الشهيد المصور الصحفي أحمد القرا.. صاحب الابتسامة التي هزمت غبار الحرب

الخامسة للأنباء - غزة
الشهيد المصور الصحفي أحمد القرا .. أقمار الصحافة إعداد: إيمان غنام
في أزقة خان يونس التي لم يهدأ ضجيج القصف فيها، كان هناك شابٌ لا تفارق الكاميرا كتفه، يطارد الضوء وسط الغبار، ويبحث عن قصص الحياة في مدن الموت .. لم يكن أحمد القرا مجرد مصورٍ ينقل الخبر، بل كان عين الحقيقة التي يرى العالم من خلالها وجع الجنوب الفلسطيني.
واليوم، لم تعد كاميرا أحمد تلتقط الصور، بل باتت هي نفسها صورةً مرسومةً بدمائه فوق نعشه، لتروي الفصل الأخير من حكاية صحفيٍّ لم يترجل عن صهوة المهنة إلا ليرتقي شهيداً.
حياته ونشأته
وُلد الشهيد أحمد محمود القرا في 10/9/1988 ونشأ في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، حيث تشبع بروح العمل الوطني والإعلامي منذ صباه، درس الإعلام وتخصص في التصوير والإنتاج، مما صقل موهبته الفطرية في التقاط الصور التي تنقل المعاناة الإنسانية.
أحمد.. عُرف بنشاطه الدؤوب كمصور إبداعي وصانع محتوى، مع اندلاع حرب 2023 ركز أحمد في عمله على توثيق نقل معاناة المواطنين في المخيمات والأسواق تحت وطأة الحصار، حيث كان حاضراً في الصفوف الأولى لتغطية الفعاليات الوطنية والاعتداءات المتكررة على القطاع، متميزاً بسرعة نقل الخبر ودقة الزاوية البصرية.
وعمل أحمد مع عدة منصات إعلامية محلية، وكان يُنظر إليه كواحد من الكوادر الشابة الواعدة في مجال “صحافة الفيديو”، كما تعاون مع عدة وكالات أنباء ومنصات رقمية لتزويدهم بمشاهد حية من التوغلات في خان يونس، حيث كانت عدسته توثق اللحظات الأولى للاستهدافات.
يصفه زملاؤه بأنه كان “دينامو” التغطية؛ فبينما كان الجميع يبحث عن مأمن من القصف، كان أحمد يجهز معداته وينطلق نحو مكان الغارة، مؤمناً بأن كل ثانية تأخير هي ضياع لحقيقة يجب أن تصل إلى العالم.
الشهيد المصور الصحفي أحمد القرا.. مشواره المهني
عمل أحمد مصور ومحاضر في جامعة الأقصى، كما عمل كمصور صحفي ومعد محتوى ميداني، وكان يركز بشكل أساسي على “صحافة الفيديو” وتوثيق اللحظات العفوية والمؤلمة من قلب الأحداث.
اتسمت تغطيته بالجرأة والاقتراب من نقاط التماس، خاصة في منطقة شرق خان يونس وبلدة بني سهيلا، لم يكن يبحث عن “السبق” بقدر ما كان يبحث عن “الإنسان”، فكانت عدسته تلاحق جراح الأطفال، ودموع الثكالى، وصمود المسنين وسط الأنقاض.
تعاون مع العديد من المنصات الإعلامية المحلية والمبادرات الشبابية التي كانت تهدف لنقل صورة غزة إلى العالم عبر منصات التواصل الاجتماعي.
كان يُعرف بـ “صحفي الميدان الأول” في منطقته، حيث كانت تركزت معظم حياته المهنية في شرق خان يونس (مناطق بني سهيلا، عبسان، وخزاعة). حيث تعد المناطق تُعد من أكثر المناطق تعقيداً من الناحية الصحفية لخطورتها وقربها من السياج، لكن أحمد اختار أن يكون “عين الحقيقة ” هناك.
كان يتنقل بين مراكز الإيواء والمستشفيات ومواقع القصف، ليوثق ليس فقط الدمار. بل قصص الصمود والحياة اليومية تحت الحصار، كما تميزت تغطيته بـ “القرب من الناس”. حيث كان يقضي وقتاً طويلاً مع العائلات النازحة لينقل صوتهم للعالم.
