في الحرب على إيران!

شبكة الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: عبد المجيد سويلم

دعونا نحاول فكّ أضلاع هذا المثلّث لكي نعيد ترتيبها من جديد.
الضلع الأوّل هو الذي يتعلّق بالسلاح النووي الإيراني. والزاوية هنا هي فيما إذا كانت إيران تمتلك مثل هذا السلاح، أو فيما إذا كانت تتستّر عليه لكي تعلن عنه عند درجة معيّنة من تطوّرات وأحداث هذه الحرب، أو عندما يصبح الإعلان عنه مسألة ملحّة، ولم يعد بمقدورها إلّا أن تعلن عنه.
والزاوية، أيضاً، هي فيما إذا كانت إيران لا تمتلك مثل هذا السلاح، ولكنها ستكون قادرة، وعازمة إذا اقتضت الظروف على صنعه. وفي إطار هذه الزاوية بالذات، يكمن الجواب عن سؤال بات واضحاً، وهو: هل سيتمّ ذلك، أقصد (التصنيع والإعلان) في مرحلة وهن وضعف النظام أم ليس هذا هو ما سيحدّد ذلك؟
وفي هذا الإطار والزاوية يطرح تأسيساً على ما سبق: هل ما زالت الفتوى بتحريم إنتاج السلاح النووي قائمة، أم أن الظروف قد تجاوزتها، أو أنها، أي «الفتوى»، فقدت مبرّراتها «الشرعية»، بسبب طبيعة التهديد، وأن التهديد الوجودي ينسف القاعدة الشرعية والفقهية للاستمرار بها؟
الضلع الثاني من أضلاع المثلّث هو الضلع الذي يتعلّق بإمكانية استخدام السلاح النووي من قبيل أميركا جزئياً بهدف فرض «الاستسلام» على إيران ــ كما يمكن أن يتصوّر رئيس أميركا دونالد ترامب ــ أو من قبل رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وليس بالضرورة جزئياً، ليس بهدف «الاستسلام»، لأن الأمر يكون قد وصل إلى ما هو أهمّ من «الاستسلام»، وهو التدمير للبلد كلّه.
والزاوية الأولى في هذا الضلع، أو بالأحرى على جانبه، فيما إذا كان هذا التفكير مطروحاً على الطاولة كخيار من الخيارات، وفيما إذا كان مثل هذا الخيار هو بمثابة «الحلّ» الأخير، وكيف ومتى يمكن أن تصل الأمور إلى هذه الحدود؟ وما معنى أن تكون قد وصلت إلى هنا؟
وفي إطار هذه الزاوية تطرح أسئلة كثيرة ومتشعّبة، مثل: كيف لأميركا أن تضمن عدم تلوّث كامل المنطقة حتى ولو كان الاستخدام جزئياً؟ وكيف لأميركا أن تضمن باعتبار أنها ستكون حتماً على علم بالنوايا، وبالقرار الإسرائيلي، بألا يتم تدمير كامل منطقة الخليج العربي، وصولاً إلى ست دول مجاورة لإيران؟ وماذا يتبقّى من أهمية لكامل كل هذا الإقليم إذا ما وصلت الأمور إلى مثل هذا الواقع؟
ألن تكون البشرية كلّها أمام كارثة تفوق كل ما سبق من كوارث حتى الآن؟ ألن تكون كوارث الحربين العالميتين مجرّد نسخة مصغّرة عن الكارثة إذا حصلت؟ وهل يستحقّ الصراع مع إيران أصلاً كل هذا الثمن؟
أمّا الضلع الثالث فهو الجانب الدولي، أو الزاوية الأخطر في هذا الضلع. لو قُدّر ــ لا سمح الله ــ أن يبلغ التهوّر عند ترامب ونتنياهو هذه الدرجة؟ كيف ستتصرّف روسيا عندما يكون الإشعاع قد بدأ يتسرّب إلى حدودها الجنوبية؟ وكيف ستتصرّف الصين وهي ترى أن تدمير كامل إقليم غرب آسيا حيث مصادرها للطاقة، وحيث طريق تجارتها، وحيث مصالحها الحيوية؟