لم يكتفِ بنشر أخبار القصف؛ فكان ينتج مقاطع فيديو تبرز حياة الناس، قصص الأطفال. ومعاناة النازحين بأسلوب قصصي (Storytelling) مؤثر، حيث أدار حسابات نشطة على منصات التواصل الاجتماعي. والتي تحولت خلال الحرب إلى مرجع إخباري أساسي لآلاف المتابعين الباحثين عن تفاصيل الأحداث في جنوب القطاع.
كما برع في استخدام تقنيات التصوير الحديثة، وكان يطور من أدواته باستمرار لمواكبة التطور في “الإعلام الجديد”. ومع الظروف القاسية من انقطاع الكهرباء والإنترنت. كان يضطر لقطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام لإرسال مواده المصورة للوكالات.
“خسارةٌ لا تُعوض”
أخوه المصور الصحفي زكريا القرا قال.: “شقيقي أحمد كان في كل لقاء ألتقيه في الحرب ورغم كل الظروف لم تكن تفارقه إبتسامته “. لافتا أن كثيرا ما تمنى شقيقه الشهادة وها هو نالها .
وأضاف لطالما أرادني أحمد أن أكون مصورا مثله كان دائما يحفزني ليخرج أفضل ما لدي فكان دائما ملهمي.
فيما أشار خاله “عبدالله القرا” للخامسة، أن الشهيد أحمد امتلك شغفًا مبكرًا بالتصوير منذ أن كان طالبًا في الثانوية. حيث اعتاد توثيق المظاهرات والمهرجانات والحفلات، قبل أن يُكمل دراسته الجامعية في تخصص هندسة الكمبيوتر. ثم واصل مسيرته الأكاديمية بالحصول على درجة الماجستير في الإعلام.
وتابع: “كان أحمد حاضرًا دائمًا في قلب الحدث، لا يتأخر عن تغطية أي حدث ميداني. خاصة في المحافظات الجنوبية، وكان يحمل رسالة الصحفي بكل شجاعة وإصرار”.
ولفت إلى أن استشهاده لم يكن مستبعدًا بالنسبة لعائلته، نظرًا لإصراره الدائم على التواجد في أماكن الخطر. وسعيه المستمر لنقل الحقيقة رغم المخاطر المحدقة.
كما نعاه طلاب الجامعة قائلين عنه.: ” موثق كل لحظاتنا الحلوة بالجامعة كنت نعم المعلم النجيب الناصح والمجيب عن ما يصعب علينا. صاحب المعاملة الطيبة والابتسامة الجميلة والخلق الحسن “. فيما اعتبرت نقابة الصحفيين أن استهدافه هو جزء من خطة ممنهجة لتغييب الرواية الفلسطينية.
الصحفي الشهيد صالح الجعفراوي قال عن استشهاده: ” خانيونس فقدت باستشهاد أحمد القرا أحد أوفى أبنائها.. عين الميدان والكاميرا التي رصدت الحقيقة حتى آخر لحظة”. كما نعته منصات محلية واصفين إياه بـ “فارس الكلمة والصورة” الذي استُهدف وهو يؤدي واجبه المهني بكل أمانة.
كما كتب زملائه عقب تشييعه: “يا أحمد، كنتَ تصوّر الجنازات، واليوم نحن نصوّر جنازتك.. كنتَ تنقل وجع الناس، واليوم وجعنا عليكَ لا يصفه تقرير ولا تحمله صورة”.
في جنازته، حُملت كاميرته فوق نعشه، في رسالة رمزية مفادها أن الأدوات قد تتوقف عن العمل. لكن الرسالة التي نُقلت من خلالها أصبحت ملكاً للتاريخ.
الغدر يغتال الصورة
في يوم 10/11/2023، ارتقى أحمد أثناء قيامه بواجبه المهني في تغطية الأحداث شرق خان يونس. طالته يد الغدر إثر استهدافه من قبل طائرة استطلاع إسرائيلية بشكل مباشر.
ارتقى أحمد شهيداً وهو يرتدي درعه الصحفي. ليلتحق بقافلة طويلة من زملائه الذين استُهدفوا بشكل مباشر لإطفاء عين الحقيقة في قطاع غزة.
رحل أحمد القرا، لكن إرثه البصري ظل حياً في أرشيف القضية. حيث أثبت بدمائه أن الصحفي الفلسطيني ليس مجرد ناقل للحدث، بل هو جزء أصيل من نسيج المعاناة والصمود.