ثم ماذا عن روسيا؟ ألن تخاف من أن يطولها «النووي» مستقبلاً، وقد وصلت الأمور إلى حدودها؟ هل ستجلس لانتظار دورها؟ أو ستبادر بدورها، وعلى الفور لتحييد أي تهديد لها بدءاً من الخطر الأوروبي عليها؟ ألن يستدعي ذلك من الصين تحصين درعها النووية من أي تهديد خارجي؟ ليس بالاستيلاء على تايوان فقط، وإنّما السيطرة الكاملة على محيطها الآسيوي؟
ثم ماذا عن أوروبا؟ ألن تشعر أنها باتت مهدّدة بالنووي الروسي؟ كيف ستتصرّف في هذه الحالة؟
وفي هذه الزاوية، وفي ثناياها: هل الحديث الذي بات يتكرّر ليس على لسان «المهووسين» من متعصّبي وعتاة المسيحيّين الصهاينة ومن متطرّفي الإنجيليين المحافظين، وإنما على لسان قادة، ووزراء، وشخصيات سياسية مؤثرة في أميركا.. هل هذا الحديث هو مجرّد هلوسة سياسية، أم أن بعض الطقوس التي شهدنا توثيقاً متصوراً لها، بتصوير ترامب «مباركاً» من المسيح، وبدء المجاهرة بيوم «عودة» المسيح، وباليوم الموعود، وباقتراب يوم إقامة «الهيكل الثالث»، وحتى المجاهرة بهدم المسجد الأقصى، هل هذا كلّه مجرّد هلوسة لجماعات مغرقة في الجهل، أم أن هؤلاء باتوا يلعبون أدواراً مباشرة في الإشراف على دفّة إدارة ترامب؟
رأيتُ أن أسهب بشرح هذه القضية الخطرة والشائكة لأهميتها من جهة، ولتوضيح مدى الشرّ الذي يمكن أن يصيب البشرية كلها جرّاء الأطماع الغربية عموماً، والأميركية خصوصاً، والصهيونية على وجه الدقّة والتحديد، والتهديد الذي يمثّله هذا الثالوث على الإنسانية كلّها.
ليس لديّ بالمقابل النيّة بالإجابة عن الأسئلة المفصلية التي أشير إليها في هذا القسم الأوّل من المقال، وذلك لأنني لا أملك مثل هذه الإجابات أوّلاً، ولا يمكن أن أتمكّن من الإجابة حتى عن بعضها في مقال أو عدة مقالات، لأن الأمر يحتاج إلى دراسة مستقلّة، واسعة وشاملة، والظروف القائمة لا تسمح بالتركيز عليها في ظل أحداث هذه الحرب.
لكنني فيما سيلي سأُحاول – دون أن أعدكم بالنجاح – بأنني سأعرض بعض الأفكار المكثّفة للغاية، والتي قد تفيد في قراءة خارطة التحوّلات التي ستنتج عن هذه الحرب.
أوّلاً، وقبل كل شيء، فإن النووي الإيراني الأكبر والأهم هو نووي الصمود، لأن هذا النووي بالذات هو المكافئ «النووي» الأوّل. على قاعدة هذا الصمود، علينا أن ندرك ونعي ونستوعب بكل جدّية وعمق، وسواء اتفقنا مع إيران وأنصارها، وأدواتها أو أذرعها، أو وكلائها، وبصرف النظر عن المسمّيات، أم لم نتفق ــ والأمر ليس مهماً هنا ــ فإننا أمام حالة إيمانية متجذّرة في الوعي الديني لدى إيران، ولدى أنصارها إلى درجة لا تشبه أي مذهب آخر على المستوى العالمي كلّه. ومن «تعلّم» و»تتلمذ» على المدارس الفكرية السنّية أو حتى المسيحيّة واليهوديّة، أو بعض مدارس الطوائف الأخرى، لن يتمكّن من إدراك واستيعاب هذا القدر الهائل من الدافعية الروحية عند أصحاب المذهب الشيعي في جوهره، وليس في بعض طقوسه.
هذه الروحية والدافعية لها وجود مناظر في «السنّية السياسية» الجديدة، لكنها ما زالت محدودة ومحاصرة من محيط عدائي كامل. والمهم هنا هو أن القاعدة الروحية للصمود والتضحية والإقدام والعزيمة شيء لا يفهمه ترامب، ولا الغرب، ولا مثقفو الاستشراق، أو بالأحرى ضحاياه.
ونحن في الواقع سواء شئنا أم أبينا ــ وهذا ليس هو الموضوع ــ نجد مقابل «هيهات منّا الذلّة» لا نجاح أحياناً، وعلى لسان المشايخ سوى «هيهات منّا النخوة»، وفي حرب الإبادة، وبعدها لم نعد نحتاج إلى دليل.
على قاعدة ذلك، فإنني أرى أن إيران، إمّا أنها تمتلك سلاحاً نووياً ستعلن عنه في لحظة تختارها بعناية، أو أنها ستصنع هذا السلاح لأنها ستكون مجبرة عليه، دون أن تعلن عنه إلّا في مرحلة ضعف النظام واقتراب سقوطه، إذ لم يعد، ولن يعود حينها أي مانع شرعي، لأن المرشد الجديد لا يستطيع التغافل عن خطر سقوط النظام، والمرشد أصلاً لم تعد له المكانة التي كانت لعلي خامنئي، ولا الظرف يسمح مع احتدام الحرب بمثل هذه المكانة.
أمام ذلك كلّه، فإن لدى إيران ما يوازي، وما يكافئ السلاح النووي ومن دون ذلك تكون البلاد الإيرانية قد أسلمت رقبتها للغرب لأسباب «أيديولوجية» ساذجة، بل وليست مسؤولة. هذا بالنسبة للضلع الأوّل.
أما بالنسبة للضلع الثاني، فإن الاستبعاد الكلّي لاستخدام السلاح النووي، جزئياً أو كلّياً من قبل ترامب ونتنياهو هو خطأ قاتل. الأمر وارد، حتى وإن لم يكن مرجّحاً، والحرب على إيران مفصلية بالنسبة لمكانة أميركا، ومصيرية من زاوية المصالح الحيوية، وعلى أعلى درجات الأهمية والخطورة من زاوية الصراع مع الصين على مستقبل قيادة العالم، وحساسة للغاية من زاوية الصراع مع روسيا حول موقع الأخيرة في القارة الأوروبية، ولكنها قبل كل شيء قضية مصيرية بالنسبة للحركة الصهيونية في نسختها العنصرية السّافرة والمنفلتة تماماً من عقالها، وبالنسبة لدولة الاحتلال والتيّار الفاشي الذي يقودها، وما زال هو التيّار الأقوى، والمركزي الحقيقي فيها، وذلك بالنظر إلى أن غالبية «المعارضة» تسبح في مياه هذا التيّار.
أمّا في الضلع الدولي، فالأمر لا يحتاج إلى اجتهادات كثيرة، إذ يستحيل على روسيا أو الصين ألا تستخدم السلاح النووي مباشرة بعد أيّ استخدام أميركي أو إسرائيلي، وبنفس الطريقة، وبنفس درجة أهمية الهدف.
أي أن روسيا والصين في هذه الحال ستستخدمان السلاح النووي في محيطهما القارّي، من دون أدنى شكّ أو تأخير.
وبالتالي فإن عدم وجود إنذار صيني وروسي لأميركا ودولة الاحتلال حتى الآن قد يعود لأن المسألة ما زالت قيد المتابعة والرصد.
وفي الختام، فإن المؤسف أن بعضنا، في بلادنا، وفي بلاد العرب والمسلمين، وبعض مثقّفينا، والمثقّفين العرب ما زالوا لا يدركون هذه الحقائق، وهذه المعادلات، وهم بذلك ليسوا سوى مساكين، تجوز عليهم صدقة «فطرة» عيد الفطر السعيد، وكفّارة الصوم في أيّام الشهر الفضيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى